مقالات رأي

أنيس حسن يحيى الإنسان والموقف والتاريخ (1-3)

قبل البدء.. أحاول في هذه السطور/ التحية ، ليس تقديم سيرة سياسية تاريخية عن وحول الأستاذ / أنيس حسن يحيى، قدر ما هي تداعيات وجدانية من القلب إلى اسم يستحق ما هو أكثر من ذلك.. هي تداعيات ذاتية يتداخل فيها السياسي بالثقافي بالوطني لرحلة كفاح مديدة هي إلى الفروسية أقرب.

  • أنيس البدايات والحياة:

حين بدأت التفكير بالكتابة عن المثقف العضوي، والمفكر السياسي ورجل التنوير (الحداثي)، رجل الدولة الأستاذ/ أنيس حسن يحيى، وجدت نفسي حائراً من أين أبدأ، فكل مشواره مع الحياة بدايات سياسية، وتربية مدنية، وقيمية لا تنتهي، جميعها تقود إلى معنى الحرية، وإلى معنى الوطن “اليمن الديمقراطي الموحد” .. بدايات جميعها تؤسس لمعنى السياسة المدنية، والتنظيم الحزبي الوطني القومي واليساري التقدمي الاشتراكي.

فيض من القول يجتاحني، يتزاحم ويشتبك مع بعضه البعض: من أين أبدأ في الكتابة عن قائد جمع أشتات المعاني في ذاته، اسم ملأ الساحة السياسية والفكرية والثقافية حضوراً طيلة أكثر من سته عقود متواصلة، لدرجة أن الكتابة عنه صارت مستعصية على مثلي؟ وقد يكون في ذلك تفسيراً لما تكاد تكون الكتابة عن مثل هذه القامة الفارعة/ المديدة، بكل المعاني والأدوار، شحيحة حد الغياب بما لا يتناسب مع مكانة الاسم والدور، الاسم الكبير والفاعل في التاريخ السياسي اليمني المعاصر. وهذه في تقديري واحدة من المفارقات العجيبة غير السارة في حياتنا الثقافية والسياسية اليوم وفي الأمس. وهذا الأمر ينسحب على أسماء عظيمة عديدة، وهو – قطعاً – أمر سالب يتم مع وتجاه أسماء فاعلة ومؤثرة في صناعة مجد هذا الوطن طيلة ما يزيد على ستين عاماً من الكفاح السياسي والمدني والديمقراطي.. أسماء وقامات العديد منها ما يزال حاضراً فعلاً وعطاءً حتى هذه اللحظة، وبلا حدود. هل لمكانة الاسم ومهابته دور في ذلك، خشية عدم الإيفاء بما  يجب أن يقال ؟! هل هي الانكسارات الذاتية والاحباطات السياسية التي نمر بها منذ أكثر من عقدين من الزمن؟ هل هي قوة العادة السلبية، أن لا نحكي فيها وخلالها عن الأسماء الجميلة والنبيلة إلا بعد رحيلها عن دنيانا، وكأننا نبخل عليها/ عليهم، في التكريم وهم بيننا، وكأن الموت هو التيمة والتميمة التي تجمعنا وتوحدنا (المصائب)، بما يعني ضعف حضور معنى الحياة في يومياتنا في مقابل الموت الذي يتسيد المشهد، ويطغى على كل شيئ؟! أسئلة لا أمتلك اجابة محددة وواضحة عنها وحولها. والمصيبة أن هذا الأمر ينطبق علينا كأفراد، وحتى الأصدقاء، ومؤسسات دولة، ومجتمع ثقافي ومدني.

وفي هذا المقام، من المهم الإشارة إلى أن الكتابة عن هذه الأسماء والهامات الرفيعة المقام، يجب أن لا تأتي كرفع للعتب أو كأداء واجب أو لاستكمال طقوس مناسباتية تذكرنا بهم، لأن الأهم أن تأتي كتابة صادرة من أعماقنا كواجب سياسي ووطني وتاريخي، كتابة نتدبر فيها ما كان/ ما كانوا عليه، وما جسدوه ومثلوه في حياة هذا الشعب والبلد، كتابة تحفزنا للتغيير، وللبدء من حيث كانوا، ومواصلة للمشوار السياسي والفكري والقيمي الذي مثلوه وجسدوه في حياتهم الخاصة والعامة.

البدايات التوثيقية بالسنوات في حياة مثل هذه الأسماء، أنيس حسن يحيى، ورفاقه، قطعاً مهمة وهي قد تكون معلومة ومفيدة لمن أراد، بالعودة إلى أرشيف ذاكرة الزمن التاريخي، على أنها لا تهمني هنا، لأنني لست بصدد كتابة توثيقية تاريخية، فهذه مهمة أتركها للمعنيين بذلك.

حياته -أنيس- بداية لا تتوقف في الحياة، هي بداية مع كل يوم جديد، بمعنى أنه لا يشيخ بالمعنى العقلي والإبداعي والإنساني، يتقدم في العمر، ويتقدم في الإبداع العقلي/ الإنساني ، يتذكر ما قيل باعتباره شريط ذكريات له صلة وصل بالحاضر، ويوصل إلى المستقبل. هذا ما يعنيه وما يهمه.. أنيس حسن يحيى عقل مؤسسي في مواجهة ثقافة تاريخية (مجتمعية/ وسياسية) لا مؤسسية، ولذلك كان رجل نظام وقانون وإدارة في صورة مثالية. وبهذا المعنى هو رجل دولة بامتياز  .

 يكتب ويفكر ويحاور من حوله، ويمارس الحياة في تفاصيلها الصغيرة والكبيرة بعقل مفتوح، عقل رجل الدولة المدني الديمقراطي، وهو أمر ثقيل على البعض، ولا يتقبلونه بسهولة، لأن حالة الفوضى والبدائية والعصبية عندهم  هي النظام العام .. أنيس، شخصية فاعلة مبادرة، يفعل ما يقوله، ويكتب ما يمارسه، الفكر/ والفكرة في عقله وحياته تخدم تأصيل وترسيخ معنى التحديث في المجتمع، والحداثة في الفكر، وتوصل إلى المستقبل. ولذلك يبقى الماضي في عقله خلفية بانورامية، لما كان، وليس أساساً لما ينبغي من الفعل كما هو عند البعض.

أنيس حسن يحيى إنسان بسيط وكبير، متواضع بسمو، متعالٍ على الصغائر، إنسان “جبل من تراب الأرض” كما جاء في (سفر التكوين/ في الكتاب المقدس).

شعرت بارتياح عظيم حين علمت أن “شباب الاشتراكي” ، عبر “منظمة تعز”، وقيادتها الحزبية، وبالاشتراك مع القطاع الطلابي في الخارج، هم من بادروا إلى تبني الفكرة في الدعوة لإقامة ندوة فكرية/  سياسية عن الأستاذ/ أنيس حسن يحيى، وهو استشعار واع مدرك لمعنى القيمة السياسية، والرمزية والمعنوية التي يمثلها اسم الأستاذ/ أنيس في حياة اليمن المعاصر، ودائماً الشباب: فتاة وفتى، امرأة ورجل، هم السباقون للمبادرة.. أدركوا قبل غيرهم أن الانطلاق بثقة وإرادة مكتملة نحو المستقبل لا تكون إلا بدارسة التاريخ الذاتي/ السياسي لما كان، لمن ساهموا في صناعة المجد السياسي والفكري والثقافي والوطني للإنسان اليمني المعاصر، وأنيس حسن يحيى واحد من أهم وأبرز هذه الأسماء.

إن مبادرة “منظمة تعز”، والقطاع الطلابي في الخارج، إنما هي أولاً، تأكيد على التواصل الإبداعي الخلاق بين الأجيال: بين جيل حاضر شاب يرنو إلى المستقبل، وفارس سياسي كبير يختزن في داخله تجربة ثلاثة أجيال متصلة، وثانياً، هي بمثابة تجسير للفجوة بين الأجيال، تواصل إبداعي للخبرات، وتأكيد على التواصل الإبداعي للمعرفة بالحياة والناس والتاريخ. فإذا كانت الخبرة، كما يقول أحدهم، هي مجموعة أخطاء، فعلى الأقل فإن التواصل مع مثل هذه الأسماء من قبل الشباب، يسهل تجاوزهم لأخطاء كانت، ويمنع وقوعهم في أخطاء يمكن تجنبها من خلال ذلك التواصل الإبداعي.

وأتمنى على منظمة الاشتراكي في تعز، وكل الحزب (منظماته) أن يؤسسوا ويكرسوا وينظموا مثل هذا التواصل بصورة أشمل وأوسع، بالغوص في تفاصيل ذلك التاريخ، ومن خلال هذه الأسماء الكبيرة الحاضرة بيننا، وهي في تقديري مهمة سياسية وفكرية وتاريخية، يجب أن ندخل إليها جميعاً، كأفراد ومؤسسات ثقافية، في صورة عمل منظم منهجي، نعيد من خلاله قراءة ما كان برؤى تحليلية نقدية، وحتى لا يغادرنا بعض من ساهموا في صناعة ذلك السفر السياسي والتاريخي، ومعهم تفاصيل سردية تاريخية تهم كل المجتمع السياسي والثقافي والوطني.

فتحية لشباب الاشتراكي، و”لمنظمة تعز”، وللقطاع الطلابي في الخارج جميل التحايا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى