يصادف العاشر من فبراير، الذكرى السادسة والعشرين لاستشهاد والدي، القيادي الاشتراكي علي علي جميل، رحمة الله تغشاه، أحد تجليات الدولة المدنية، الذين آمنوا بالتعايش وكانوا من دعاتها البارزين.
إن نشأة الوالد الشهيد في بيئة قبلية ومذهبية، فيها ما فيها من التناقضات والخلافات والنزاعات والنزعات القبلية والمذهبية، لم يؤثر سلباً عليه، بل جعله يتخذ طريقة أخرى للتفكير، بعيداً عن العقلية القبلية الجامدة.
لقد رأى في الخلافات والنزعات القبلية والمناطقية أساس التخلف، والسبب الأول في معاناة الإنسان اليمني، فقرر اعتناق فكرة التعايش والدعوة إليها، مع الاحتفاظ بكل إيجابيات المجتمع، وقدم تنازلات كبيرة وباهظة من أجل الفكرة التي اعتنقها وناضل في سبيل انتصارها.
كان حلم علي جميل ينطلق من المبادئ التي آمن بها، دولة تحتضن الجميع بقانون يسود الجميع، لا تمايز فيها ولا تمييز، في إطار المشروع الوطني الكبير الذي يحمله الحزب الاشتراكي اليمني، وعلى هذا الأساس سار في درب كفاحه الطويل الذي توج باستشهاده ثمناً لنضاله وموقفه الصلب.
ماذا لو كان جميع الخصوم استمعوا لصوت الحكمة، التي مثل علي جميل أحد تجلياتها؟
ماذا لو أنهم اقتنعوا بأن لا سبيل للأمن والاستقرار والتقدم والنمو للمجتمع كل المجتمع يكمن تحت عنوان واحد، الدولة الوطنية المدنية؟
ماذا لو أنهم بدلاً من إهدار دمه، ساعدوه في إنجاح المشروع الوطني الذي نذر حياته من أجله؟
إنه لمن المؤسف أن نرى الوطن تتجاذبه قوى النفوذ المختلفة، وأن نرى مشروع الدولة قد سقط ضحية لصراع هذه القوى تماماً مثل حامليه، وأن أول ضحايا هذا السقوط هم أعداء هذا المشروع الذين لم تعد قوتهم تسعفهم للاستمرار في السيطرة، وهكذا دواليك!.
لسنا بصدد التشفي من أحد، وحاشانا أن نكون كذلك، لكنها دعوة نوجهها في ذكرى استشهاد الوالد وفاءً للفكرة التي حملها واستشهد من أجلها، دعوة من أجل مراجعة عميقة للأفكار والمشاريع، سيما أن الفترة منذ استشهاده إلى الآن قد أعطتنا مزيداً من الدروس وكثيراً من التجارب.
دروس وتجارب مفادها أنه يجب الاستماع إلى الخصوم مهما كانوا، وأنه يجب الكف عن الاستقواء عن الآخر الوطني مهما اختلفنا معه، وأن ما جاءت به القوة المفرطة والحرب الشعواء لا يدوم، وذلك واضح في التاريخ اليمني المعاصر، إذ لم تستمر سلطة أكثر من 30 عاماً، قبل أن تزاح بالقوة، وما تأتي به الزوابع تذهب به الرياح.
لا عليك يا والدي العزيز، فالوطن والمشروع الذي ضحيت من أجله يستحق منا أكثر من ذلك، ولو كان يحز في نفوسنا أن نرى هذا المشروع في أضعف مراحله، لكن عزاءنا أننا لا زلنا ورفاقك وكل الشرفاء ماضون على العهد والوعد، وأننا باسطو أيدينا لكل أبناء الوطن الشرفاء من أقصاه إلى أقصاه، للنهوض بهذا المشروع.
لروحك السلام في ذكرى استشهادك الأليمة، والمجد والخلود لكل الشهداء الذين سقطوا على درب الحرية والكرامة والدولة المدنية.