2- أنيس: الكتابة والتاريخ:
جرت العادة أن أصحاب الخبرات السياسية والاجتماعية والثقافية الطويلة، ومن راكموا معارف فكرية وثقافة (حياتية) عبر عقود، غالباً ما يكون التاريخ عنوانهم البارز، وخلفيتهم الأثيرة إلى قلوبهم وعقولهم في الحديث عنه، أو الانطلاق منه، حتى وهم يتحدثون عن آخر تطورات تقنيات “المعرفة الرقمية”، والاتصالية والعلمية.
ذلك أن علاقتهم بالتاريخ سميكة وكثيفة للحد الذي تمنع رؤيتهم –بعضهم- للحاضر كما هو.
فالإقامة الذهنية في الماضي من أخطر أشكال “الإغتراب” السياسي عن الواقع/ الحاضر، يمنع التواصل الإبداعي بالواقع في تفاصيله الصغيرة والكبيرة، حيث الذي كان (الماضي)، يهجم ويحتل قسرا مساحات ما يجب أن يكون، فيمنع حضوره الخلاق، بما يجعل صورة الحاضر والمستقبل باهتة في رؤاهم، ولذلك لا نرى- عند بعضهم – حالة التفاؤل والأمل قوية في بنية تفكيرهم. فنقطة البداية في الكلام/ الحديث عند ذلك البعض يدور حول ما كان، وليس ما نحن فيه، وما يجب أن يكون، يظهر فيها المستقبل وكأنه ملحق وتابع بأرشيف الماضي ومفرداته القيمية المسيطرة على تفكير البعض، وهو ما لا تجده وأنت تعايش وتحاور الأستاذ/ أنيس، وأبوبكر باذيب، وغيرهما، فالحاضر، في تعقيداته، وبكل ما يفيد مما كان (الماضي) هو بؤرة تفكير أنيس، ونقطة انطلاقه للآتي/ المستقبل، ومن هنا روحه التفاؤلية، وكتاباته المستقبلية أبداً، حتى وهو في نهاية الثمانينيات من العمر.
هناك مثقفون كثر في المجتمع، أو حسب قول أحد المفكرين “إن كل الناس مثقفون، ولكن ليس كلهم يؤدون دور ووظيفة المثقفين في المجتمع”*، وأنيس يحيى واحد من هؤلاء الذين يقومون ويؤدون في الواقع دور المثقف العضوي التقدمي على أكمل وجه.
إن الكتابة عن الأستاذ الجليل/ أنيس حسن يحيى، المفكر السياسي، والمثقف العضوي، وأحد أهم رواد الحداثة والتنوير والديمقراطية، لا تتسع له مثل هذه التحية التكريمية السريعة كما سبق أن أشرت. أقول ذلك حتى لا أظلم سردية ذاتية فكرية وسياسية ووطنية كبيرة بمثل هذه التحية العجولة، التي لا أراها أكثر من تداعيات قلبية، على أنني أجدها – فقط – مناسبة للتحفيز للدعوة للكتابة الشاملة عن مثل هذه الأسماء الكبيرة في تاريخنا السياسي والوطني المعاصر.
حين أقول أنيس يحيى، فالأمر يستدعي ذكر قائمة هامة وكبيرة من الأسماء التي بدونها ودون دراستها بصورة موضوعية وفي سياقها الذاتي، والسياسي التاريخي، لن نفهم ما كان، وما يجري اليوم، لأن المهم وضعها في سياقها القرائي، والتحليلي النقدي التاريخي، لأن التاريخ في انتصاراته وانكساراته، صناعة بشرية/ إنسانية في التحليل الاخير، ودور الافراد في التاريخ، وخاصة في مثل مجتمعاتنا واضح وكبير. ومن هنا قولي أو تأكيدي من أن الكتابة عن الأستاذ/ أنيس يحيى،- ورفاقه الكبار- تتطلب عدة واستعدادات لا يستوعبها مقال صغير يدخل في نطاق التحية/ التكريم، (التداعيات الوجدانية)، وهو ما أكتبه اللحظة. ولذلك تبقى الكتابة المرجوة والمنشودة/ مشروعاً ثقافياً بحثياً، مطروحاً للقراءة والبحث من جميع الجهات الثقافية والسياسية والبحثية المعنية، وهي قراءة واجبة من جميع المهتمين والاختصاصيين في الشأن السياسي والثقافي والاجتماعي والوطني والتاريخي.. هذا إن أردنا تقديم قراءة سياسية فكرية موضوعية تاريخية عما كان في كل التجربة السياسية والوطنية اليمنية المعاصرة ذلك أن التاريخ السياسي اليمني الحديث والمعاصر ما يزال إلى حد بعيد، بكراً لم تطله الأقلام كما يجب، وبما يستحق من القراءة والنقد، وخاصة وتحديداً التاريخ المعاصر منه.. علينا فقط أن نمتلك الإرادة الجمعية، والمؤسسية (العقل المؤسسي)، وأن نتهيأ لاستعادة قدراتنا على استعمال الكلام/ البحث، ووضعهما في مكانهما الصحيح، وذلك لن يكون إلا من خلال إعادة إنتاجنا لقراءة موضوعية تاريخية لما كان. والبداية، من قراءة دور الأسماء السياسية الملحمية/ والتراجيدية في تاريخنا المعاصر، من عبدالله عبدالرزاق باذيب إلى أحمد محمد نعمان، ومحمد علي لقمان، وأنيس حسن يحيى، وعلى باذيب، إلى عبدالله على الحكيمي، والزبيري، حتى السلال وقحطان الشعبي( المفكر السياسي/ رئيس الدولة)، ومحمد أحمد نعمان، وأبوبكر باذيب، واللواء الشاعر/ أحمد سالم عبيد، وصولاً إلى عمر بن عبدالله الجاوي إلخ. قراءة تضع هذه الأسماء في مكانها الذي تستحقه. حينها، سندرك أننا وضعنا أقدامنا، ورتبنا أقلامنا على رسم السطر الأول من رحلة الألف ميل لما نريد.
إن القراءة السياسية العابرة، والمتشائمة، والمتساكنة سلبياً مع الراهن السائد، تقول إننا نشهد أفولاً لشمس الحرية والمدنية، ودولة المواطنة، لشدة هجمة التيار الماضوي، وبدائية عنف ووحشية القوى السياسية الاجتماعية التقليدية المهيمنة اليوم، في صورة ممارساتها الهمجية والبدائية، وخطابها الكارثي “القروسطي”، التي تحاول أن تفرض وتعمم من خلاله صورة تسيدها على كل المشهد السياسي والوطني اليوم.
على أن بعض ما يصلني من رسائل وبرقيات سياسية موجزة من بعض الكبار أمثال/ أنيس، وغيره، وكذا ما يصلني من بعض الشباب، جميعها، تقول لي: إن من يحفظ التاريخ ويصون الذاكرة، ويدافع عن القيم النبيلة في حياتنا (المستقبل)، ما يزال حاضراً وكائناً بيننا، ومنتشراً في تلافيف ما قد يتراءى لنا أفولاً وغروباً لشمس الحرية والإبداع.. هو كائن مقاوم، ينخر ويحفر بصمت في قلب ضجيج البراميل الفارغة، ليظهر خواءها، قائلاً لنا: لا تخشوا من ضجيج البراميل، فهي ممتلئة بالخواء واللا معنى، ولا، ولن يسمعها التاريخ الآتي، ومن أن الآتي أجمل. علينا فقط أن نتكئ على ذلك التاريخ متَّزرين بالأمل وبالعمل، لمواصلة رحلة الكبار، والباقي كله تفاصيل.
وفي قلب كل هذه التحولات السياسية والعسكرية الانقلابية العاصفة، المستمرة من بداية حرب 1994م، حتى عنف ووحشية ما يجري اليوم، وما أحدثته من انكسارات وهزائم سياسية واجتماعية وثقافية، ومن تدمير في بنية الاقتصاد والدولة، وبالنتيجة من آثار سلبية في نفسيات قطاعات من ناس المجتمع، بقي معها أنيس حسن يحيى، هو، هو، كما كان من بداية الرحلة، لم ينكسر في رؤيته للإنسان وللحياة، وفي موقفه من الفكر التقدمي الإنساني، ولا في موقفه وسلوكه تجاه القضايا الخاصة والعامة/ الصغيرة والكبيرة، لا يقبل بفكرة تهميش الآخر على كافة الأصعدة والمستويات، سواء من منظور اجتماعي/ ثقافي تاريخي، أو في موقفه السياسي العام تجاه ما يجب أن يكون عليه الوطن. جاءت حرب 1994م الدامية والجارحة (اللاوطنية)، لتؤكد أنه في كل مواقفه السياسية والحياتية بقي هو، هو، لم يحتم بالدين السياسي في سلوكه الاجتماعي الخاص والعام، لأنه لم يقبل خيانة الفكرة/ المبدأ، والقضية التي آمن بها، واعتقدها من بداية الرحلة، بل إن الفكرة والقضية كبرتا معه في سياق سيرورة كفاحية سياسية مدنية.. هكذا هو أنيس في الحياة وفي الكتابة، سلوك سياسي/ قيمي وحياتي مستقيم.
شخصية فكرية وسياسية وحياتية واضحة، لا تطيق الإقامة في المنطقة/ المناطق الرمادية، ولا يجيد استخدام اللغة المزدوجة والخشبية في ممارسة السياسة، بل وفي الحياة العامة، يذهب مباشرة للفكرة/ السؤال، وإلى حيث تكون مصلحة الوطن والناس، فيقول، ما يلزم من القول وينصرف. هذا هو أنيس حسن يحيى، العدني/ اليمني، المدني الديمقراطي .
هامش: *عن إدوارد سعيد (صورة المثقف)، ص21.