على طاولة الشرعية ومكوناتها المختلفة
ببساطة دعونا نتساءل لماذا نشبت ولاتزال تنشب حروب أهلية أو حروب وطنية في هذا المجتمع أو ذاك؟
أكيد إن لكل طرف يشن حرباً ضد طرف آخر هدفاً يسعى لتحقيقه بالانتصار في حربه ضده.
ومؤكد أن الطرف المعتدى عليه له واجب يجعله يدافع عن وجوده أو عن هدف نظامه.
ولاشك أن هنالك أطرافاً قد تكون رافضة لطرف واحد أو للطرفين معا أو لغيرها فيتكون لها هدف يسعى إلى الاستقلال عن الجميع بوطن مستقل.
في ضوء هذا الطرح دعوني أقول ببساطة إن كل طرف من أطراف الحرب والصراع في اليمن له هدف خاص يحارب في سبيله.
معلوم أن جوهر أهداف الحروب الوطنية في التاريخ هي أن تقيم دولة أو تستعيد نظام حكم دولة انقلب عليه.
وهذا يعني أن الطبيعي للشرعية والدول التي تقف خلفها التركيز على استعادة الدولة المصادرة.
بيد أن الحاصل ونحن نلج إلى السنة السابعة من عمر الحرب في اليمن، هو أن استعادة العاصمة صنعاء والعودة إليها تكاد تدخل ضمن المعجزات المستحيلة تحقيقها.
هذا الواقع المؤلم نحن نتهرب منه، ونرفض حتى مناقشته، ونختلق مئات الحجج الواهية للاعتراف به، وعلى الشرعية أن تعترف به كمقدمة أولى لتصحيح مساراتها القادمة.
إن عناصر وعوامل استعادة السلطة المصادرة والعاصمة متاحة للشرعية أكثر مما هي متاحة للحوثيين في احتلال العاصمة ومصادرة الدولة، ومع ذلك تتمدد طولاً وبعداً وتعقيداً طرق الوصول إلى العاصمة لتحريرها، واستعادة الدولة المصادرة.
معطيات حال وواقع الشرعية باتت واضحة وجلية أكثر مما مضى بعد ست سنوات حرب عبثية.
وأكبر معطى هو غياب الهدف الأكبر للشرعية عند مكوناتها والمتمثل باستعادة الدولة عبر تحرير المحافظات والعاصمة من قبضة الحوثيين.
حل محل هذا الهدف الرئيس أهداف مكونات وأطراف صف الشرعية.
أهداف المكون المسيطر على عدن غير أهداف المسيطر على مأرب وتعز، وأهداف هذا المكون غير أهداف المكون الموجود على الساحل الغربي.
الفارق بين تلك المكونات أن مكون عدن ليس لديه رغبة للتوسع أو السيطرة على محافظات شمالية، وهدفه لا يخفى على أحد وهو إقامة دولته، وإن وجد من قواته في المحافظات الشمالية فهي لا تقاتل هناك للتوسع أو السيطرة وإنما بمقتضيات بعضها وطنية صرفة، وبعضها الآخر فرضتها المصلحة السياسية.
مكون قوات الساحل الغربي ليس لديه رغبة أيضاً بالاتجاه نحو الجنوب، وهدفه واضح حيث يصطبغ بوجهين. الوجه الأول يصطبغ بلون الانتقام لغدر الحوثي به، والآخر يصطبغ بلون استعادة السلطة التي سلبت منه، وخرج منها.
المكون الثالث بمأرب وتعز سيطول بنا المقام إن خضت في تفاصيله، ولهذا أكتفي بخلاصة استقراء معطياته بالهدف الذي يمثل نواة أهدافه، وهو السيطرة على كل تعز والساحل الغربي، والاتجاه صوب عدن والمحافظات الجنوبية، لهذا تجده إثر كل مبادرة سلام وتوقف الحرب مع الحوثيين ينعطف على خوض معارك تحرير المحرر تحت مبررات جمة، كتثبيت الشرعية، وتوحيد الجيش، ومحاربة مكونات إرهابية، أو غير وطنية… الخ.
إن استمرار هذا الحال، و بقاء هذه المتظهرات في صف الشرعية لن يفضي ضمن محصلات الحرب سوى إلى تمديد أمد الحرب في البلاد.
إن كل يوم تتأخره الشرعية في العودة إلى صنعاء لا يعني إلا مزيداً من تفخيخ الحوثيين للوعي، وتلغيم البنى الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والإدارية, تلغيماً سينتج عن انفجاراته استحالة أن يبقى اليمن يمناً واحداً، بل لن ولا يبقى حتى يمنان، وإنما عدة يمنات متصارعة متقاتلة تعيش خارج حياة العصر بأسوأ من حياة الأفغنة، لأن الأفغان على الأقل رغم حياة التيه والضياع يشعرون أنهم شعب واحد بقطع النظر عن تعدد القبائل المكونة لهم.. شعب دمرته تارة الحروب الدينية، وتارات حروب الإنابة عن الخارج بفعل التبعية السياسية والدينية، ورغم ذلك يشعرون أنهم شعب أفغانستان فلم نقرأ أو سمعنا عن مكونات تطالب بإقامة دويلات خاصة بها، وهذا الطرح يعطي أفضلية للأفغان على اليمنيين بأنهم شعب واحد على عكسنا نحن.
نعم كلما طالت أمد الحرب تزداد معه التعقيدات، والمشكلات أكثر فأكثر أمام سلطة الشرعية التي لا نريد لها أن يدون التاريخ أنها أعادت بامتياز للوجود بيوت الأئمة الزيدية بعد أن كان شعبنا اليمني قد جعلها من مخلفات الماضي البليد.
ولن يرحم التاريخ أي مكون داخل صف الشرعية، الذي يعبث أكثر، وأنتج عبثه كافة التعقيدات التي أعاقت وتعيق سيرنا في العودة إلى عاصمتنا، واستعادة دولتنا المصادرة.
هناك من سيبرر بأن التدخل الخارجي هو السبب الرئيس في إطالة عمر الحرب، وتدمير اليمن، وهنا أقول إن السبب الرئيس هو الداخل وليس الخارج.
الخارج لا يكون قوياً إلا بمقدار ضعف الداخل.
والداخل هو نحن، هو أنت، هو أنا.
حين نخلص النية لنكون شعبا واحداً، ووطنا واحداً نتعايش فوق ترابه، وتحت سمواته باحترام دون أي تمايز لألواننا، ومذاهبنا، وقبائلنا، وعاداتنا، وأيديولوجيتنا، ولنا دولة تنظم كل ذلك وفق عقد اجتماعي أنتجته معطيات التاريخ اليمني بكل مفارقاتها المعقدة.
حين تتجه نوايانا لكل ذلك لن يبقى في مقدور أي خارجي أن يتاجر بنا على حساب بلادنا.