عندما تتحرك تعز
ما حدث خلال الأربعة الأيام الماضية في تعز لم تقتصر/ تتوقف نتائجه على ما تحقق من مكاسب عسكرية في تعز، ولا في تخفيف الضغط على مأرب فقط. ما تحقق أكبر من ذلك بكثير.
تعز حركت المياه الراكدة، وأظهرت هشاشة المليشيا الحوثية. وكشفت أن الحوثين- حال توافرت الإرادة الوطنية والنوايا الصادقة وتم الاعتماد على المجتمع بكل مقوماته وإمكانياته في المعركة- أضعف بكثير من تلك الصورة التي عملوا كثيراً على تكريسها في الوعي العام عن قوتهم وصلابتهم واستحالة كسرهم عسكرياً، وهي صورة ساهمت للأسف وسائل إعلام كثيرة، بما فيها تلك المحسوبة على معسكر المقاومة، في زرعها بالوعي العام في الداخل، وعند صانعي السياسات في مراكز صنع القرار في الخارج.
تعز كشفت ذلك في أكثر من مناسبة خلال السنوات السبع الماضية، وأكدت ذلك مجدداً في الأيام القليلة الماضية.. ويمكن التحقق من ذلك من خلال قراءة سريعة لتغير المزاج في معنويات الناس في الشارع، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وفي تصريحات السياسيين، وفي التغيرات بمواقف القوى الدولية المهتمة بالوضع في اليمن.
يدرك المجتمع منذ وقت مبكر أن لا خيار إلا في مقاومة وطنية مسلحة للمليشيا الحوثية، وفي أكثر من مناسبة كانت القيادات والنخب السياسية والعسكرية في معسكر الشرعية تخذل الناس وتطلعاتهم، لم يحدث ولو لمرة واحدة أن تقاعس فيها المجتمع عن مساندة أي جهود عسكرية، ولسبع سنوات يعاني المجتمع بصمت ويتحمل كافة الصعوبات ملتمساً العذر لهذه القيادات، ويقدم المبررات تلو المبررات لها، وحينما يحدث أي تحرك جاد تجد الناس مستبشرين وفرحانين ومبادرين لتقديم الدعم والإسناد بكل ما لديهم سواء بالمال أو بحمل السلاح.
ماحدث خلال الأيام الماضية مفرح ومبهج ويجب أن يستمر، وأن تتحرك كافة الجبهات بتعز، انظروا كيف توحد المجتمع في هذه المحافظة، وكيف تغير مزاج الناس في اليمن بشكل عام في صورة وطنية تعيدنا إلى البدايات 2015 – 2017.
المتابع للشأن السياسي يعرف كيف أن كل الأخبار كانت إلى ما قبل أسبوع تتحدث عن جولة مفاوضات وشيكة، كسرت مأرب بصمودها الأسطوري هذا المخطط، وجاء التحرك في تعز ليقلب الموازين؛ اليوم فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأمريكا في بيان لهم يجددون استمرار جهودهم الداعمة للسلام، ويدعون الحوثي إلى اغتنام هذه الفرصة وإيقاف التصعيد، ولاحظوا مفردة اغتنام هذه الفرصة، وهو تغيير في موقف المجتمع الدولي ولو نسبياً.
تعز، ووحدها تعز من ستعيد صياغة المشروع الوطني، ومن ستقود عملية استعادة الدولة (دولة القانون والمواطنة مطلب كل اليمنين، وبالنسبة لتعز وأبناء تعز فلا مصلحة لهم إلا في دولة وطنية مدنية ديمقراطية)، ولن يحدث ذلك إلا برفع راية المشروع الوطني وليس المشاريع الخاصة والضيقة، والتعويل على المجتمع ومقوماته وقدراته في معركة التحرير كونه صاحب المصلحة العليا بذلك، وهو ما لمس اليوم في كلمة الأخ المحافظ، ونأمل أن تكون كل القوى السياسية والاجتماعية قد استفادت من دروس الماضي واستوعبت الدرس، وأن يكون لقاء اليوم وكلمة المحافظ بداية لمرحلة جديدة.
للتاريخ ذاكرة وزمان كان المفكرون والمسيسون يقولون إن التاريخ لن يرحم من يخذلون القضايا الوطنية الكبرى ويترددون في اللحظات الحاسمة، وأن صفحات التاريخ السوداء مخصصة لأولئك الذين تخلوا عن قضايا شعوبهم في الأوقات المفصلية.
حسناً هذا صحيح، كان الأمر كذلك إلا أن من سيترددون اليوم أو سيتخذون من دماء وتضحيات الناس مطية لتحقيق أهدافهم الخاصة أو أهداف أدنى من مطالب الشعب، فلن تدون أسماؤهم في صفحات التاريخ السوداء فقط، بل سيخسرون المستقبل أيضاً.