-
إنه للغز عجيب أن تقرر منحة نفطية لكهرباء عدن ولا تصل أبداً إلى ميناء المدينة، حتى أصبحت مجالاً للتندر وتعبيراً عن كارثة في لحظة إنقاذ ضرورية
الإشتراكي _ المحرر السياسي:
تعيش العاصمة عدن وضعاً غير مسبوق من تردي الخدمات لم تعرفه في كل مراحلها، وتعيش حالة لم تعد خافية على أحد من جائحة البسط على أراضيها ومتنفساتها وسواحلها ومنشأتها ومعالمها التاريخية وعلى كل المستويات الخدمية والأمنية والإقتصادية ، وحتى اللحظة لا تزال تقبع في أتون أوضاع ومآسي الحرب رغم مرور ست سنوات على تحريرها، ويكابد أبناءها جحيم متعدد من الألم والمعاناة وشظف العيش بطريقة لم يعهدوها ولم تخطر لهم على بال، ولا تزال تعيش مفارقات كبرى من سوء خدمات الكهرباء والمياه والنظافة بعد أن كبلت إنتصاراتها موجات الظلام والحر، وغرقت شوارعها بالمجاري والقذارة، وأضحت تفتقر الى ابسط مقومات ما يؤهلها لأن تكون فعليا عاصمة الدولة المؤقتة والمدينة التي أُعلن عن تحريرها منذ ست سنوات مضت.
لقد عقد الناس آمالاً عريضة على اتفاق الرياض وما حمله من مؤشرات إنقاذية في تحقيق الأمن والإستقرار والتنمية وتحسين الخدمات لعدن وبقية المحافظات المحررة، وفتح الباب واسعاً لانقلاب الأوضاع الكارثية التي أثقلت كاهل المواطن نحو الأفضل، غير أن الإتفاق بكل أسف وحتى الآن لم يحقق هدفه ولم يسعى المعنيون به بأي مسؤولية سياسية وقانونية وأدبية بالخطوات العملية الضرورية بحسب الأولويات الملحة لتيسير الظروف برفع معاناة الناس والإمعان بإهمال مدينة بكل تفاصيلها وتأريخها وجمالها، ولا زال الإتفاق يراوح مكانه في حين أن جميع أطرافه لا يأبهون للعذابات المريرة التي يتجرعها الناس صباحاً ويضمدون على جراحاتهم مساءً.لماذا عدن ياترى تحصد البؤس عند نقطة تقاطعات الصراعات السياسية الداخلية الأنانية ، ولماذا تدفع ثمن الجفوة بين الشركاء الاقليميين، ولماذا غدت ساحة للصراع والإختطافات المتبادلة والتفجيرات والفوضى والإرهاب والأوبئة وتصفية الحسابات .؟
هذه العدن التي كانت موئلاً للتعايش والثقافة والسلام، وقبلة يؤمها الأدباء والمثقفين والسياسيين والهاربين من الظلم والباحثين عن الحرية والتي نقشت على فسيفسائها لوحة إنسانية بهية الحضور في مسارات الفعل التطوري الحضاري، وكانت درة المدن بموروثها الثقافي وإشعاعها كمدينة قطعت صلتها منذ أزمان بعيدة بكل ما يمت الى التخلف ومظاهره بصلة، ونفضت من على حلتها أتربة التاريخ وشكلت ظاهرة فريدة من الوعي القيمي الإنساني، فلماذا تعاقب اليوم بدلاً من أن تكافأ، ولماذا يصر جميع المتصارعين على خنقها بكل الوسائل وبمختلف الطرق .؟ غدت جوهرة بيد فحام ، فأي فحام هو؟!
لقد أخفق اتفاق الرياض في أهم المواضيع التي يجب أن يحقق بها عديد نجاحات، وتسربت الحكومة من بنوده لتذوب كفص ملح ، ولم يكن هناك ما يستوجب ذكره من دعم يساعدها على النهوض بالأوضاع الإقتصادية والخدمية والأمنية، وتركت في العراء مجردة من أي وسيلة تجابه بها التحديات القائمة ، تخبط عشوائي وتكتيكات وفشل ذريع في تقديم النموذج الجاذب في عدن والمناطق المحررة الذي كان يفترض أن يوازي دعم المعركة، ذلك أن المعركة لا تتجزأ سواء في جبهات المواجهة أو في جبهات الخدمات، ودمرت الحرب طيلة الست السنوات النظام المؤسسي والإداري والقانوني وحل أمراء الحرب بديلاً عن الدولة، ولم يأبه أطراف الحرب إلا لمصالحهم السياسية والاقتصادية، وحصدت عدن إزاء كل ذلك الإهمال المتعمد ضريبة عالية دفعتها بكل أسى من تنميتها وأمنها واستقرارها.
لقد واجهت الحكومة تحديات كبيرة منذ أن تم استهدافها حال وصولها إلى عدن بعمل ارهابي جبان تعاطت معه برباطة جأش، واستنفدت كل المتاح في تعاطيها مع الأوضاع القائمة، وفي الوقت الذي تمتنع به المحافظات ذات الموارد الكبيرة من التوريد إلى البنك المركزي الذي يشهد تعثراً كبيراً في تحقيق التزامه الكامل بصرف كل نفقات الدولة، وفي مقدمتها المرتبات نتيجة عدم توفر السيولة الكافية من موارد الدولة، بسبب عجز أجهزة الحكومة عن تفعيل إجراءات تحصيل إيراداتها السيادية، وامتناع كثير من مؤسسات الدولة العميقة في مختلف المحافظات عن توريد متحصلاتها إلى حساب الحكومة العامة لدى البنك المركزي، في ذات الوقت الذي يتعرض البنك لضغوطات نافذين في وزارتين كبيرتين إرغامه على دفع مرتبات منتسبيها وموازنتها التشغيلية دون أي غطاء مالي، فيما تتم كثير من النفقات من إيرادات عدن التي تترك هي بلا أدنى خدمات.
إنه يتحتم على الأشقاء ضرورة دعم الحكومة ، الدعم الذي ينطلق من مفهوم جيو سياسي واستراتيجي لاتفاق الرياض وإبعاد هذا الاتفاق في مساعي تنفيذه عن الأساليب التكنوقراطية التي تركز على الأبعاد التقنية وحسب وتجنب قذف الاتفاق في أحضان البيروقراطيين الذين يميتون كل شئ بعد وضعه في ملف مكتبي ليدخل في النسيان ، وأنه للغز عجيب أن تقرر منحة نفطية لكهرباء المدينة ولا تصل أبداً إلى ميناء عدن، حتى أصبحت مجالاً للتندر وانقلبت الصورة عنها في مخيلة الشعب ، إذ أصبحت تعبيراً عن كارثة في لحظة إنقاذ ضرورية، وقيل عنها أنها ثالثة ثلاثه من أشهر السفن في التاريخ الإنساني إلى جانب سفينة نوح وسفينة التايتانك!.
ستنهض عدن لا محالة وتلك طبيعة المدن العظيمة التي تنهض من بين الركام، سيكون ميراثها الثقافي والحضاري والمدني كفيل بتغيير وجهها القاتم وغسل غبار الزمن الذي علق بإشراقها وبهائها فتلك عدالة النهايات الكبرى التي يفرزها التاريخ.