اليمن في مذكرات هيلاري كلنتون
انشغلت كثير من المواقع الإعلامية، خلال اليومين الماضيين، بالعلاقات اليمنية الأمريكية بعد تسريب عدد من الإيميلات المنسوبة لوزارة الخارجية الأمريكية .
وما يثير الانتباه هو أن المكانة التي تحتلها اليمن في خارطة الدبلوماسية الأمريكية لا بد أن تقرأ بعناية بعيداً عما ينتجه الواقع السياسي في المنطقة من استقطابات عشوائية لا تترك مجالاً للتقييم الموضوعي الذي يحتاجه بلد مهدد بالضياع مثل اليمن.
ولا أدل على الحاجة لفهم مكانة اليمن على الخارطة الدبلوماسية الأمريكية من مذكرات السيدة هيلاري كلنتون، وزيرة الخارجية الأمريكية، أثناء الفترة الأولى لرئاسة “أوباما” لمعرفة هذه الحقيقة.
لم تحتل اليمن في مذكرات كلينتون غير بضع جمل موزعة على أكثر من موضوع، وغير مترابطة، في حين أفردت فصولاً كاملة لبلدان صغيرة في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، ناهيك عن دول أخرى ليست بأهمية اليمن، حيث استعرضت تفاصيل العلاقة على نحو أظهر مدى اهتمام أمريكا بهذه الدول.
صحيح أن اليمن يظهر بوضوح لا بأس به على هذه الخارطة، لكن جانباً كبيراً من ذلك يستغرقه الجانب الأمني، ولا يرتبط بما تقدمة اليمن بذاتها من معطيات ذات قيمة حيوية للعلاقة الثنائية، وهي لا تتأتى من ثم إلا لكونه يقع في منطقة تتجمع وتتقاطع فيها مصالح قوى عظمى من كل لون.
هذه الحقيقة تضع اليمن في مواجهة مع نفسه قبل المواجهة مع الآخرين، ليستنتج الأسباب الناجمة عن كونها عملية تاريخية تراكمية حددت موقع ومكانة اليمن في الخارطة الدولية.
وفي حين فصّلت المذكرات العلاقة مع معظم البلدان التي تناولتها بتخليل أكثر القضايا حساسية (أمنية، سياسية، اقتصادية، عسكرية، جيوسياسية) لدرجة يمكن القول إنها لم تترك سراً من الأسرار إلا وتناولته، اللهم إلا ما يتعلق بأكثر الأمور صلة بالأمن القومي الأمريكي، فإنها لم تشر إلى اليمن إلا على نحو عابر. ولذلك يبدو أن ما سرب يطرح أكثر من سؤال حينما نقرأ تواضع ما جاء في المذكرات عن اليمن مقارنة مع التسريبات، ناهيك عن عدم دقة بعض المعلومات، بل والتناقض مع ما نشر من تسريبات .
تقول المذكرات بالتحديد:
“ولعل أفضل مثال في المنطقة تنطبق عليه تحذيراتي، هو اليمن، الدولة التي تقع أسفل شبه الجزيرة العربية. لا يخفى التناقض المطبق بين عاصمتها صنعاء المغبرة التي تعود إلى القرون الوسطى (ومدن أخرى في المنطقة). واليمن المجتمع القبلي الذي يحكمه منذ العام ١٩٩٠ رجل قوي اسمه علي عبد الله صالح، عانى من تحركات التمرد الانفصالية العنيفة، وتدفق الارهابيين المرتبطين بتنظيم القاعدة، وانتشار البطالة، وتضاؤل إمدادات المياه… ويعد سكان اليمن من أكثر الشعوب تسلحاً وأقلهم تعليماً .
وكانت علاقة أمريكا بالرئيس صالح رمزاً للخيار المحير الذي تعانيه سياستنا في منطقة الشرق الأوسط. كان فاسداً ومستبداً، لكنه التزم أيضاً محاربة تنظيم القاعدة، والمحافظة على وحدة بلادة المنقسمة. قررت إدارة أوباما (ركزوا هنا التناقض) أن نتغاضى عما يزعجنا في سياسية صالح، لنزيد المساعدات العسكرية والتنموية لليمن، ونوسع تعاوننا في مكافحة الإرهاب. وخلال مأدبة غداء طويلة في قصره، بحثت وصالح في الطريقة التي تمكننا من العمل في شكل وثيق على الشئون الأمنية، لكنني ألححت عليه أيضاً في موضوع حقوق الإنسان والاصلاحات الاقتصادية. لم يهتم ولم يصغ كثيراً إلى ذلك، إذ انشغل بعرض البندقية الأثرية التي قدمها إليه الجنرال نورمان شوارزكوف. وأصطحبني في جولة في مدينة صنعاء .
تبدو المدينة القديمة وكأنها خارجة من ألف ليلة وليلة، وهي عبارة عن عمارات مبنية بخليط من القرنيد والطين، غطت واجهتها زخارف من المرمر وتشبه إلى حد كبير “منازل الزنجبيل”. راقبتنا ونحن نمر حشود من المتفرجين الفضوليين يجلسون في محال التوابل والمقاهي. وكانت النساء يرتدين حجاباً للرأس أو منقبات، جلت في سيارة دفع رباعية مدرعة لا تكاد تتسع لها الطرق الضيقة .
وقد توجهت إلى فندق موفمبيك، حيث التقيت مجموعة كبيرة من الناشطين والطلاب، هم جزء من المجتمع نابض بالحياة في اليمن. افتتحت اجتماعاً بكلمة قصدت توجيهها ليس إلى اليمنيين فحسب، وإنما إلى جميع الشعوب في المنطقة. سيتوق الجيل المقبل من اليمنيين إلى فرص العمل والرعاية الصحية ومحو الأمية والتعليم والتدريب اللذان يربطانهم بالاقتصاد العالمي، وسيسعون إلى الحكم الديمقراطي.
وجلست بين الحضور شابة اسمها نجود علي، كافحت للحصول على الطلاق في سن العاشرة”.
وانهت ملاحظاتها عن اليمن بقصة نجود .
هذا كل ما كتبته عن اليمن في مذكراتها التي تجاوزت ستمائة صفحة .
*عن صفحة الكاتب في “فيسبوك”.