مقالات رأي

انتماء علي عبدالله صالح لحزب البعث وموقف الشيخ عبدالله الرافض له

  • عن عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (24)

يحيى منصور أبو أُصبع

  • بعد مقتل الغشمي، كان أول جدول عملنا هو الحيلولة دون وصول العسكري علي عبدالله صالح إلى السلطة، ومنع فرض نظام عسكري جديد، والتمسك بخيار الحكم المدني برئاسة العرشي كرئيس انتقالي

  • عقدت قيادة الجبهة الوطنية اجتماعاً في منزل عبدالرحمن مهيوب، لكن الاجتماع لم يهتم بالمواضيع المقترحة في جدول أعماله، لأن الأخوة في حزب البعث كانوا يعتبرون علي عبدالله صالح قريباً منهم، بل يعتبرونه بعثياً بدون بطاقة

  • كان علي عبدالله صالح على عداء شديد مع الأحزاب والقوى التقدمية، ويكره النظام في الجنوب، وكان يرفع صورة صدام حسين في منزله وسيارته، كما قال لنا عبدالرحمن مهيوب

  • علي عبدالله صالح أخبرني أنه أنتمى لحزب البعث خلال فترة رئاسة القاضي عبدالرحمن الإرياني

ونعود إلى أيام الرئيس الغشمي، الذي بغيابة ذهبت أحلامنا بالإفراج عن عبدالوارث عبدالكريم، وسلطان أمين القرشي، وعلي خان، وعبدالعزيز عون، وعلي مثنى جبران، وحسن الخولاني (من وادي “بن خولان” في “جبل حبشي”)، وسجناء آخرين، لما كنا قد تلقينا وعداً من الغشمي، لي شخصياً، وكذا وعده لصالح الأشول وأحمد الرحومي، وكذا علاقتي بالغشمي حسب معرفة الحزب وموافقته.. كلها ذهبت أدراج الرياح، إلا أن قيادة أحزب اليسار، وعلى وجه الخصوص الحزب الديمقراطي وقيادة الطليعة الشعبية، قد وجهونا بالاستمرار بمتابعة الإفراج عن المعتقلين مع الوضع الجديد، وخاصة مع الرئيس المؤقت عبدالكريم العرشي، لعل وعسى، في ظل الوضع المضطرب تحصل معجزة ويُفْرَج عنهم.

ومن الجدير بالذكر أن وضعي الأمني وتحركاتي، أنا وعبدالقادر هاشم، صارت محفوفة بالمخاطر، ولا سيما بعد نصيحة أحمد الرحومي لنا بأخذ الحيطة والحذر. والرحومي هو من أكثر الرجال في ذلك الوقت اطلاعاً على الأمور، وعلى الأجهزة الأمنية وتحركاتها، كما أن قيادة أحزاب اليسار قد حذرت من خطورة الأوضاع الأمنية، ونصحت بالتزام الحذر حتى تتضح الصورة خلال أيام.

وكان منزل الأستاذ محمد عبدالرحمن الرباعي الأول في اختفائنا لأربعة وعشرين ساعة، والاختفاء الذي يليه لليلة واحدة، في منزل أحد أصحابنا الضباط من أبناء القبائل، في “بيت الظرافي”، واسمه عبدالرحمن، والذي توفي في تلك الأيام بحادث مروري، وهو قريب للشهيد الرفيق يحيى الظرافي، ثم في منزل أحمد جابر عفيف بطريقة عفوية دون أن يعرف أننا شبه مختفين.

اللقاء الوطني بعد مقتل الغشمي

وتهل علينا تجربة اللقاء الوطني، الذي يشغل أحمد جابر عفيف المقرر والفاعل، والمقر الدائم له. وأحمد جابر علاقته بجميع القوى مبنية على أساس قيام حكم مدني، واستبعاد العسكر والنظام العسكري في اليمن، ولذلك فعلاقته تمتد من الشيخ عبدالله الأحمر وسنان أبو لحوم إلى علي محمد سعيد أنعم وإخوان ثابت، حتى حزب العمل والحزب الديمقراطي الثوري. وكان أول جدول عملنا هو الحيلولة دون وصول العسكري علي عبدالله صالح إلى السلطة، ومنع فرض نظام عسكري جديد، والتمسك بخيار الحكم المدني برئاسة عبدالكريم العرشي، الرئيس المؤقت لفترة انتقالية محدودة بعد الغشمي.

كان الإخوان في قيادات أحزاب اليسار قد اقترحوا عقد اجتماع للجبهة الوطنية الديمقراطية، وللأسف تم لقاء باهت، بعد سفر صالح الأشول سفيراً في موسكو، والذي كان الدينمو المحرك والمنشط لعمل الجبهة الديمقراطية، وانتظام لقاءاتها والإعلان عن مواقفها من كل الأحداث والمستجدات في الساحة اليمنية شمالاً وجنوباً. وجدنا في هذا اللقاء، الذي تم في منزل عبدالرحمن مهيوب [قيادي في حزب البعث]، عدم اهتمام بالمواضيع المقترحة في جدول الأعمال، لأن الأخوة في حزب البعث يعتبرون علي عبدالله صالح قريباً منهم، بل كانوا يعتبرونه بعثياً بدون بطاقة، وهو على عداء شديد مع الأحزاب والقوى التقدمية ويكره النظام في الجنوب، ويرفع صورة صدام حسين في منزله وسيارته، وهذا ما أعلمنا به عبدالرحمن مهيوب. وشهادة مني حول علي عبدالله صالح الذي أخبرني أنه أنتمى لحزب البعث في فترة رئاسة القاضي عبدالرحمن الإرياني.

وأهم ما خرجنا به من ذلك الاجماع، هو عدم التخلف عن اللقاءات التي دعا إليها أحمد جابر عفيف، مقرر اللقاء الوطني، الذي أُعْلِنَ للتو، بعد مقتل الغشمي، والذي يضم أحزاب اليمين واليسار، والشخصيات الاجتماعية والتجارية والثقافية.. ومن أجل هدف واحد هو الحكم المدني واستبعاد العسكريين من قيادة الدولة، وقد اقترح عبدالرحمن مهيوب أن مواقفنا في اللقاء الوطني ليس بالضرورة أن تكون باسم سكرتارية الجبهة الوطنية، وكل حزب يُعَبِّر عن وجهة نظره بمفرده. طبعاً أريد الإشارة أنه قد جرى، قبل أيام، نقل سكرتارية الجبهة الوطنية الديمقراطية من العاصمة صنعاء إلى عدن، بقرار من قيادة أحزب اليسار المتواجدين، حينها، في عدن، ولم يكن لدينا علم بموقف النظام في الجنوب من هذا القرار غير المدروس، ولم تكن لأحزاب الشمال رأي فيه. ولم يكن الخبر قد تسرب لحزب البعث، إلا هذه الأيام. كنا نحن في أحزاب اليسار في صنعاء، ضد نقل سكرتارية الجبهة الوطنية، لأن هذا يخالف قرار التأسيس الذي نص أن تكون صنعاء المقر الرسمي للجبهة الوطنية الديمقراطية ممثلة بالسكرتارية. وثانياً؛ كان قرار النقل بمثابة استبعاد لحزب البعث من عضوية الجبهة، دون الإعلان عن مبررات ذلك الإجراء.. كما أنه يشير إلى عدم اهتمام بالسبتمبريين، الذين لم يكن لهم ممثلون في عدن، إلا أنني قد حاولت جس نبض أحمد بن أحمد الرحومي، أهم السبتمبريين في ذلك الوقت، حول قرار نقل السكرتارية إلى عدن، وقد فاجأني أنه غير زعلان، بل ذهب إلى الرضى من استبعاد حزب البعث من الجبهة الوطنية، واتهم  حزب البعث بالتخندق الدائم مع القوى التقليدية وضد القوى التقدمية، وصار الحزب مصدراً للارتزاق وتوزيع المرتبات والميزانيات مثله مثل السعودية، وربما بتهور وبذخ أكبر.

قُلتُ له [للرحومي]: “إذاً، ابتعادك عن البعث حقيقة وليس مجازاً؟”. قال: “منذ أن عرفت أنهم يصرفون فلوس دولارات وغيرها على القيادات والقبائل، مثل سنان أبو لحوم ومجاهد أبو شوارب وصادق بن عبدالله الأحمر، وعلى الآخرين..”، وعَدَّدَ العشرات، وكلهم من قبائل “حَاشِد” و”بَكِيل” و”خُولَان”، الذين تقررت لهم ميزانيات شهرية.

وأضاف الرحومي: “قُلتُ، في البداية، إن هذا الإنفاق على القبائل سينهي ما تبقى من حزب البعث، ولن تفيدهم هذه الأموال المصروفة في شيء يخدم الحزب أو العراق.. وكذلك حزب البعث في سوريا، وعلى قدر موارده المالية، لجأ إلى منافسة العراق الغني”. ومن وجهة نظر الرحومي، فهذه الأموال قضت على حزب البعث المناضل القومي الاشتراكي، الذي ظل أعضاؤه يدفعون الاشتراكات والتبرعات من أموالهم، وعرق جبينهم، لأكثر من عشرين عاماً هنا في اليمن من أجل أهداف البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية، ومن أجل “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، وبهذا الأسلوب النضالي الشريف والاعتماد على الذات انتشر حزب البعث في الوطن العربي كله.

وأذكر أبرز الشخصيات في اللقاء الوطني مثل علي لطف الثور، محمد يحيى منصر، صلاح الأعجم، محمد عبدالودود، سعيد محمد الحكيمي، يوسف الشحاري، يحيى منصور بن نصر، محمد عبدالله بدر الدين (شيخ “جبل عيال يزيد”)، سالم عبدالقوي الحميقاني، علوي حسين العطاس، أحمد علي المطري، علي ناصر طُرِيق، عبده علي عثمان، عبدالله الحريبي، يحيى البشاري، حمود بيدر، عبدالجبار المجاهد، عبدالرحمن حميد، يحيى مصلح مهدي، محمد عبدالرحمن الرباعي، محمد عبدالله الفسيل، محمد عبدالملك المتوكل، مجاهد أبو شوارب، ناجي علي الأشول، محمد يحيى العاضي، محمد عبدالله أبو لحوم، فيصل عبدالله مناع، أحمد عبدالرحمن قرحش، يحيى العذري، حمود الصبري، علي عبدالله المقداد، علي صغير شامي، وغيرهم العشرات الذين قرأت أسماءهم من دفتر يحتفظ به المقرر وكذلك ممثلي أحزاب الجبهة الديمقراطية.

 كان أول اجتماع رسمي للقاء الوطني برئاسة أكبر الأعضاء سناً، وجرى اللقاء في منزل أحمد جابر، وأهم مخرجاته رفض تولي العسكر للحكم، والتمسك بالحكم المدني، وزيارة أبرز الشخصيات والقوى المؤثرة، على وجه الخصوص. ذلك اللقاء ضَمَّ في حدود خمسة وعشرين شخصية مثل مجاهد أبو شوارب، وأحمد حنظل، وعبدالرحمن مهيوب، وعبدالقادر هاشم، وصلاح الأعجم، ويوسف الشحاري، ويحيى منصور أبو أصبع، ويحيى حسين العرشي، وأحمد علي المطري، ويحيى مصلح مهدي، وعلي صغير شامي، وسعيد الحكيمي، ومحمد عبدالرحمن الرباعي، ومحمد عبدالله الفسيل، وأحمد جابر عفيف، وحمود محمد الصبري، وأحمد دهمش، ويحيى راصع، وحمود عاطف، وحمود محمد أبو راس، وعبدالوهاب محمود (أو واحد من إخوانه)، وصبار الجماعي، وعثمان محجب، وحسين فائد مجلي، وحمود عاطف، ومحمد عبدالله أبو لحوم، وسعيد محمد الحكيمي، وعلي ناصر طُرِيق.

تم التواصل، من قبل أحمد جابر عفيف، مع الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وتم الدعوة منه للاجتماع القادم في منزله، وذهبنا في اليوم الثالث على اجتماعنا الأول، وفي الاجتماع تكلم الشيخ عبدالله ضد الحكم العسكري، والدكتاتوريات العسكرية التي إن حكمت شعوب دمرتها عبر التاريخ، وأنه يضع نفسه وإمكاناته تحت تصرف اللقاء الوطني، وأهدافه الكبيرة في قيام حكم مدني، والحيلولة دون استيلاء العسكريين على السلطة (في تلك الفترة كانوا يتحدثون عن حكم مدني دون حسابات وحساسيات الأيام اللاحقة).

 حقيقة كان الشيخ عبدالله بن حسين قوياً في طرحه، شديداً في رفض حكم العسكر إلى درجة صار الشيخ على يسار اليسار، وقد أخذتنا الدهشة من هذا الموقف القوي. طالب الشيخ عبدالله من اللقاء الوطني التحرك الفعال، وسرعة التواصل مع جميع القوى والأحزاب والشخصيات، وأبدى استعداده لأي دعم يحتاجه هذا التحرك. ثم ذهبنا لمقابلة الشيخ سنان أبو لحوم، ضمن وفد يمثل المجلس مكون من (الرباعي والفسيل ومجاهد وأنا)، ووضعنا سنان في صورة نشاطنا، وموقف الشيخ عبدالله، وتولى الفسيل شرح تفاصيل موقف الشيخ عبدالله القوي والحاسم. أهم ما سمعنا من العم سنان دعاؤه أن يظل موقف الشيخ على هذا الثبات، ثم أضاف، ونحن نودعه على صيغة سؤال وجهه لمجاهد مباشرة: “وإذا السعودية أصرت على علي عبدالله صالح رئيساً، فهل سيغرد الشيخ خارج السرب السعودي؟!”، وضحك بقوة وكأنه يسخر من سذاجتنا، كما أن مجاهد لم يجب عليه.

ثم أصدر اللقاء الوطني، من جملة قراراته، تشكيل لجنة متابعة وإعلام متفرغة ومخولة الحركة بما ينفذ الخط السياسي والتوجه الوطني للقاء الوطني، وهذه اللجنة مكونة من محمد عبدالرحمن الرباعي، محمد عبدالله الفسيل، يحيى منصور أبو أصبع. وقد أخذنا الرباعي إلى عند الشيخ عبدالله، وطلب منه المطبعة حتى يتم إصدار البيانات والمواقف السياسية للقاء الوطني يومياً، أو ثاني يوم. أصر الشيخ عبدالله على أن تكون البيانات يومية نكشف من خلالها نشاط علي عبدالله صالح وكل القوى التي تدعمه، بما في ذلك السعودية، واستدعى أحد الخدم، أو الموظفين معه، وطلب منه تسليم مفاتيح المخزن حق المطبعة للأستاذ الرباعي، وتوابعها، وألزمه بتكليف الطباع أن يكون جاهزاً في جميع الأوقات لينفذ ما يأمره الأستاذ محمد الرباعي. خرجنا، وكما يقال، “مُشَقَّرِين بطُولَقَة وساحبين عشر” (“الطُّولَقَة” هي أكبر أنواع الأشجار). وقد تحدثنا، في الاجتماع، على موقف الشيخ وتسليمه مفتاح مكتب المطبعة. عَلَّق عبدالقادر هاشم قائلاً، في أذني: “العبرة بالخواتيم”.

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى