أول نكد, وأول ما يتصدر جدول همومك عند التفكير بالسفر ما يمكنك مصادفته وتعرضك له فيما يطلق عليها نقاط التفتيش, وتلك الوجوه البليدة التي ترى في تواجدها هناك مبلغ الحلم ومكاناً لتعويض حالات الشعور بالنقص العلمي والثقافي والمعرفي.
نكد سماعك لتلك الأسئلة التقليدية المكررة والمملة: من فين جيت؟ ولا فين رايح.. وأيش معك في الشنط؟ وين تشتغل، وهات البطاقة؟ وما شابه ذلك من الأسئلة التي يعتقد صاحبها أنه وبتوجيهها قد بلغ الجبال طولاً, وألغى مسافات التميز بين بنطلونك ومعوزه المرفوع إلى ما فوق الركب, بين شعرك المسرح وصماطته المربوطة بطريقة الروفلات وتخفي تحتها كيلو من الأتربة والأوساخ.
إذا كانت هيئتك توحي له بأنك من فئة المتعلمين خاصة مع اقتنائك للنظارة الشمسية, تكثر الأسئلة وتتشعب وتأخذ طريقة التعامل معك طابعاً مختلفاً, مزيد من التعالي ومحاولات الاستنقاص والتحقير غير المباشر, وكل ما يظن بعلوه وامتهانك, ويشعره بوهم الفارق بين ما اكتسبته من علوم جامعتك وبندقيته المتدلية على كتفه.
في الطريق من عدن إلى صنعاء مثلاً تستغرق على الأقل 12 ساعة في قطعها, بعد أن جرى إغلاق الطرق الإسفلتية المعروفة, عبر الضالع أو الشريجة والتي لم تكن تستغرق في السفر عبرها أكثر من سبع ساعات.
إذاً عشرات من النقاط المنتشرة على طول الطريق, منها من يسمح لك بالمرور دون توقيف وتوجيه تلك الأسئلة الجالبة للغثيان, وأخرى تطلب منك “حق المقاومة”، و “حق الخدمة” وغيرها مقابل وجود العاكس على الزجاج أو أي أسباب يرى صاحبها بأنها قد تشكل مصدراً للابتزاز.
في هذه النقاط, تصادف وجوهاً مملة من جماعة “هات البتاقة”، وهم المعروفون بشعورهم بالمواطنة الناقصة, الأمر الذي يدفع بهم للاصطفاف إلى جانب من يعتقدونه الأقوى أملا في التخلص من هكذا شعور, وآخرون من جماعة الهبر القرآني والامتهان القرآني وحتى الشتم والضرب القرآني.
عموماً, هناك الكثير من الصور التي تشعرك بفارق الحياة بين الملاعين أولاد الملاعين, المنتمين لعصر الأيفون وثورة الاتصالات ودولة النظام والقانون والمواطنة ومخرجات صناديق الاقتراع, وبين شعوب فاطمة وعائشة, شعوب السلالة والمذهب والقبيلة “وما بدأ بدينا عليه”.