مقالات رأي

في ذكرى وفاة “القنبلة”

بداية أعترف أن الكتابة عن رجل بحجم ومكانة وأصالة محمد عوض القنبلة ليست بالسهلة، وليست المسألة مجرد تدوين خواطر عابرة بقدر ماهي مسألة صعبة وتحتاج إلى قدر من الدقة والدراية والإمعان.

محمد القنبلة علم من الأعلام الأبينية الشبوانية الأصل، صالت وجالت في الحياة السياسية والعامة، فكانت شخصية لها حضورها ومكانتها وجاذبيتها، بل وأهميتها، وكل الذين جايلوه يجمعون على أصالة الرجل واحترامه لنفسه قبل احترامه للآخرين، وفي كل المواقع القيادية التي شغلها كان نعم الرجل ونعم الإنسان ونعم القائد ونعم الصديق.

تعرفت على محمد مذ كان يعمل في منظمة الحزب الاشتراكي بالمحافظة، وفي تعاونية شقرة، وفي الاتحاد التعاوني السمكي، يجمع الكل أن محمد فوق مستوى الشبهات حريص على المال العام وغني بقيمه وأخلاقياته التي تربى وجبل عليها.

زرته في السجن عقب جريمة حرب 94م الظالمة بمعية زملائه حسين عوض عبدالقوي، حسين محمد ناصر، عبود، عبدالله حسن، علي دهمس، وآخرين لا أذكرهم، وكان يصاحبني الشهيد علي صالح الحدي في أكثر من زيارة. كنت صوتهم الإعلامي عبر صحيفة الأيام الغراء وقائدها الفذ عميد الصحافة هشام باشراحيل (طيب الله ثراه) حين كانت ومازالت منبراً حراً في الدفاع عن المظلومين ورفض واستهجان الاعتقالات التعسفية لزوار الليل.

من المواقف المؤلمة والحزينة عندما التقيته يوماً بالصدفة في جعار بعيد خروج الحوثيين من عدن، كنت بالقرب من أستوديو أياد فلمحني، وإذا به يوقف سيارته وينده لي، التفت فإذا هو أخي وحبيبي وصديقي الذي كنت أعبر له عن كل ما تكتنزه مشاعري الصادقة تجاه شخصه المحترم، نزل من سيارته وتعانقنا مهنئاً كلا منا بالسلامة بعد حربي القاعدة والحوثة، صعدت معه ولاحظت أن مسحة من الحزن والانكسار تكسو وجهه، سألته عن الحال، قال الحمد لله على كل حال، أخي أحمد قلت خير أشوفك متألم ومنكسر الخاطر. أطلق زفرة قوية من أعماق أحشائه، وأردف: ابني استشهد وكنت أرى فيه حلمي وتاجي الذي أحمله على رأسي قلت مواسياً ومترحماً عليه أي منهم؟! خصوصاً وأننا كنا قريبين في السكن من بعض في زنجبار أكثر، لاسيما وأنني كنت مدرساً في ثانوية زنجبار وكاتباً صحفياً معروفاً في صحيفة الأيام يعرفني وأعرف معظم سكان المدينة زنجبار، أكثر من هذا فهو جار لرفيق دربه المناضل الإنسان فضل محمد ناصر، مدير أشغال أبين حتى حرب 94م.

ومما زاد من حبي واحترامي للقنبلة عندما عرفت حفاظه على بيت جاره فضل، وعدم السماح لكائن من كان اقتحامه أو نهبه. وفي هذا تكمن معادن الرجال.. المهم عرفت منه أن نجله الأكبر “شريف” قد استشهد مقاوماً في الدفاع عن عدن وهو طالب الطب البشري في السنة الأخيرة. شعرت بهول المأساة وفداحة الخسارة ووقع الصدمة التي يعانيها وعانيتها معه في ذات اللحظة.

مرت الأيام وكنت كلما قابلته شعرت أن صديقي محمد مكلوماً مقهوراً.. قلت له ذات مرة استعن بالصبر يا محمد. قال لي بصوت خافت حزين: لسنا أفضل ممن استشهدوا أو ماتوا، هم السابقون ونحن اللاحقون، نطقها وهو على يقين أن بقاءه على هذا الدنيا لم تكن إلا بضعة شهور، لا بل أيام. فترجل رحمه الله، وكان خبر وفاته صاعقاً مدوياً اهتز له بنيان وكيان أبين من أقصاها إلى أقصاها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى