بأيِّ جرم ستعود يا عامنا الجديد؟
31 عاماً مرت على آخر احتفال لي بقدوم سنة جديدة من عمرنا, كان ذلك في 1 – 1 – 1989 عام تخرجي من الاتحاد السوفيتي العظيم.
كانت المدن السوفيتية كغيرها من دول “الملاعين أولاد الملاعين” وفي هذه المناسبة السنوية وكل أيام العام, تكتسي حلل سنتها الجديدة وتتزين بكل مظاهر الحياة الجاذبة, وما يشعرك بقيمة الحياة وولوج عام جديد تدرك سلفاً أنه لن يأتي سوى بكل ما يسعد الإنسان, ويضيف ما هو جديد على جميع مستويات حياته هناك.
في مثل هذا اليوم, يتفرغ الجميع لاستقبال العام الجديد من خلال إيجاد الجو المناسب للاحتفال, والتعبير عن الفرحة العامة ومشاركة الناس سعادتهم في حال عام مفتوح على مصراعيه, يمكن أن تعيشه في السكن الطلابي ومنازل الأحباب والشارع والأماكن العامة الأخرى.
في هذا اليوم يتبادل الناس التهاني، ويظهرون ما يختزنونه من الفرح والسعادة والبساطة في التعبير عنه.
كم تشعر بإنسانيتك وقيمة العيش في هذا الوجود وسمو العلاقات الإنسانية, بعيداً عن التكلف والشطح والتفاخر الذي يظهر عليه إنسان “السبايا والصحن الحيدري”.
في مثل هذا اليوم يعبر الناس عن محبتهم لبعضهم، ويكشفون عن خبايا النفوس المشحونة بالمحبة والعاطفة واللهو المؤطر باحترام المناسبة ومنحها ما يليق بها من المظاهر والمضامين, المؤطرة بأخلاقيات وقيم المجتمع الإنسانية.
على عكسهم, نستقبل العام الجديد بمزيد من الكراهية ومضاعفة عدد القتلى وتوسع رقعة الدمار والجوع والمرض.
نقضي وقتنا بالتفكير بكيفية توفير حاجات ومتطلبات الغد الأساسية، وكيفية الحصول عليها وتوفير ولو القليل منها.
عن أيِّ جرم سنسمع وأي بطولة قطع طريق وإخفاء انسان أو قتل امرأة أمام أطفالها ستدق طبلات آذاننا!!
عن عدد النقاط العسكرية التي ستقابلها أثناء سفرك إلى القرية أو أي مدينة أخرى, وسماع تلك الأسئلة التقليدية والمملة والجالبة للغثيان, ورؤية تلك المظاهر لمن يقف فيها وكأنهم بها قد بلغوا الجبال طولاً.
نعم وعلى عكسهم في مثل هذا اليوم, سيغلب عليك التفكير بكيفية توفير البنزين وقيمته, وتكاليف دراسة الأبناء وتوفير حاجات الأسرة من المواد الغذائية الأساسية.. عن ما يمكن له أن يسيء لنظرك وذوقك العام من الأطقم وسرعاتها ومنظر المسلحين عليها، وصوت الونان والتفحيط وفتاح النخر وصوت الزوامل الصادرة عنها وغيرها من مركبات النخيط.
على عكس “الملاعين” وفي مثل هذا اليوم كما هو في كل أيام العام, سترى مناظر البؤس اليومي والحرمان وكل ما يشعرك بأنك خارج نواميس الحياة وقيم العيش وأخلاقيات الوجود.
يا إلهي 31 عاماً مرت منذ آخر مرة شعرت بإنسانيتي وفرحت بوجودي وسعدت بأوقاتي, لتحل مكانها 31 عاماً مشحونة بكل ما يشعرك بندم وجودك على ظهر “الكبة” الأرضية وهذا الجزء من جغرافيتها الملعونة!!