-1-
“عندما ينتهي القانون يبدأ الاستبداد، وإن كل من يتولى السلطة ويتعدى القوة التي منحت له بواسطة القانون، ويستخدم تلك القوة ليفرض على ما لا يسمح به القانون، يفقد بذلك أهليته للحكم، ويجب علينا مقاومته كما نقاوم الغزاة”. فيلسوف السلام والتسامح. جون لوك.
إن السلام، والتحرر السياسي، والوطني الديمقراطي الذي نريدهما ونتوق إليهما، هو التحرر من الاحتلال الأجنبي، ومن “الاستعمار الداخلي”. الذي يمثل الوجه الآخر والمكمل للاستعمار الأجنبي، وخاصة حين يكون “ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهندي”، وفقا لقول الشاعر العربي.
ذلك أن “الاستعمار الداخلي”، في فترات ضعفه، هو من يستدعي ويستقدم الاستعمار الخارجي في العديد من الحالات، فالطغاة في التاريخ هم من يستقدمون الغزاة.
قد يقول قائل: أنك بذلك القول، إنما ترفع عن كاهل القوى الاستعمارية في التاريخ مسؤوليتها عن جرائمها التاريخية، في تفكيك وتدمير ونهب ثروات الشعوب، واحتلال أراضي الدول الأخرى. وردي الواضح والمباشر، أن ظاهرة احتلال الأحباش والفرس لليمن في التاريخ القديم، والعثمانيين في التاريخ الحديث، حتى الظاهرة الاستعمارية/ الامبريالية الحديثة والمعاصرة، ستبقى وتظل ظواهر استعمارية عدوانية وحشية، على أن لا ننسى أن ضعفنا وصراعاتنا العبثية، وتخلفنا، وطغياننا على داخلنا هو من شجع الخارج الاستعماري على غزونا، ناهيك عن ترحيب بعض داخلنا بدعوة ذلك الخارج الاستعماري إلى داخلنا، والنماذج لذلك في التاريخ السياسي اليمني عديدة، وهو ذاته ما نعيشه اليوم، بعد أن تحولنا إلى وكلاء للخارج، وجعلنا من أرضنا وبلادنا ودماء أبنائنا ساحة للصراعات الاقليمية والدولية.
أنا شخصيا لست مع خيار الحرب، ومع السلام المستدام بشكل قاطع ونهائي، السلام، على أسس سياسية وطنية واقعية، على الأقل لأنني لست مستفيدا كإنسان من الحرب بأي معنى من المعاني، ولكن لا اريد أن أبني قناعاتي وأحكامي ومواقفي على الشعارات المجردة الفارغة من المعنى .. باختصار، لست مع خيار الحرب، كما أنني لا أقبل على نفسي أن أوضع في الزاوية الحرجة/ في المنطقة الرمادية ، باسم “الوطنية الزائفة”، بالوقوف مع “الاستعمار الداخلي”، على حساب حريتي وكرامتي، للقبول بحالة هي أشبه بـ”العبودية المختارة”!!
لست أمام خيار إجباري / تعسفي وحيد: إما أن أكون مع “الاستعمار الداخلي”، أو مع “الاستعمار الاجنبي”، الذي استقدمه البعض “لتحريرنا” كما يتوهم .. فلنعد العدة السياسية والاجتماعية والوطنية لوحدة الغالبية العظمى من أبناء اليمن، قدر المستطاع وبنفس كفاحي طويل، لمقاومة جميع صنوف القهر والقمع والاستبداد، والاستعمار، داخلي، أو خارجي، فكليهما اليوم وجهان لعملة واحدة، هي قهر الشعوب منفردين أو مجتمعين، أو بالتخادم المصالحي في ما بينهما، كما هو حالنا اليوم.
إن أهم وأخطر أسباب سقوط الدولة، والحضارة العربية الإسلامية: “الأموية”، و”العباسية”، وجميع دويلات “ملوك الطوائف”، كان غياب فكرتي العدل، والمساواة، وعدم العمل بفكرة “التقوى/ الإسلامية”، وفقاً لقول الله تعالى” إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، وإصرار البعض على الحكم “بالعصبية”، ومن ثم تحول الحكم من “الشورى”، في صورتها التاريخية التي كانت منشودة، إلى “العصبية” القبلية، وصولاً للعصبية الأسرية” العائلية/ الوراثية”، حيث جمعت المِلكية، والحكم ، والدولة بالعائلة/ الوراثية “السلالية” المستبدة، ومن حينها انقسم العرب، والمسلمون، إلى ” أموية” و”عباسية” و “علوية/ هاشمية” و”إمامية/ في أشكالها المختلفة”، وصولاً لملوك الطوائف، وهو ما علينا معا نقضه وتجاوزه اليوم، والعالم يقلب صفحة العقد الثالث من الألفية الثالثة.
إن خطورة ووحشية صراعنا على السلطة، واقتتالنا من حولها اليوم، إنما آتٍ من أنها صارت تجسيداً لاندماج أو تماهي الملكية/ الثروة، بالملك/ الحكم، وهو ما يجري تنفيذه وممارسته اليوم، باسم “الحق الإلهي”، وهو أخطر وأبشع أنواع دمج الملكية، بالملك، ومن هنا وحدة السلطة/ الملك، بالملكية العامة للمجتمع/ الشعب، تحت غطاء ديني/ سلالي، وبالنتيجة تعملق السلطة الفردية، وغياب الدولة إلى يومنا هذا، بل وإلى ما شاء الله.
ولذلك فكل أشكال العنف والقهر للآخر، إنما يدخل عندهم، في باب “الجهاد”. وبذلك، فجميع أنواع “الجبايات” و”الفيد”، و”الغنيمة/ والتغلب”، التي تتم اليوم، مشروعة، وشرعية، بالمعنيين الديني، والاجتماعي، وهي نعمة إلهية، لأصحاب “الحق الإلهي”، وهو ما يجب علينا نقضه، ورفضه، ومقاومته، بكل الوسائل، كما أشار فيلسوف السلام، والتسامح.
إن الاتحاد بالسماء من خلال مفهوم “الحق الالهي”، يعني توحد البعض بكل شيء في الأرض: الملكية، والسلطة والثروة، والدين.. وهذه هي النتيجة المنطقية والواقعية لقول البعض بــ “حقهم الإلهي” عبر “الولاية” .. وهو ما يعني أن لا تنازل ولا مساومة على مبدأ “الولاية” لا تنازل عن “السماوي”، بمقابل “الأرضي”، فالأرضي بكل تفاصيله، يتبع السماوي، ومن هنا صعوبة، بل استحالة إنجاز تسوية سياسية قابلة للحياة، وبالنتيجة تعذر صناعة حتى سلام مؤقت وليس مستدام. إنهم لم يقبلوا تقاسم السلطة مع من أوصلهم لقمة السلطة، وقتلوه، فكيف سيقبلون بمشاركة أو اقتسام السلطة مع معارضين لهم في المعنى والمبنى.
ولذلك أقول: إنني لست مع من يقول: بـ “العدل أساس الملك”، بل مع القول: بأن العدل، والحرية، هما أساس الملك، لأنهما معاً أساس السلام المستدام، والتحرير الوطني الحق.
ومن وضوح هذه الفكرة والمعنى في عقولنا، يتحدد موقفنا من أننا مع العدل والحرية اللذين يقودان للسلام المستدام لكل أبناء اليمن.
ونقطة على السطر.
-2-
نحن إلى اليوم، بل وحتى اللحظة لم نقل “للاستعمار الداخلي”: كفى عدواناً وحرباً على الغالبية العظمى من الشعب، من خلال محاولة فرض مفاهيم لاعقلانية، و”ميثولوجيات”، خرافية ولاإنسانية!!
نحن حتى اللحظة، لم نقل لمن يقتلنا جوعاً ومرضاً وتفقيراً: لماذا تقتلنا؟!
لم نقل لمن يحولنا جميعاً كمجتمع وشعب إلى هوامش، بعد أن جرى احتلال المتن السياسي والاقتصادي والسلطوي من قبله، وله وحده: إنك مخطئ، ومعتدِ على حقوقنا!!
لم نقل له: إنك دمرت السلام الاجتماعي والثقافي والديني والوطني حين تعتدي على ذاكرتنا الثقافية والوطنية والتاريخية!
لم نقل له: إنك احتكرت الفضاء السياسي والمدني كله لك وحدك حين صادرت قضية الحريات، ومنعت ممارسة السياسة، والأعمال المدنية المشتركة للناس، وحين منعت إصدار الصحف كافة، وحين ألغيت “هامش السماح الديمقراطي” الذي كان.
ويصل الأمر لمصادرة الحياة، حين تزعم بـِ “حق إلهي” لك ولجماعتك السلالية دون العالمين، خلافاً لما تقوله صراحة النصوص القرآنية البينة والمبينة!
السلام والتحرر السياسي والوطني والديمقراطي، يا أعزائي ليس شعارات وكفى!
السلام والتحرير الوطني، يعني أمراً سياسياً مباشراً برفض الظلم وبالمقاومة للفساد والاستبداد والطغيان.
إن الله جل جلاله يقول في محكم كتابه المبين: “اذهب إلى فرعون إنه طغى”، بعد أن تجبر وقال: “أنا ربكم الأعلى”. ونحن فهمنا من النص القرآني أنه فقط (طاغية)، لنرهب ونخوف به انفسنا والناس من حولنا، ونسينا أمر الله، “اذهب إلى فرعون” “اذهب” اليه بالثورة عليه/ للتغيير، وليس لشتمه ولعنه.. أما نحن اليوم، فحتى الإشارة لطغيانه، فلا نقولها، وإن قلناها فعلى استحياء، ومن وراء حجب واحجية كثيفة يختفي معها المعنى.
والأهم أنه لا يجب أن نوظف المعاني والمفاهيم والقيم المعيارية (المثل)، للدفاع عن الاستبداد بشقيه: السياسي، والديني، كما هو الحال مع البعض.
إن المطلوب هو الانغماس الفعال في الواقع، وليس التماهي السلبي مع وفي جب سلطات الأمر الواقع.
السلام والتحرر السياسي / الوطني والديموقراطي، فكرة وقضية وهدف سياسي وعملي ووطني نبيل وكبير علينا أن نتحرك نحوه بكل ما أوتينا من همة وطاقة.
“الولاية”، يا “دعاة السلام والتحرر الوطني” وفق التعريف الخطأ لها من قبل البعض، إنما تعني – أي الولاية- نظرياً وسياسياً وعملياً، تعميم حالة “اللامساواة/ اللامواطنة”، تعني إلغاء صندوق الانتخابات واللجنة العليا للانتخابات، تعني أن يرمى في عرض الجدار السميك للعنصرية و “التفوق العرقي”، بالمقولة القائلة: بأن لكل مواطن بلغ سن الرشد صوت واحد، دون تمييز بين المواطنين، حسب الجنس، والدين، واللون، واللغة، والعرق إلخ.. كما تعني “الولاية” عند البعض، من أن منصب الرئاسة العليا محتكر في قائمة أسماء “الهاشمية السياسية”، في صورة “الولي الفقيه/ أو المرشد الأعلى”، وأحفادهم.
هكذا يقول النص النظري والسياسي والعملي لمعنى “الولاية”، يا دعاة “السلام/ والتحرر الوطني”، أم أنا مخطئ واتجنى على ما يحصل، ومن أنه لا إمكانية، مع مثل هذا الخطاب “الولائي/العنصري”، ومثل هذه الممارسات الجارية منذ سبع سنوات عجاف على الأرض، للحديث عن “السلام”، وعن “التحرير الوطني”، إلا إذا كان للترويج للراهن السياسي ولشرعنته. دفاع عن “طالبان”، هناك، من خلال رؤية ايديولوجية/ سياسية خاصة بالبعض، والمقصود أو الهدف، ترسيم توصيفة “التحرر الوطني”، هنا، أي على ما يحصل في بلادنا.
والسؤال: لماذا لم نقراً نقداً فكرياً وسياسياً وطنياً واضحاً وصريحاً حول كل ما يعوق فعل السلام، والتحرر الوطني والسياسي الديمقراطي على الأرض، في صورة شعارات، وخطابات، وممارسات تلغي عملياً حقنا في الوجود والحياة كبشر بعيداً عن أغاني واناشيد وقصائد/ بيانات صحافية عمومية حول “ايقاف الحرب” و”السلام/ والتحرر الوطني” كما تطالعنا به بعض المقالات؟.
لا نريد أن تتحول دعوات “ايقاف الحرب” وخطاب “السلام” إلى عملية سياسية تنتج بنية نظام سياسي يعتمد الطائفية/ والقبلية/ والجهوية أساساً للحكم، يثبت السلطة على قاعدة المحاصصة الطائفية القبلية والجهوية، ويقمع المجتمع ويمنع قيام دولة المواطنة والحقوق إلى زمن مجهول، على طريقة النموذج اللبناني التاريخي، أو النموذج العراقي بعد غزو واحتلال العراق.
إن من لا يملك مشروعاً للتقدم الاجتماعي، وللحياة في العصر، ويعرض علينا يومياً، عوضاً عن ذلك، مشروعاً مفتوحاً للحروب الداخلية والخارجية وللجبايات، وللموت المجاني والاعدامات، ومن أن الصبر على قطع رواتب الفقراء لأكثر من خمس سنوات إنما هو صبر، “جهادي / إيماني”، و”مقاومة للعدوان”، فهل نتوقع ممن يحمل كل هذه الحمولة السياسية/ الإيديولوجية/ الدينية/ الطائفية/ العنصرية الإقصائية والإلغائية، والإفقارية، للآخر، أن يقبل – تحت أي ظرف أو شرط- في التماهي مع أي خطاب حول “السلام”، ويقبل بـِ “المواطنة” للجميع على قدم المساوة، وفقاً للنصوص القرآنية الواضحة في المساواة بين المسلمين/ بل وكل الناس كما يقول النص القرآني. فالله عز وجل يقول في محكم كتابه، “يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرِ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير” (سورة الحجرات، الآية (13))؟ ثم يأتي البعض ليقول لنا إنه مختار، ومصطفى من الله بصك إلهي، نيابة عن مجموع الشعب.
ومن عجائب الدنيا اليوم، أن يطل علينا بعض الكتاب، ليطلبوا منا “أن نتعلم من التجربة الافغانية”، كما ورد في واحدة من المقالات، وهو قمة المهزلة والسخرية بنا وبعقولنا وبالتاريخ.. خطاب فيه تدمير لفكرة وقضية التقدم الاجتماعي/ الإنساني في الواقع، وفي التاريخ.
إلى هذا الحد وصل الأمر بالبعض في دفاعه عن “طالبان” هناك، وعن جماعة “الولاية” “أنصار الله”، عندنا. لم يقل هذا البعض بأن نتعلم من تجربة/ “نيلسون مانديلا”، أو نتعلم من “صحيفة المدينة” “صحيفة الرسول الاعظم”، أو نتعلم من تجارب ناجحة معاصرة، حققت المثال السياسي الوطني، والنموذج الانساني التقدمي في بلدانها.. يطالبوننا حصرا بالاقتداء بالتجربة الافغانية المذهبية الطائفية القبلية في صورتها “الجهادية”/ التكفيرية.. تجربة سياسية تعيش خارج الحياة والعصر، لأن ذلك مدخلنا الوحيد، كي “نتحرر من الغزاة الإقليميين، وننال الاستقلال”. ونقولها بالفم الملآن لمن يطالبنا بذلك: لن يتم طرد الغزاة ونيل الاستقلال، من خلال تحويل الشعب إلى عبيد، باسم “الحق الإلهي”، فالعبيد غير مؤهلين لصناعة مجد الحرية والاستقلال، بل إن مثل هذا الخطاب، والممارسات، لا ينتجان سوى تأبيد حالة الاستبداد والاستعباد والاحتلال، وبالنتيجة: استدامة الحروب الأهلية.
إن السلام والتحرر الوطني والسياسي الديمقراطي، نقيض جذري لمثل ذلك الخطاب ولمثل تلك القوى التي تقف خلفه وتعبر عنه.
إن خلاصة معنى السلام والتحرر الوطني والديمقراطي هو: حرية وعدالة ومساواة وسلام مستدام .
فالسلام والتحرر السياسي والديمقراطي، في كل مصطلحات ولغات العالم الحية والميتة، وفي الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، وحتى في الديانات الوثنية، يعني حقوقاً على كافة الأصعدة.
ومن هنا صعوبة، إن لم يكن استحالة إقناع العصبوي/ السلالي، بالحوار وبالسلام، هذا ما تقوله حقائق ووقائع التاريخ الفكري والسياسي للشعوب والدول، وليس إجتهاد أو استنتاج ذاتي عصبوي مقابل.
السلام ليس حرفة و لا بضاعة مطلوب ترويجها في سوق الشعارات.
اليوم تمنع حتى “المقاومة بالحيلة”، وهي أضعف أشكال الإيمان بالحق والحقوق، وكذا المقاومة بالصمت ممنوعة من الصرف في عرف وقانون “الهاشمية السياسية” !! ذلك أن لسان حالهم يقول: يجب أن تقول ما نراه، ما نريده نحن منك، وليس ما تراه وتعتقده أنت.. الواجب والحق محصوران بين دفتي ما تقوله ألسنتنا المبينة/ المعصومة، نحن أصحاب الحق الإلهي.
افعل ما نريد، وقل بعض ما تشاء في حدود السقف السياسي المسموح به، شريطة الاعتراف والإقرار بحقنا في “الولاية”، هذه هي قاعدة “السلام”، المطلوب منا ترسيمها والقبول بها في واقع الممارسة.
إن التفكير السياسي المطلق ” الشمولي/ التوليتاري”،يعني الغاء لكل “تفكير نسبي”، وبالنتيجة مصادرة لوجود الذات الفردية في المجتمع، ولحق الفرد في الحياة المستقلة، فما بالكم حين يكون التفكير السياسي المطلق” الشمولي”، مؤطراً بخلفية ايديولوجية/ دينية، تقول بحق افرادها/ جماعتها، المطلق، بـ “الحق الإلهي”، فنحن هنا أمام اعدام والغاء كلي لوجود الذات الفردية، باسم “السماء”، يغيب أو يتوارى معها جميع أشكال التفكير البشري النسبي تجاه قضايا الحياة والناس، وهو ما نعيشه اليوم، ومن هنا تبرير جميع الانتهاكات ضد المجتمع، باسم” الجهاد”، و” مقاومة العدوان”.. إلخ.
إن السلام، وخطاب التحرير الوطني، يكون بين أحرار أنداد، وليس بين سادة وعبيد، يكون بين نساء ورجال أحرار “كما خلقتهم أمهاتهم”، وليس بين “مختارين ومصطفين” بصك إلهي، وبين من يزعم من أن الآخرين إنما خلقوا لطاعتهم وخدمتهم. فعند هذه اللحظة من ذلك القول: أنت لا تعمل سوى استحضار واستدعاء كل شياطين الدنيا المحليين والأجانب، إلى داخل حدودك، وتعد الارض لينتقل الاستعمار الاجنبي إلى داخلك، شئت أم أبيت، بل وتستديم وجوده في داخلك، لأنك تنقل الاختلاف من اختلاف في الشأن السياسي العام، إلى خلاف في حق الآخرين في البقاء والوجود والحياة، وتحولها – بذلك- إلى “معركة وجودية/ مصيرية “، حتى لو رفعت كل شعارات الدنيا في “مقاومة العدوان”.
إن كل ادعاءات الاعتراف بالآخر السياسي والديني من قبل سلطة الأمر الواقع الطائفية/ العنصرية، يسقط أمام أول امتحان في واقع الممارسة، يسقط أمام وعي ايديولوجي، وسيكلوجية مهجوسة ومسكونة بثقافة “التفوق العرقي”. فالتمركز حول “الذات المذهبية”، الطارئة على المجتمع اليمني، وعلى الثقافة الدينية والاجتماعية لنا، يقول إننا أمام وحدة مصمتة مدمرة وقاتلة وهو ما نعيش تفاصيله الكارثية اليوم في كل لحظة، كابوس مقيم لا يبارحنا حتى ونحن في قمة الصحو، وهذه هي الحكاية باختصار يا دعاة “السلام” و” التحرر الوطني”. إنهم أعظم مؤرخون للموت في حياة الناس اليومية، حتى يمكننا القول إن الموت صار أحد عناوين تمظهرات وجودهم في الواقع.
إن ما يؤجل ويبطئ التحرر من الاحتلال الأجنبي: “السعودي الإماراتي الإيراني”، إنما هو عنف ووحشية “الاستعمار الداخلي”.
“فطالبان” في افغانستان، والجماعة الحاكمة في صنعاء، كلاهما، “إسلام سياسي”، مثلهما مثل “الوهابيين” و”الاخوان المسلمين”، والفارق بين “طالبان”، والجماعة الحوثية، “أنصار الله”، أن واحدة، “سنية” المذهب، والأخرى “شيعية”، طالبان/ تقول بالحكم، بـ “الشريعة الإسلامية”، عبر “الإمارة الإسلامية”، وفقا لتأويلها الايديولوجي/ السياسي الخاص للمعنى الديني الإسلامي، والثانية، تقول إنها ستحكمنا بـ”حقها الإلهي”، “الولاية”، ولا فارق بينهما سوى في درجة الاستبداد والاستعباد الديني، والمغالاة في ذلك فيما بينهما، وهو ما يطالبنا بالاقتداء به، البعض من كُتّاب “التحرير الوطني”، الجدد.
إن كل ما سبقت الإشارة اليه، هو ما يمنع فعلياً وحدة المقاومة الوطنية للمحتل الأجنبي وهو إلى حد بعيد ما يحصل في بلادنا اليوم.
فكيف ستواجه العدوان / والمحتل، بمختلف مسمياته، وأنت منقسم على ذاتك إلى أكثر من جهة، وجبهة، وميليشيا عصبوية صغيرة ومرتبطة بكفيل يحرسها ويمولها من خارج الحدود؟
حين تضع شروطاً انقسامية وتمييزية للحياة، فأنت بذلك تلغي أي امكانية للتعايش/ للعيش المشترك، وتقطع كل خطوط وخيوط الوصل والتواصل في قلب المجتمع، وتمنع عملياً أي امكانية لصناعة سلام داخلي / وطني مستدام، وتؤسس لحروب أهلية بالنتيجة.
وهذا ما تقوله تجارب جميع الشعوب في العالم قديماً وحديثاً.