مقالات رأي

فبراير.. تحقيق الأهداف والانتصار لدماء الشهداء

لو تعاطينا مع انتفاضة 11 فبراير من زاوية خلع علي عفاش من كرسي الحكم فقط، لكان ذلك كافياً لأن نطلق عليها ثورة شعبية بكل مقاييس ومضامين هذا الوصف, بل ثورة مرادفة لثورة 26 سبتمبر, من حيث كون الثورتين أفضتا إلى إسقاط نظامين متشابهين في منهج الحكم القائم على الأسرية والمنتفعين من حولها, وما ترتب على ذلك من اتباع لسياسات التجهيل الممنهجة وضرب العملية التعليمة, إلى جانب افتعال الصراعات البينية والحروب وسياسات الغلبة, أضف إلى ذلك ما كان يجري من توظيف لإمكانات الدولة التنفيذية والأمنية والمالية, وبما يقود في النهاية إلى ضمان استمرار الحكم وترسيخ ثقافة الفرد, مع فارق الديكورات السياسية والدينية التي ظهرا عليها.

يحرص البعض في تقييمه لثورة فبراير مقرونة باستحضار النظام السابق ومقارنته بما يعتمل اليوم من حرب سلالية عنصرية, وما يترتب عليها من انقسامات اجتماعية وبروز للثقافات المناطقية والانفصالية, ناهيكم عن مظاهر الفقر والجوع وحالات البؤس والقهر والتعب الذي طال الجميع, في محاولة بائسة لتعميم وتجذير ثقافة “سلام الله على عفاش”.

لاشك بأن الماضي أفضل من الحاضر بالمفهوم العام السطحي وثقافة رجل الشارع, غير أن المقارنة تمثل إعفاء للنظام السابق من تبعات مسؤولياته في إيصالنا إلى ما نحن عليه من أوضاع, بالنظر إلى كونها تمثل نتاجاً طبيعياً لطريقة ومضمون حكمه البعيد كلياً عن وظيفة الدولة الحقيقية, والقائمة على تنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع وفقاً لمنظومة القوانين والدستور, وعلى النحو الذي نشاهده في مجتمعات “الملاعين أولاد الملاعين”  بما يعنيه من نظام المواطنة وإنفاذ للقانون واحترام لخيارات الناس عبر عملية ديموقراطية شفافة.

فلو أن النظام السابق مع غيره من أنظمة الحكم العربية اتبع هذا النهج, هل كنا سنصل إلى ما نحن عليه منذ ست سنوات, بما في ذلك ما يجري في ليبيا وسوريا والعراق, وقادم الانهيارات المحتملة في أكثر من قطر عربي.

علينا أن نأخذ باعتبارنا أيضا وقبل أي شيء مسألة مهمة جداً, وهي أن القوى الدولية كانت ومازالت حاضرة في المشهد العام اليمني وبقية الأوضاع العربية المشابهة لنا, إذ لا يمكن لهذه القوى وبحكم مصالحها أن تسمح لثورات الربيع العربي من بلوغ أهدافها الوطنية, باعتبار أن ذلك سيقود إلى خلق أنظمة وطنية تتعارض توجهاتها مع مصالح هذه القوى, ولنا في تعاطيها مع ثورة عبد الناصر ونهجه القومي في مصر خير دليل على ما نطرحه في هذا الإطار.

من هذا المنطلق, فقد عملت القوى الدولية بكل إمكاناتها على إفشال ثورات الربيع العربي, مستخدمة في هذا الاتجاه جميع القوى النافذة الإقليمية والمحلية المحلقة في سمائها, وموظفة لمعطيات وخصوصية وأسباب الفرقة القائمة في كل مجتمع على حدة, وفي مقدمتها توظيف الأوراق الطائفية والمذهبية والقبلية والعرقية والمناطقية, وبما يقود في النهاية إلى خلق المقدمات القادرة على صنع النتائج المرجوة منها، وفي مقدمتها إيجاد شرق أوسط جديد, وبعد أن تكون المجتمعات العربية المتصارعة قد بلغت من الدماء والفقر والفرقة والجوع, ما يدفع بها ويضطرها لقبول ما يقدم لها من الحلول بغض النظر عن مآلاتها، وما يمكن لها أن تنتج من أوضاع يصعب بلوغها في ظل حالة وطنية قادرة على أن توحد الناس تحت سقفها.

كما لا نغفل أن التنسيق بين هذه القوى والنظام الإيراني, قد لعب دوراً مهماً وكبيراً في صنع هذه المقدمات, بالنظر لحاجتها لإيران كطرف في صراع يعد من أوسخ وأعقد الصراعات في المجتمعات العربية, وأقصد به الصراع المذهبي بصورة ما نعيشه ونشاهده في العراق ولبنان وسوريا واليمن كمرحلة أولى, وفي سلسلة صراعات وحروب قادمة ستشمل كامل الجغرافية العربية بما في ذلك المملكة السعودية, مالم تجيد التعاطي مع راهن الأوضاع وتغيير نهجها التقليدي في التعاطي مع الجار اليمني.

ولا نغفل أيضاً بأن ضعف وغياب دور القوى الوطنية عن الساحة وفي مقدمتها اليسارية والقومية, قد شكل عاملاً مهماً وفتح الأبواب على مصراعيها أمام تمرير السياسات الدولية المباشرة أو تلك التي تنفذ عبر وكلائها الإقليميين والمحليين, بالنظر إلى دورها المفترض من حيث كونها معنية بتشكيل الوعي العام للناس وقيادتهم صوب بلوغ الدولة الوطنية.

وعلى العموم, نأمل أن نتجاوز التعاطي التقليدي مع مناسبة 11 فبراير, في أن ننطلق من المهرجانات والخطب وإلقاء القصائد, إلى النظر له باعتباره التزاماً أخلاقياً ووطنياً, علينا الوفاء بتحقيق أهدافه والانتصار لدماء شهدائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى