عن عمر ناهز المائة عام رحل عن دنيانا القاضي الرصين وعالم الدين الجليل القاضي “محمد بن اسماعيل العمراني”.
لا يختلف اثنان في طول البلاد وعرضها حول سيرة القاضي العمراني النظيفة, لتمثل بذلك حالة نادرة في بلد يسمح وعيه العام بالتعاطي مع كل المشاريع الصغيرة, وفي مقدمتها المذهبية والطائفية والمناطقية في ظل غياب الدولة الوطنية ورجال الدين امثال العمراني.
عرف الرجل بتميز الأداء وصلابة الموقف الوطني واعتدال الرؤى ووسطية المنهج وقوة الانتماء واحترام الآخر المذهبي.
لم يتورط يوما في ما يمكن أن يسيء له ولمكانته الدينية والعلمية. لم يوظف الدين لخدمة أحد ولا لصالح جماعة أو مذهب أو طائفة كما فعل كثيرون من رجال الدين.
شغل لسنوات طويلة مفتيا للجمهورية.. وعرف خلال شغره لهذا الموقع باحترام النفس وتمثل القيم الدينية على النحو الذي يعكس الوظيفة والدور الحقيقي لرجل الدين في موقعه العام والرسمي, فلم يجرح أحد ولم يتعاطى أو يتصرف ضمن ثقافة الغلبة التي سيطرت على سلوك الكثيرين بما فيهم رجال دين, معنيين بالعمل على تقارب الناس واستحضار ما يوحد مواقفهم ورؤاهم الدينية والوطنية والاجتماعية.
لم نسمع يوما أنه ومن خلال موقعه الرسمي مفتيا للجمهورية, أن قام بتوظيف الدين خدمة للحاكم من خلال قيامه مثلا بشرعنة سياساته وتوجهاته وصراعاته وحتى حروبه كما فعل آخرين, وما فتوى حرب 94 عنا ببعيد.
إن السمعة الطيبة والسيرة النظيفة واحترام النفس التي اتسم وعرف بها القاضي العمراني, تضعنا جميعا – وفي المقدمة أسرته – أمام مسؤولية الالتزام الأخلاقي بنهجة العام, وفي المقدمة نبذ الثقافات المذهبية والطائفية والمناطقية والسلالية, تمثلا لحقيقة الدين بمضمونه الانساني والقيمي والاجتماعي, وصولا إلى الدولة الوطنية بسلامة اوضاعها العامة, وبعيدا عما نشهده اليوم من الصراعات المخزية بحقنا وتاريخنا وأدوارنا المعروفة في نشر الإسلام وتثبيت أركانه, في كثير من جغرافيات العالم.
رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جناته, ولأهله وذويه الصبر والسلوان.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.