مقالات رأي

لملس.. الإنسان أولاً

الخطوط العريضة على جدران المدن بلاغة البسطاء، كما أن فرحة عدن تكمن في استعادة أمجادها لا في خسارتها. محافظ عدن، أحمد حامد لملس، أنموذجاً، فبعد أشهر قليلة من توليه مقاليد المحافظة، ظهرت ملامح الحياة البشوشة في الشارع العدني بشكل عام، لوهلة قد يظن البعض أن إمكانيات النجاح وسط هذا الظرف العسر القائم من كل الجهات محال، خاصة أنه ظرف متصل بيوميات العيش الضرورية، إلا أن الشبواني الصلب، القادم من مدينة الرمل والنفط، لم يستسلم للظنون وتأويلاتها، ومضى وحيداً يفتش عن نقاط الضعف التي ترهق التمدن، كالعشوائيات الناتجة عن فوضى ومصالح في آن، ويفكر بطرق الخلاص الحميدة، القانونية، الأكثر حداثة، فكان الفعل، وكان الحضور والنجاح معاً.

إن الرجل الذي يقف مع الصف الشعبي بأيمان مدني وفكر منفتح قادر على التأثير الجاد أكثر من غيره، والبرهان   ملموس وحاضر، وذلك في “هشتاغات” أطلقها ناشطو تعز، مطلبها “شبواني لا يؤمن بالبيانات والشجب ودعاية المقرات”.

هذه عدن، من أي الجهات ذهبت تأسرك أحاديث سائقي المركبات، وعامل محطة البنزين، ومدَرِّس الجغرافيا، والباعة، مروراً بالصحف، ومنصات الرأي، وصولاً إلى الصورة والرسومات عن فاعلية الرجل المخلص. وفي طريق العودة من الجامعة حدثني رجل خمسيني عن آماله بعودة حميدة للحياة بعثها المحافظ. يقول الرجل الخمسيني إن المشاكل امتحان للضعفاء وللأقوياء في آن، وأن الإنسان المدرك، المبصر، هو من يخلق الحلول، من يفهم الأزمة ويدرسها، من يخسر كثيراً كي يجد نافذة للخلاص، لا الهزيمة.

المشكلة قد يدركها الكثير، ولكن هذا ليس مهم بالطبع، المهم وضع البدائل، الفرضيات، الحلول العادلة، فمثلاً اقتراض مبلغ 17 مليار ريال، وصرفها مرتبات للمتقاعدين، من قبل المحافظ  لملس، أمر يستحق الكثير من الحب والإعجاب، وخاصة في ظل العجز الذي تعيشه البلاد. هكذا تُحَلّ المشاكل، وإن كانت الكلفة شخصية يا بني، فهي مجد لا هزيمة.

ما أسوأ أن تتجاهل أصوات البسطاء، كمسؤول أو كإنسان. أن تتجاهل حقهم في الحياة، أن تعجز عن وضع الخيارات والحلول لمشاكلهم، فذلك أمر سيئ. إن الطمأنينة التي يتمتع بها رجل في العقد الخامس، يمكن للرأي العام إدراجها ضمن مسارات العودة المحمودة والمضمونة بالطول والعرض.

قبل أيام، شاع خبر مأساوي، مفاده أن جرحى في طريقهم للعلاج في مصر، عالقون في نقطة ما في عدن. ولأن الريشة تسبق البيانات وأصحابها دوماً، كعادته رشاد السامعي، الكاريكاتير، الإنساني، المنصف، تصور مشقة أولئك، وعاش في بياضه الفسيح معاناتهم، عاش منقذاً، ومنقذ عاش؛ الأول رشاد، والآخر لملس، والاثنان قصة واحدة عنوانها الإنسانية. إن الرسمة والكلمة مصدر إلهام في حياة العقلاء، لذا يقال بأن فن الكاريكاتير له القدرة على النقد بما يفوق المقالات والتقارير الصحفية أحياناً، وكان قرار المحافظ لملس تصرفاً حكيماً، وَجَّه بالسماح بمرور أولئك الجرحى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى