مقالات رأي

بأي ذكرى عدت يا فبراير!

خبر زلج

18 مارس 2011 يوم لا ينسى من أيام حياتي وكل اليمنيين, في بلد لا يكتنز غير الذكريات المؤلمة ولا يفرد صفحاته سوى لما هو خارج سقف حاجة الإنسان وتطلعاته الإيجابية.

نعم, في مثل هذا اليوم من أيام ثورة 11 فبراير قضى عشرات الشباب أنفاسهم الأخيرة مضرجين بدمائهم النازفة, وهم يخوضون معترك التغيير السلمي, في ظل ظروف سيئة تساوى فيها الحياة والموت لديهم, أملاً في بلوغ دولة ظلوا يحلمون بمخرجات مشروعها طويلاً، دون تحقيق ولو الحد الأدنى من وظيفتها المفترضة.

صادف هذا التاريخ يوم جمعة, حين تصدى لمسيرتها عدد من القناصة من أسطح المنازل المطلة على خيام المعتصمين وخطى مسيرتهم السلمية.

لقد تجلت في هذا اليوم من أيام ثورة فبراير، شجاعة لا يمكن وصفها, وبشباب كانوا يتساقطون تباعاً وهم يشاهدون دماء من يسبقهم في لفظ أنفاسهم الأخيرة دون خوف من ذات المصير, قدر ما كان يشكل لهم ذلك دافعاً إضافياً للمقاومة والتصدي لما ظن الحاكم بقدرته على إيقاف سيل الثورة وحركة التغيير المرجوة.

أطلق عليها جمعة الكرامة, وفيها وأمام إصرار شباب الثورة على المضي صوب نجاحها، وبالنظر إلى عدد ضحاياها, آمن بأن المزيد من الدماء لا يخلف سوى دوافع إضافية لتسريع عجلة الثورة ومنح شبابها مزيداً من الإصرار, على عكس ما كان يظن الحاكم و قراءة أجهزته الأمنية بعقليات منتسبيها التقليدية, القائمة على العنف وإذلال الناس، وما ارتبط بأذهاننا عنها وعن ممارساتها المعروفة للجميع.

أتذكر ذلك اليوم بتفاصيله المؤلمة وبصور شجاعة شباب نذروا حياتهم لصبح يوم, رسم في مخيلتهم الوطنية كهدف لا يمكن التراجع عنه, بغض النظر عن الأثمان المطلوبة لبلوغه وتنفس صفو أنفاسه.

كنا عائدين من شارع الستين، بعد الأداء الجماعي لصلاة الجمعة, شاهدنا تلك الأدخنة الصادرة من شارع الدائري، وأصوات الرصاص الكثيف, وما إن بلغ مسامعنا أخبار عدد ضحايا تلك المجزرة إلا واندفع الجميع صوب ساحة المواجهات, لنفاجأ بذلك العدد من الشهداء، ودماء شكلت دوافع إضافية للاستمرار في التصدي لمجرمي تلك المجزرة البشعة بكل مقاييس التوصيف.

بهذه الجريمة التي أقدم عليها النظام، ظناً منه بإخافة شباب الثورة وما سطرته دماؤهم من نتائج عكسية, وصل النظام الحاكم إلى قناعة كاملة باستحالة إيقاف عجلة الثورة, وما عليه إذن سوى الإذعان والرضوخ والخروج بأقل الخسائر الممكنة, بدلاً عن المشانق التي كانت في انتظار رؤوس غالت في فسادها وشرور أنفسها، وحان قطافها.

ولو أن تلك الأثمان الباهظة في كل ساحات التغيير، اقتصرت نتائجها على خلع نظام عفاش فقط, لكان ذلك كافياً لوصف فبراير بالثورة العظيمة بالنظر إلى مجمل سياسات هذا الرجل, التي اعتمدت في مجملها على التجهيل والصراعات البينية وشراء الذمم والفساد والإفساد والثقافة المناطقية والمذهبية, وما هو خارج وظيفة الدولة عموماً وبنكها المركزي.

لاشك بأننا كنا نطمح بلوغ ما هو أبعد, لكننا بالمقابل نؤمن تماماً بأن الجماعات الدينية لا يمكن لها أن تسمح ببناء الدولة الوطنية, كونها لا تستطيع البقاء في ظل دولة النظام والمواطنة ومخرجات صناديق الاقتراع, باعتبار وجودها أبرز تفسخات غياب هذا المشروع الوطني, وحيث يمكنها الاتجار بالخطاب الديني ودغدغة مشاعرهم وتوظيفها على هذا الصعيد.

كما أننا على يقين كامل بأن القوى الدولية من جهتها لا يمكن لها أن تسمح بنجاح الثورات الوطنية, كون ذلك سيقود إلى إيجاد قيادات ومشاريع الدولة التي ستقف, أو تحد على الأقل من طغيان هذه القوى وإفشال مصالحها القائمة على نهب الثروات, ما يجعلها دائماً وفية وداعمة للأنظمة العائلية والفاسدة, وهذا ما جرى مع ثورة فبراير والربيع العربي عموماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى