صورة من صور استرخاص الإنسان اليمني
علي عبد الملك الشيباني
يتبارى اليمنيون في امتهان بعضهم, ويغالون في الدوس على كرامة الإنسان وآدميته، بطريقة تحس معها وكأنهم يحققون بطولات لا يستطيع غيرهم الظهور عليها.
لا تتوقف هذه “البطولات” على الإساءة لشخصه, بل وفي أحيان كثيرة قد تطال عرضه وماله، في تحد واضح ودوس على جميع قيم المجتمع الإنسانية وقبلها الدينية.
اليمنيون أكثر مجتمعات الأرض إتجاراً بالدين وتوظيفاً له, خاصة حين يتعلق الأمر بالصراع على كرسي الحكم وهدف التسيد المذهبي والطائفي, على نحو ما نعيشه ونشهده منذ ست سنوات بكل مآسيها وأوجاعها, وما تحدثه من تصدع في نسيج المجتمع ووحدته الوطنية والدينية المفترضة.
نعم, لم يسبق للبلد أن أثقل كاهلها بمضمون ومظاهر هذا النوع من الصراع، وهذا القدر من المخاطر المحدقة بمستقبله الوطني والتعايش المذهبي وإمكانية بلوغه ما يمكن لنا أن نتخيله من المآلات, التي تصب جلها في النهاية في كفة القوى الدولية الراجحة، كمقدمات لنتائج شرق أوسط جديد, تظهر ملامحه بوضوح في كل من اليمن وليبيا وسوريا والعراق, وستتجلى قادم صورته في كل من المملكة وغيرها من الأقطار العربية, ضمن سياسة دولية ممنهجة، تعتمد على واقع ومعطيات كل مجتمع, لكن جميعها تلتقي في النهاية عند إشعال الصراعات المذهبية والطائفية, كحصيلة نهائية لما زرعته الأنظمة العربية المتعاقبة واعتاشت عليه, خاصة تلك السياسات المتعلقة بتشكيل الوعي العام المشوه على طريق الانفراد بالحكم ومحاولات توريثه, في ظل عجز وفشل وغياب قوى سياسيةـ، المفترض بها أنها معنية بقيادة المجتمع صوب تحقيق وبلوغ الدولة الوطنية.
وعودة لبداية الحديث ومن باب المقارنة, لا يخفى على الجميع مقدار الرعاية والاهتمام الذي توليه أنظمة بلدان الملاعين أولاد الملاعين لمواطنيها, بعيداً عن اعتبارات اللون والدين والمذهب والعرق المتجذرة في ثقافتنا العربية.
ولا يقتصر هذا الاهتمام على واقع الحياة الطبيعية اليومية للفرد, بل يشمل حتى حقوق المجرم، من حيث كونه إنساناً، بغض النظر عن حجم وطبيعة جرمه, فإلى جانب ضمان حقوقه القانونية تشمله أيضاً رعاية السكن النظيف بمرافقه المختلفة، وتوفر الماء والطعام وأدوات اللبس، بما فيها تلك الخاصة بمزاولة الرياضة, إلى جانب تخصيص أوقات زيارته والانفراد بزوجته، ومده بما يحتاج من الأغراض والكتب.
على عكسهم وفي بلاد الحكمة والإيمان، لا يتمتع المواطن بأبسط حقوقه القانونية والدستورية وغيرها من الحقوق والخدمات, فما بالكم بطبيعة التعاطي معه في المعتقلات السياسية والأمنية!.
نسمع من بعض المعتقلين وعند الإفراج عنهم, عن حجم وطبيعة الامتهان اليومي الذي يتعرضون له من الشتم والتجريح, إلى سوء المكان واتساخه وتردي خدماته ومرافقه.
والأدهى من ذلك عدم سماحهم للسجين بقضاء حاجته سوى كل 12 ساعة, أما بقية الأوقات فيضطرون لاستخدام قناني البلاستيك, إلى جانب تكدسهم في غرف ضيقة لا تتوفر فيها أدوات النوم ومواجهة برودة الشتاء والهواء والضوء الكافي.
وفي صورة أخرى من صور الامتهان, قد تقضي شهوراً وأنت تتنقل من مكان إلى آخر, لتبحث عن قريب لك جرى اعتقاله من قبل جهة ما أمنية أو عسكرية، ودون سبب يذكر كما يحدث للكثيرين, دون عرضه على جهة اختصاص وضمان حقوقه المختلفة, وما يتطلبه هذا الإجراء غير القانوني من ضياع للوقت وإهدار للأموال في الرشاوي والتنقل والمتابعة.
لكن الأدهى والأمر مما سبق الإشارة السريعة له, هو التمادي في امتهان الآخر حد المساس بالعرض، حين يتعمدون القبض على إحدى قريباته وإيداعها السجن، وما قد تتعرض له من حالات الاغتصاب, بل إن مجرد إيداعها السجن يصبح كافياً لجلب العار، في مجتمع تغلب عليه ما ندركها من الثقافات ومستوى الوعي العام المتدني.
مع ذلك, تجدنا أكثر المجتمعات حديثاً عن الدين والعادات والتقاليد، وما يطلق عليها القيم القبلية، حين يصبح الإيمان مسيرة، والقرآن لغة يومية، والقبيلة مصدراً للتفاخر بقيمها المفقودة وآدابها الغائبة.
هكذا يظل الإنسان اليمني عرضة للامتهان والمزاجية والدوس على كرامته وإنسانيته, في تحد واضح لحقوقه المكفولة قانوناً، وما تنص عليه المواثيق الدولية.
المشكلة أن من يقومون بذلك يتفاخرون بما يرتكبونه من الجرم, ويتباهون بسلوك لا يمت للبطولة التي ينشدونها بصلة.
هذا في الظروف العادية، فما بالكم في ظروف الحرب، وبصورة ما نعيشه في واقع اليوم!.
كما لنا أن نتخيل ما يتعرض له المعتقل في أجهزة الأمن الخاصة, أو ما يطلق عليها زوراً السياسي والوطني.