مقالات رأي

نظام صنعاء بعد مقتل الغشمي وتصفية سالمين

شهادتي عن عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (23)

يحيى منصور أبو أُصبع

المهم، طوال ما يقارب خمسين ساعة، أي من ظهر يوم 26 يونيو إلى ظهر يوم 28 يونيو 1978م، والمطبخ الإعلامي [لنظام صنعاء] لم يتوقف عن نشر الشائعات والدعايات والقصص والأساطير عن قضية اغتيال الغشمي من قبل سالمين.. سالمين الذي سحل العلماء، سالمين وراء الانتفاضات الشعبية والفلاحية ومصادرة أملاك السلاطين والإقطاعيين، سالمين من أَمَّمَ المطاعم والحوانيت الصغيرة والمهن الحرفية، سالمين وراء تهجير الجنوبيين بعشرات الآلاف إلى الشمال وإلى السعودية، سالمين من أنشأ مدارس النجمة الحمراء ومدارس البدو الرُّحَلّ لتدريس الفكر الشيوعي الماركسي المادي لينشر بواسطتهم أفكاره الشيوعية المتطرفة والملحدة والمستوردة من الصين على وجه الخصوص.

اليوم الثاني، التقيت عبدالحميد حنيبر، والذي لم تتم سفرته إلى عدن، لأن قيادة الحزب في عدن ألزموه بالبقاء [في صنعاء] لمتابعة الأوضاع والمستجدات، خاصة بعد غياب عبدالوارث عبدالكريم خلف القضبان. أبلغني “حنيبر” أنه تم إعلان الطوارئ القصوى داخل الحزب على مستوى الساحة كلها، واستبدال بعض المنازل والمقرات السرية بأخرى، وعمل تغييرات داخل أطر الحزب الداخلية بما يستجيب للأوضاع الأمنية المستجدة، واحتمالات قيام الأجهزة باعتقالات وتصفيات للحزب ولفصائل اليسار، ثم طلب مني موافاته بكل جديد أحصل عليه، وحدد شخصاً ليكون همزة الوصل اسمه الحركي (المسعودي)، وفي لهجته يظهر أنه من أبناء البيضاء، ولم يكن وارداً أن أسأل عن اسمه الحقيقي فهذا لا يجوز، بل ومن المحرمات البحث عن الأسماء الحقيقية، والمراتب الحزبية للأشخاص ووظائفهم ومناطقهم وأماكن إقامتهم.

وقال “المسعودي” إنه سيتردد عليَّ كلما تطلب الأمر، وأنه قادر على العثور عليَّ بطريقته، طالما أنا في صنعاء، وقال: “لا داعي لأماكن محددة، فقد ألتقي بك في الشارع، أو في المطعم، أو وأنت في بيت.. المهم هذا شغلي”. قُلتُ له: “ينصر أفكارك الخلاقة، يا جدع”. فعلاً كُنتُ أحياناً أراه على موتر يسوقه هو، وأحياناً على سيارة أجرة، وأحياناً راجلاً.

بعد لقائي بعبدالحميد حنيبر، ذهبت لعبدالقادر هاشم، واتجهنا نحو الأستاذ عبدالرحمن الرباعي، وكان معه حسين المقدمي، ومحمد عبدالملك المتوكل، ومحمد عبدالله الفسيل. كان الجميع مستغرباً من الإعلام الموجه للمطبخ الإعلامي للنظام، وتركيزه على سالم ربيع علي فقط، وأحياناً يشركون معه صالح مصلح قاسم. اقترح الفسيل أن نذهب لمقابلة رئيس الوزراء، عبدالعزيز عبدالغني، والتقينا الدكتور محمد سعيد العطار، وزير الاقتصاد، في حوش مجلس الوزراء. قال للرباعي، على انفراد، إن “الانفجار مرَتَّب من الأجهزة الأمنية”، وأن “الغشمي، والحاج تفارش، ضحية خطة جهنمية يريدون إعداد البلد لحروب لا تنتهي”، وأن “السعوديين يسعون بكل ثقلهم لترتيب الأوضاع، ثم الحرب مع الجنوب، بذريعة أخذ الثأر من سالمين، ومن الجنوب، لقتلهم الرئيس اليمني الشمالي”. ويتهم العطار الأصنج بأنه في قلب هذه الزوبعة، وأفاد أن حسن مكي اعترض على ما يجري من الأساس، واتهم من وراء هذه الأخبار الملوثة، وغير الدقيقة وغير الموزونة، بأنهم مجانين، وأن الحقد على الجنوب، وإشعال الحرب، مقصدهم وغايتهم الأولى لأجل الحرب والفيد والغنيمة، تحت ذريعة الدفاع عن الاسلام، وإعادة الدين الإسلامي إلى الجنوب الشيوعي، كما يروجون.

دخلنا عند الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني، وخرجنا مثلما دخلنا؛ لا علم ولا خبر.. وجدناه ملتزماً الصمت المطبق، والطِّنَّان البارد، وسمعنا أذان العصر، وكنا لا نشعر أننا في وقت العصر، فقد مضى الوقت بسرعة قياسية. ونحن خارجين من حوش مجلس الوزراء التقينا عبدالجبار المجاهد، وسعيد الحكيمي، وقالا إنهما قادمان من عند الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر ومعلوماته أن الرائد علي عبدالله صالح، قائد محور تعز، قد مسك زمام الأمور، بعد وصوله بطائرة من تعز على الفور، وهو من يدير البلد، وأما علي صالح الشيبة فهو مجرد واجهة كقائد عام للقوات المسلحة. وعند خروجنا من الحوش، فاجأني “المسعودي”، ضابط الاتصال بيني وبين عبدالحميد حنيبر، وأمسك بساعدي، وسحبني على جنب، وهو متنكر بالملابس وكأنه من “تهامة”، بالكوفية الخيزران، وقال لي: “عرفتني؟”. قُلتُ له: “نعم، وهل يخفى القمر؟!”. قال: “ما هي الأخبار؟”. أعطيته ما عندي بظرف أربع أو خمس دقائق، وعلى وجه السرعة، وقال: “سوف أمر عليك لاحقاً”.

وفي مساء ذلك اليوم، سمعنا عن تشكيل مجلس قيادة، وتعيين عبدالكريم العرشي رئيساً، وعضوية القائد العام للقوات المسلحة علي صالح الشيبة، وعلي عبدالله صالح، الذي صدر قرار على وجه السرعة بتعيينه رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة.

ويأتي يوم 28 يونيو، والأخبار تتسرب عن توترات وتحشيدات في عدن. وبعد عصر ذلك اليوم، أُذيع من إذاعة عدن نبأ إعدام سالم ربيع علي، وجاعم صالح، وسالم بلعور.. وتضمن البيان عدداً من الفقرات منها إقدام سالم ربيع على تنفيذ العملية التي أودت بحياة الرئيس الغشمي، “وإقدامه على هذا الفعل الجبان بمفرده دون أن يطلع المكتب السياسي- قيادة الحزب- على خططه، التي أساءت للنظام وللحزب وخطه، وبرنامجه السياسي الداعي إلى التفاهم والحوار مع أشقائنا في الشطر الشمالي من الوطن”، كما أنه “رفض المثول أمام لجنة التحقيق وشكلت محكمة عسكرية مستعجلة لمحاكمته، إلا أنه رفع السلاح في وجه الحزب والدولة وباشر إطلاق النار..”!

بعد هذه الأنباء، دخل المجتمع اليمني كله في دوامه هائلة من الفوضى الإعلامية والربكة والبلبلة، بصورة متلاحقة ومفاجئة ودراماتيكية قطعت أنفاس المواطنين وهم يلهثون وراء الأحداث المتتالية والمفجعة المضحكة والمبكية. وفي الوقت الذي يعيش الشعب في حيص بيص ووسط توقعات بويلات وكوارث مباغته، يأتي مطبخ السلطة الإعلامية والاستخباراتية والأصنجية في صنعاء ليشيع وينشر بيانات وبلاغات مصحوبة بحملة دعائية مرعبة ضد المكتب السياسي، وكل قيادات الحزب والنظام في عدن، معلناً الأسف الشديد والتعاطف والحزن على الرئيس سالم ربيع! هكذا مائة وثمانين درجة، يتحول هذا الإعلام وبدون تدرج أو ترتيب أو حساب لما قد نَشَرَ وأشاع وأكد، خلال اليومين الماضيين، ضد الرئيس سالمين، وفجأة يُحَوِّل الإعلام في صنعاء الرئيس سالمين من قاتل ومجرم ومتطرف وصاحب خطة المبعوث والشنطة، إلى ضحية ووطني ويمني أصيل، وأن من قام بقتله هو من قتل الغشمي! هكذا وبكل وقاحة وصفاقة ودون خجل من الشعب اليمني، تم إعلان العويل والبكاء على الرئيس الشهيد سالم ربيع علي!

وهكذا أصبح الشعب اليمني شمالاً وجنوباً مشدوداً بقوة إلى إعلام صنعاء وعدن مع توقع القادم المفجع. أما نحن في أحزاب اليسار فقد أصبنا بحالة من التبلد والريبة ومحاولة تفسير ما وراء مصطلحات اليمين الانتهازي الرجعي، واليسار الطفولي الانتهازي. وأمام المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقنا في أن نقيم ونحلل ما جرى في صنعاء وعدن لأعضاء أحزابنا المصابين بـ “الربشة” و”الرَّبْكَة” والحسرة. وصار واضحاً أن ما جرى في عدن قد هز أركان النظام وأضعف هيبته في الجنوب.

إن ما حدث في صنعاء وعدن من تفجرات وتبدلات وفجائع، كانت وستظل من مفاجآت الزمن اليماني المتقلب والمضطرب، ولم تكن في الحسبان ولا في الخيال. ومن هنا كانت حالة الذهول والحيرة عند كل القوى المتعلمة والأمية، المسيسة والجاهلة، المتحزبين واللامنتمين حزبياً.. الجميع سواء.. هكذا في تاريخنا اليمني العجيب والمفاجئ، وأحياناً الخارج عن كل الحسابات والتنبؤات.

خلال أربعين عاماً، أو أربعة عقود، حدثت مفاجأتان (حتى اليوم) غير متوقعتين، إذا قفزنا إلى اليوم، 2020م، ولا محسوبتين، من العيار الأثقل من كل ثقيل؛ الأولى في يونيو 1978، وتمثلت بقتل الرئيسين أحمد حسين الغشمي، وسالم ربيع علي (سالمين)، والثانية بعد ثورة فبراير 2011، وحتى 2018م، وما زالت ماثلة وقائمة منذ ثورة الربيع العربي، في 11 فبراير، ودخول الحوثيين (أنصار الله) صنعاء، ثم ذمار وإب وتعز، وحتى عدن، ومن ثم “معاشيق”، وتحالفهم مع علي عبدالله صالح، وحزبه المؤتمر الشعبي العام، ثم عاصفة الحزم، بقصف جوي غير مسبوق، وحتى انتفاضة علي عبدالله صالح الورقية لخمسين ساعة انتهت بمصرعه، وتخلي ملايين السبعين الذين هتفوا بـ “الروح بالدم.. نفديك يا علي”، وحولوا هذا الهتاف بسرعة البرق إلى “الصرخة” (“الموت لأمريكا..”)، وهكذا ببساطة وسهولة! وتستمر هذه المفاجأة الثانية ليس في ثبات وشجاعة الحوثيين وحلفائهم في التصدي للعدوان السعودي- الإماراتي، وإنما في احتمالات هزيمة السعودية، ومن معها على أيدي مقاتلين حفاة عراة، كما عايشتهم بعد الحرب السادسة، عندما كنت في صعدة رئيساً للجنة الرئاسية لإنهاء “حرب دماج”، وفي السنوات الأولى من هذه الحرب. وسيكون الفشل الذريع والاستسلام السعودي- الإماراتي هو التتويج المبجل للمفاجأة الثانية، والتي يمكنني تسميتها بالمفاجأة الكبرى. وسيقول التاريخ إن “عاصفة الحزم”، التي أعلنت أهدافها في استعادة الدولة وإعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب الحوثي، وقطع يد إيران، والحفاظ على الوحدة اليمنية والأمن والاستقرار.. لم تحقق شيئاً. وعند الوقوف أمام أهداف “عاصفة الحزم”، التي دشنت التدخل السعودي، وباسم التحالف العربي الإسلامي من عشر دول، أما الهدف الأول، استعادة الدولة ومؤسساتها، فقد دمرت الدولة، وقضت على ما تبقى من مؤسساتها عن قصد، ومع سبق الإصرار. أما إعادة الشرعية، فقد حولتها “عاصفة الحزم” إلى كيان بلا أرض ولا سماء، وصارت فضيحة بجلاجل ليس لها من مردود أو فائدة، إلا تبرير العدوان السعودي- الإماراتي باسم الشرعية، وتنفيذ خطط السعودية الجهنمية باسم هذه الشرعية البائسة. أما هدف القضاء على الانقلاب الحوثي، وإعادته إلى جبال “مران”، فإن الحاصل أن الحوثيين اليوم متمركزون في جبال جيزان وعسير ونجران، وصار نظام صنعاء هو الأقوى على الإطلاق عسكرياً مقابل تمزق القوى الأخرى التي تعمل باسم الشرعية، وبقيادة وأموال السعودية والإمارات، وقتالهم ضد بعضهم البعض على الموازنات والمرتبات، ونهب الأموال السعودية المرصودة باسم مائتي ألف أو ثلاثمائة ألف من الجيش على الورق. وما يمزق هذه القوى أكثر هو الاختلاف على تقاسم الأموال، وهي خطة سعودية لتبقى هذه القوى في حالة ضعف وشتات لتتمكن السعودية والإمارات على الدوام من تمرير خططها الغبية التوسعية والسيطرة على السواحل اليمنية.

أما بخصوص الحفاظ على الوحدة اليمنية، فمن الواضح أن السعودية وصلت إلى قناعة مفادها تجزئة اليمن إلى قطع مبعثرة يستحيل توحيدها مستقبلاً، ووصلوا إلى قناعة مفادها يستحيل هزيمة الحوثيين ولهم الشمال (ج. ع. ي)، وللسعودية والإمارات الجنوب، والذي يرى ويسمع ويعايش ما يجري في عدن فقط يعرف أي مستقبل قاتم ومفزع ومخيف ينتظر الجنوب، وعدن شاهد الحال.

وبريطانيا وأمريكا ضالعتان في كل هذا “الربيش” المفجع.

أعتذر لأنني قفزت على موضوع الحلقات وتسلسل الأحداث من النصف الثاني من القرن العشرين إلى الربع الأول من القرن الواحد والعشرين.

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى