مقالات رأي

إبلاغ عبدالله الأصنج بأن مجاهد أبو شوارب اقترح اغتياله لمنع صعود “صالح” للحكم

يحيى منصور أبو أُصبع

  • في الاجتماع الثاني للقاء الوطني، أعلن مجاهد أبو شوارب عن مفاجأة من العيار الثقيل: قال إن الحديث عن اغتيال عبدالله الأصنج قد وصل للأخير بالتفاصيل
  • قال مجاهد إن الأصنج أبلغ كل الأجهزة، وتم اتخاذ إجراءات حماية له، وسأل مجاهد: فمن الذي بَلَّغَ الأصنج؟!
  • أنكر كل منا، بقوة وثقة، واتجهت الأنظار نحو عبدالرحمن مهيوب، القيادي في حزب البعث
  • طلب مجاهد إقفال أي نقاش في الموضوع حتى نتعرف على مصدر الخبر الخطير، وانصرفنا على أن نعود للاجتماع بعد الظهر
  • بعد العصر، قال مجاهد: قيادي في الحزب الديمقراطي هو من أبلغ الأصنج بخبر مناقشة عملية اغتياله
  • تماسكت بكل ما أوتيت من قوة، وسألت: هل المتهم أنا، يحيى منصور؟!. رَدّ مجاهد: لا، إنما قيادي في الحزب لا زلنا نبحث عن اسمه
  • ما كان من عبدالرحمن مهيوب إلا أن تنفس الصعداء، ورفع يديه إلى السماء، وقال: أحمدك يا رب، الكثير منكم أراد أن يلبسني الجريمة!
  • غادرت الاجتماع، وبحثت عن عبدالحميد حنيبر، الذي أكد لي أن قيادياً في الحزب هو من أبلغ الأصنج بالخبر
  • في اليوم الثاني، ذهبت إلى اجتماع اللقاء الوطني، وأن واقعة إبلاغ الأصنج من قيادي في الحزب الديمقراطي صحيحة، وتمت بتصرف فردي
  • كان حاضرو الاجتماع في حالة وجوم وصمت، وحاول مجاهد أبو شوارب أن يُلَطِّف الجو الكئيب، بقوله: يحصل هذا في أحسن العائلات

حضرنا الاجتماع، وإذا مجاهد أبو شوارب يعلن عن مفاجأة من العيار الثقيل. قال إن “حديث الأمس حول عملية الاغتيال [اغتيال عبدالله الأصنج] قد وصلت للأصنج بالتفاصيل”، وأن الأصنج قد “أبلغ كل الأجهزة، وتم اتخاذ إجراءات حماية لعبدالله الأصنج، فمن الذي بَلَّغَ الأصنج؟!”. أنكر كل منا، وبقوة وثقة، واتجهت الأنظار نحو عبدالرحمن مهيوب، القيادي في حزب البعث. تم الاستفسار من مجاهد: “متى وصل الخبر للأصنج؟”. قال: “أمس الليل”. وطلب مجاهد إقفال أي نقاش حتى نتعرف على مصدر الخبر الخطير. وانصرفنا على أن نعود بعد الظهر. كان أحمد الرحومي قد أَسَرَّ في أذني، أنا وعبدالقادر هاشم وأحمد جابر عفيف، عن احتمال أن يكون عبدالرحمن مهيوب هو المُبَلِّغ.

وعدنا عصر ذلك اليوم، وإذا بالخبر الصاعق قد نطق به مجاهد، وهو “أن المُبَلِّغ قيادي في الحزب الديمقراطي الثوري اليمني.. هو من اتصل بالأصنج، وأبلغه الخبر”. تماسكت بكل ما أوتيت من قوة، وسألت: “هل المتهم أنا، يحيى منصور؟!”. رَدّ مجاهد: “لا، إنما قيادي في الحزب لا زلنا نبحث عن اسمه، وقد التقاه الأصنج شخصياً”. وما كان من عبدالرحمن مهيوب إلا أن تنفس الصعداء، ورفع يديه إلى السماء، وقال: “أحمدك يا رب، الكثير منكم أراد أن يلبسني الجريمة!”. وأضاف: “لقد جاءت الجريمة من المصدر الآمن، ومن الجهة التي يعتقد الجميع أنها محل ثقة مطلقة، من الحزب الديمقراطي”. طَلَبْتُ الإذن بالمغادرة، فأنا لا أقدر أن أبقى لحظة حتى أطلع على صحة هذه الأخبار، إلا أنني لم أكذبها أو أنفيها، لأن مصدر الخبر الشيخ مجاهد أبو شوارب، ولا يمكن أو أتصور، أو أعتقد، بتلفيقه وافترائه على الحزب بهذه البساطة.

خرجت، وفي الشارع غلطت باتجاهاتي؛ أذهب شمال، ثم أعود يمين، وأصحح لأمشي باتجاه الشرق، ثم وقفت ومسحت العرق، الذي يتصبب مني بدون مبرر. شعرت بالخسة والنذالة. اتجهت إلى الرفيق الضابط السري جداً، قاسم أحمد سلام، كما أوصاني عبدالوارث أن ألجأ إليه في حالة الضرورة القصوى. قال لي: “حظك من السماء، وإلا أنا قد نقلت محافظة غير صنعاء في وظيفة أمنيه”. طلبت اللقاء بعبدالحميد حنيبر. أخذني إلى مكان قريب، لم أقل له شيئاً، وطلبت منه بقاء قاسم أحمد سلام معنا لأهميته الأمنية والاستخباراتية. وقال حنيبر، قبل أن أتحدث: “أعرف أنك جئت ومعك خبر إبلاغ الأصنج”. قُلتُ له: “إذاً الواقعة صحيحة؟!”. قال: “نعم”. فعصفت بي الدوامة، التي لم تفارقني، وذهبت أفكاري باتجاه أن أختفي من مسرح السياسة، وفكرت بكيفية الإخراج. قال عبدالحميد: “يا رفيق يحيى، لقد وقعت الواقعة بدون علمنا، أو موافقتنا، والمسؤول عن هذا التصرف الأرعن هو فلان بن فلان، عضو قيادة الحزب في صنعاء، ومسؤول العمل السياسي في صنعاء، وممثل الحزب في لجنة تنسيق اليسار على مستوى صنعاء”.

وأضاف حنيبر: “لقد دعوت قيادة الحزب، بعد إبلاغك لي بالخبر، ووضعتهم في صورة الأخبار التي نقلتها لي، أمس الأول، تحمّس هذا الشخص (اسمه الحركي معاوية)، لإحباط العملية، لأنها لو تمت فسوف تقوم أجهزة الدولة باعتقال ومطاردة الحزب الديمقراطي بالأساس، ولن يتساور إلى ذهن المخابرات أي جهة أخرى يمكن أن يقوم بالاغتيال، حتى لو عرفت الأجهزة براءة الحزب الديمقراطي من الجريمة، فلن يتجهوا إلا صوب الديمقراطي.. وقد رفضنا بالإجماع هذا العمل الدنيء، ونكتفي بموقفنا المعلن أمام اللقاء الوطني، أننا ضد الاغتيالات السياسية وضد العنف. وبعد مضي خمس ساعات، أبلغنا معاوية بكل برودة أنه بَلَّغ الأصنج بالخبر. وأضاف حنيبر أن “القيادة هنا مقدمة على اتخاذ إجراء عقابي ضد هذا الرفيق في اجتماع طارئ قادم”.

عَلَّق أحمد سلام أنه قد نصح القيادة أكثر من مرة بتجميد وضع هذا الرفيق، لأنه لا يحتمل الأوضاع الأمنية الصعبة.

في اليوم الثاني ذهبت إلى الاجتماع، في بيت أحمد جابر عفيف، وخيبات الدنيا تلفني من رأسي إلى أخمص قدمي، وأعلنت أن الواقعة بإبلاغ الأصنج صحيحة من شخص قيادي، وبتصرف فردي ومباغت ومنافٍ لتعليمات القيادة، وقراراتها كانت بالاكتفاء بموقف ممثل الحزب في اللقاء الوطني الرافض لأعمال العنف والاغتيالات السياسية، وهو موقف مبدئي راسخ في نهج الحزب الديمقراطي الثوري اليمني منذ نشأته الأولى، لأن الواقع السياسي يقول إن الحزب الديمقراطي هو المعرض على الدوام، وخلال العشر السنوات الماضية، وبالتحديد من 1968 وحتى 1978، للاغتيالات والتصفيات والاعتقالات والمطاردات، وكلها لأسباب سياسية. عَلَّق أحمد جابر عفيف: “من كبر به الظن خاب”، هذا مثل يمني. وأضاف: “كنا نتوقع أن يأتي هذا الفعل من أي حزب، أو فرد، إلا من الحزب الديمقراطي، فلم يخطر على بال أحد على الإطلاق أن يأتي هذا العمل الشنيع من حزب عريق منضبط لبرامجه ووثائقه والتزام أعضائه بصورة حديدية”.

كان المتواجدون في حالة وجوم وصمت. حاول مجاهد أبو شوارب أن يُلَطِّف الجو الكئيب، بقوله: “يحصل هذا في أحسن العائلات”. وأضاف: “الآن نحن أولاد الساعة، ماذا نعمل؟ ونحن على ثقة أن الحزب سيعالج ويتفادى الآثار السلبية للحادثة، وعلينا أن ندخل جدول الأعمال ونلغي من برنامجنا قضية الاغتيالات السياسية، وإذا سُئلنا لا نعترف بشيء، ولا نقر بالعنف، ونؤكد أن عملنا سياسي صرف، وأن الشخص الذي أبلغ الأصنج هو شخص وصولي وانتهازي يريد يلمع نفسه للحصول على مكاسب رخيصة”.

وافق الجميع على رأي مجاهد، وانتقل الحديث إلى الفقرات الأخرى في جدول الأعمال، وأهمها وصول وفد سعودي يحمل، هذه المرة، مطلب سعودي بترتيب سريع للوضع القيادي الرئاسي والعسكري للجمهورية، وأفصح الوفد أن المرحلة تتطلب شخصية عسكرية قوية على علاقة بالقوات المسلحة، وفي مواجهة الأعمال العسكرية للنظام في الجنوب، الذي أصبح في وضع يمكنه من شن الحرب على الشمال، بعد التخلص من سالم ربيع علي وأصحابه (الذي كان يمثل الاعتدال في نظام الجنوب الشيوعي)! سبحان الله.. سالمين يتحول فجأة، بعد استشهاده، من “الحاكم المغامر، والقاتل، والمثير للأعمال العسكرية في الشمال، والمتطرف في إلحاده وشيوعيته” إلى “رجل مُصَلِّي، صائم، قائل لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومعتدل وضد التطرف”.. إلخ! هكذا هي طباع إعلام ومخابرات القوى الرجعية التي لا أخلاق لها إلا مصالحها، وتوظف كل شيء لهذا النهج.

تم التوافق على الاستمرار بمواقفنا الرافضة للحكم العسكري، والتمسك بالحكم المدني، وبالرئيس المؤقت عبدالكريم العرشي. وقد اقترح عبدالقادر هاشم، ممثل حزب العمل، مناقشة إمكانية التحركات الشعبية، مثل الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات. وقد وافقه عدد كبير من الحضور، إلا أن أحمد جابر عفيف، مقرر اللقاء الوطني، طلب تأجيل المناقشة في هذا المقترح الهام إلى يوم غد، واقترح أن تكون اللقاءات يومية، نظراً لتسارع الأحداث والتطورات ومتابعتها وإنجاز التكليفات التي لم تنجز. اقترح يوسف الشحاري، وعبدالجبار أحمد المجاهد، ومحمد بن عبدالله أبو لحوم، وأحمد الرحومي، مجتمعين بورقة موقعين عليها، إصدار بيان سياسي قوي واضح صريح يضع النقاط على الحروف، ويفضح التدخل السعودي الوقح الرامي إلى ترتيب الأوضاع في البلاد، كما تريد السعودية، رغماً عن أنوف المواطنين والشعب عموماً. وافق الحضور، واقترح الجميع تولي اللجنة المصغرة صياغة هذا البيان، وهذه اللجنة مكونة من محمد عبدالرحمن الرباعي، ومحمد عبدالله الفسيل، ويحيى منصور أبو أُصبع. حاولت أنا الاعتذار من عضوية اللجنة، ووضع بديل عني، من باب رفع الحرج مما حدث بواقعة الأصنج، إلا أن الجميع جددوا الثقة بي، وبالحزب الديمقراطي، وشددوا على ضرورة بقائي في اللجنة المصغرة.

بدأ الرباعي في صياغة مسودة البيان، والرباعي هذا كان في تلك الأيام أقدر شخصية سياسية على صياغة البيانات السياسية الجامعة، وعلى تبني المواقف الوطنية القوية التي لا يقدر عليها إلا هو في تلك المرحلة، فقد كان الصوت الوحيد المعترض، في مجلس الشعب التأسيسي، على انتخاب أحمد حسين الغشمي رئيساً للجمهورية، في الوقت الذي وافق جميع أعضاء مجلس الشعب التأسيسي على ذلك، وكلٌ يتحسس رأسه “لا يطير” من بين كتفيه. كما أن الرباعي أشد بأساً وصرامة في مواجهة الأنظمة العسكرية والدكتاتورية، وينشد الدولة المدنية منذ دخل السياسية وعالمها في الخمسينات من القرن الماضي (عام 1955 تأسيس اتحاد القوى الشعبية والرباعي أبرز المؤسسين لهذا الحزب العريق بتوجهات علمية اشتراكية). ولهذا فأنا أعتبر الرباعي من الوطنيين القلائل صدقاً ونزاهة وشجاعة، لا يخشى لومة لائم، حتى مع الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، الذي كان يرتبط معه بعلاقات استثنائية للغاية.

ومعرفتي أنا بالرباعي تمتد لأكثر من أربعين عاماً، من عام 1978 حتى وفاته عام 2019م. وأذكر الاستهلال الذي بدأ به ذلك البيان المقترح، ويقول: “وصل مندوب الباب العالي في الرياض إلى صنعاء حاملاً معه رشتة علاجية لترتيب الأوضاع السياسية والعسكري والأمنية في اليمن بصفاقة لم يشهد التاريخ لها مثيل..”.

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى