3- أنيس.. الإرادة والكتابة والسياسة
أنيس حسن يحيى لم يكن من الأسماء العابرة في التاريخ اليمني، فهو بحق اسم حفر حروف اسمه/ هويته الشخصية، والوطنية، على جدارية الوطن، بالممارسة الفاعلة وبالريشة/ اليراع في الأعماق ليجهز مع رفاقه قبراً لصولجان الاستعمار والاستبداد.
أنيس حسن يحيى قامة تنحني أمام الورد، والأطفال، ولا تركع أمام العاصفة، حتى أن الدهر وتعب سنينه لم يأت على كمال استقامته، بعد هذا العمر الجميل والمديد، سوى باستقامة متحدية، استقامة في الفكرة والموقف، استقامة تعانق السماء.. معانيه، تزيد بقوة إرادته وتفاؤله.. هكذا هو أنيس حسن يحيى، ابن عدن، ابن المدن اليمنية كافة.
قائد مؤسس ورائد حداثي تنويري من الزمن الجميل، فارس يجدد نفسه مع كل يوم بالقراءة والكتابة وبالوفاء للأصدقاء، وتحيته النبيلة والفائقة المعنى لرفيق عمره الأستاذ/ أبوبكر باذيب تقول ذلك. ففي تحيته العميقة الحاملة لمعنى الوفاء، خلاصة للموقف الرفاقي/ والإنساني، تحية على قصرها قالت كل شيء، إنها صفوة الكلام في الألفة والمحبة وصدق القول.
أنيس حسن يحيى هو بحق روح آتية من المستقبل.
التقدم في العمر مع أنيس حسن يحيى، يعني مسؤولية مضاعفة، وليس راحة عن العمل، بل استمرار في تسجيل وتدوين مواقف سياسية ضد الاستبداد والفساد، تسجيل مواقف لاستنهاض الحياة السياسية والحزبية والوطنية، باتجاه تدعيم خط المدنية والديمقراطية والعمل المؤسسي، حلمه العظيم في بناء دولة مواطنة ومؤسسات.
المدنية في عقله ثقافة حرية أساسها وجود المؤسسات وسلطة القانون، لأنه بدون مؤسسات الدولة يصعب تخليق بنية ثقافة مدنية.
فالمدنية في عقله باختصار مؤسسات إدارية قانونية حقوقية دستورية. هو حقاً مثقف عضوي ومدني بامتياز، مثقف يمتلك أدوات ووسائل البحث الفكري والبحث الثقافي والبحث الاقتصادي والبحث العلمي، فضلاً عن الفعل السياسي، فهو يمتلك لغة عربية سليمة رشيقة، مسنودة برؤى فلسفية / فكرية عميقة.
يمكنكم العودة إلى كتاباته الفكرية والثقافية، وفي الاقتصاد السياسي، وهي جميعاً منشورة ضمن حلقات متسلسلة في صحيفة “14 أكتوبر” في ثمانينيات القرن الماضي، وإلى كتاباته المنشورة في صحيفة “الثوري” – قبل ذلك بزمن طويل- فضلاً عن كتابه المتميز في الفكر الاقتصادي التاريخي.
أنيس حسن يحيى اسمه وحضوره يرتبط بالفكرة، بالثقافة، وبالرؤى الحالمة، حين يذكر اسمه يتبادر إلى الذهن صورة المثقف المحارب المثقف الغراميشي، المثقف النقدي، كما قدمها إدوارد سعيد في كتابه “صورة المثقف”؛ هو بحق نموذج حي للمثقف العضوي، المثقف الفارس دون منازع.
في حديثه العفوي والتلقائي معك ترى معنى وصورة المثقف، وحين يكتب تقرأ المثقف في جدل علاقته الحية بالواقع وبالناس.. حين أهداني، منذ قرابة عقدين من الزمن، كتابه النظري في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، وجدته كتاباً معرفياً من العيار الثقيل، إذ وجدته فوق طاقتي المعرفية المحدودة في القراءة الاقتصادية، كتاب تحتاج قراءته إلى عُدة معرفية اختصاصية. ولكن مع الأسف وعلى أهميته المعرفية في مجاله الخاص، فإنه لم يثر اهتمام المختصين، حيث طغى الغبار السياسي الصاخب على كل شيء، وابتلعت أخبار الحرب الوحشية، 1994م على الجنوب، وعلى كل اليمن، كل الكلام تحول الكتاب، مثل العشرات من الكتب، إلى حزمة ورقية في رفوف المكتبات الخاصة.. وهكذا ترانا صورة تؤكد كيف انهزم العقل وتراجع الفكر، وانتصرت الحرب، في صورة انتصار القبيلة، والعصبية، على القانون والدولة.
للثقافة التقدمية وللفكر الثوري عنوان، والاستاذ/ أنيس حسن يحيى أحد أهم عناوين تلكم التقدمية والثورية. وإذا كانت الثورة اليمنية تاريخاً سياسياً ثقافياً اجتماعياً يصنعها البشر/ الثوار، فأنيس يحيى في قائمة صناع ذلك المجد السياسي والوطني لليمن في التاريخ المعاصر، ولا تستطيع أن تقرأ سفر الثورة اليمنية في الفكر والممارسة دون أن يكون عبدالله باذيب وأنيس حسن يحيى، وعلي باذيب، وعلي عبدالمغني، وعبدالله السلال، ومحمد مطهر زيد، وقحطان الشعبي، وفيصل عبداللطيف الشعبي، وسالم ربيع علي (سالمين)، وعبدالفتاح اسماعيل، وابراهيم الحمدي، وعلي عنتر، وعبدالغني علي، ويوسف الشحاري، ومحمد علي الشهاري.. إلخ في طليعة هذه الاسماء.. أسماء حفرت مجد أسمائها في صفحة التاريخ اليمني المعاصر.
أنيس حسن يحيى مثقف كبير، أخذته السياسة إلى مدارها المعقد والصعب، فعمل جهده لتلطيف وتهذيب صورة العنف في السياسة وفي واقع الممارسة. هذا ما تقوله سرديته السياسية التاريخية طيلة أكثر من ستة عقود، وهو خارج السلطة قبل الاستقلال وبعد وجوده في قمة السلطة بعد الاستقلال.
وفي زحمة طغيان الفعل السياسي على طريق بناء الدولة الاستقلالية الجديدة، وبداية دخول البلاد مرحلة الصراعات العبثية على وحول السلطة، تراجع، نسبياً الهم الكتابي الفكري والثقافي لصالح الممارسة السياسية. ومع كل ذلك بقي القلم، والكتابة حضنه الدافئ، والحصن المنيع في مواجهة عبث وعنف السياسة وتوتراتها واضطرابها.
إذا أجريت مفاضلة: أين هو موقع / أنيس حسن يحيى، بين المثقف، والسياسي، لكانت الغلبة للمثقف فيه، مع أنه قائد حزبي وسياسي تاريخي، ومن رواد الحركة الوطنية اليمنية المعاصرة. على أن الطبيعة الذاتية الثقافية والمدنية غالبة عليه، تفكيراً، وسلوكاً، وهو في ذلك يمثل إحدى الحالات الاستثنائية، في علاقة الثقافي بالسياسي.
كان وظل أنيس صادقاً مع نفسه في كل الأحوال: في الصح، كان يقول الصدق، وفي الخطأ كان أكثر صدقاً مع ما يعتقد أنه الصح. لم يخن ذاته يوماً ليكسب العالم من حوله، كما يقول السيد المسيح، كان وبقي ظاهره كباطنه، ولذلك هو متصالح مع نفسه؛ لم يجد في نفسه يوماً الحاجة لممارسة “التقية”، فصدقه المبين ووضوحه في القول أعفاه من الاحتماء بثقافة “التقية”. هذا هو أنيس الإنسان والموقف .
أنيس حسن يحيى، شخصية ملحمية/ واقعية، بلّورية نقية صادقة، في الصواب، وفي الخطأ، وهذه واحدة من مشاكله مع من حوله. وإذا ما اختلفت معه، تراه يعلن بوضوح اختلافه معك بمنتهى الصدق، ولكنه يبقي على كل خيوط الوصل والاتصال معك/ مع الجميع، لأنه في أعماقه يعترف بالمختلف، ويقر بحقه في المغايرة، وعند هذا الحد ينتهي الكلام، ويتوقف الاختلاف .
هو ابن المدينة عدن، ولذلك هو مثلها واضح، هو في المبتدأ والخبر صورة حية لعدن المدينة والثقافة والإنسان، عدن الحرية والمقاومة المدنية، والعسكرية حين يستدعي الظرف ذلك.. عدن المدينة الصاهرة في عجينها المدني الداخلي كل الأجناس والألوان والثقافات والأديان لتنتج من كل ذلك صورة البريق العدني الجميل المختلف والمؤتلف، البريق والألق اللذين ترى فيهما صورة كل اليمن.
إن عدن بالنسبة للأستاذ الجليل/ أنيس، ليست هوية مكانية، ولا هي هوية نسب بالولادة، هي “هوية ثقافية” إضافة إلى كونها معنى سياسياً واجتماعياً، ووطنياً جامعاً لكل الجغرافية اليمنية. ومن هنا معنى وقيمة عدن، في عقول المثقفين التقدميين اليمنيين كافة، وعلى رأسهم أنيس حسن يحيى.. إن مشكلة عدن المدينة التاريخية، أنها “قابلة لكل ملة…” كما قالها شاعر الفلسفة والمحبة والاختلاف والسلام، أبو العلا المعري.. ومن هنا سقوط كل ألوان العصبية البدائية أمام عمق محبتها للحياة وللإنسان، وفي الأساتذة: عبدالله باذيب، وأنيس حسن يحيى، وعلي باذيب، ولطفي جعفر أمان، ومحمد سعيد مسواط، ومحمد سالم باسندوه، وإدريس حنبلة، وأحمد سعيد باخبيرة، وزكي بركات، وسالم بكير، وفريد بركات، وعبدالرحمن فخري، وأبوبكر باذيب، ومحمد سعيد جرادة، وعبدالله هادي سبيت، وعبدالله فاضل فارع، وأحمد القاضي…إلخ، في كل هذه الأسماء، ترى وتقرأ صورة من ذلك البريق والجمال الروحي الأنيق والأخاذ .
بيد أنه ينبغي القول إنه على الرغم من الحروب العبثية العديدة، والظالمة التي شنت وما تزال تشن على المدن اليمنية بهدف ترييفها، وقبيلتها، وملشنتها: صنعاء، عدن، تعز، الحديدة ،إب، وحتى حضرموت،…إلخ، وكذا الحرب على “الثقافة المدنية”، و”الثقافة الوطنية اليمنية”، من خلال جميع الأدوات الناعمة والحربية والأيديولوجية، المذهبية/ الدينية، كل ذلك أوجد وضعاً ومناخاً انهزامياً في عقول ونفوس البعض: سقط من سقط في وهدة العفن السياسي السائد، وكبا أو تعثر هنا أو هناك من تعثر، وحاول بعضهم السير وإن بخطى وئيدة منكسرة، وهناك من انسحب إلى داخل ذاته يشهد من بعيد ما يجري، فضلاً عمن قرر التكيف والتواؤم مع سلطات الأمر الواقع هنا أو هناك (في الشمال أو في الجنوب). ومع ذلك، هناك من اختار سبيل المقاومة بالصمت الإيجابي، ومن قرر المقاومة بكل ما تبقى في روحه من طاقة على القول والفعل.. وأنيس حسن يحيى واحد من هذه الأسماء التي تجاوزت واقع الانكسار في فعل الاستقامة الفكرية والسياسية والاخلاقية، التي كانها، وسار بها على ذات الطريق الذي اختاره منذ أول الرحلة، وإلى سدرة منتهى الرؤية.
هناك ثلاثية كريهة ممقوتة ومنبوذة في عقل الاستاذ / أنيس حسن يحي، وهي التالية: العصبية، والعنف، والحرب؛ ثلاثية كل واحدة منها تقود للأخرى وتكملها، لتصنع روح الهزيمة في الإنسان، فالعصبية تقود سياسياً وعملياً للعنف (التغلب)، الذي يفتح المجتمع على الحروب الاعتباطية والعبثية، الحروب التي تجعل جميع الاطراف يتبارون لإظهار أسوأ وأبشع ما فيهم من مكبوتات بدائية ووحشية.. لن ينتصر فيها مؤقتاً إلا من يختزن الأكثر بؤساً من تلكم المكبوتات المريضة، أو الأكثر عدة من السلاح.. السلاح المدمر للحياة وللإنسان. حروب الخاسر الأعظم فيها هو الشعب.
لقد أضعفت وانهكت كارثة 13يناير، 1986م البغيضة المجتمع، وبالنتيجة شلت قدرة الدولة على الفعل السياسي المدني، وعلى أن تكون دولة لجميع مواطنيها، بقدر ما عززت وكرست مواقع العصبيات القبلية والعشائرية والمناطقية والجهوية في جنوب اليمن (دولة الشطر الجنوبي من البلاد)، وبعض ملامح ذلك ما نراه اليوم في صورة حلول الميليشيات، والعصبيات القبلية والمناطقية والقروية، بديلاً عن الدولة.
ولا أرى في جريمة حرب، 1994م، “اللاوطنية”، سوى استمراراً كارثياً لتكريس عصبية “دويلة المركز” الاستبدادي: عصبية المذهب والطائفية السياسية والقبلية الشمالية، فضلاً عما يجري اليوم من احترابات على أسس متخلفة، ” قروسطية”،وهذه الحروب العصبوية/ العبثية، المذهبية/ الدينية، هي الحلقة الأضعف في السلسلة التي اخترقنا منها الأجنبي: الاقليمي والدولي، وحل بديلاً عنا في حكم بلادنا، وهي واحدة من أقسى وأكثر المرارات فداحة على الروح والعقل، وهي التي نتجرع ويلاتها الجميع اليوم، والتي كنت أراها في عيون وفي ملامح أبو بكر باذيب، وهو يتحدت. وهو ذاته ما أطالعه في محيا وفي روح الاستاذ / أنيس، دون أن ينبس ببنت شفه.. روحه المتعبة والجريحة والمقاومة معاً لكل صنوف الاستبداد والفساد والتخلف.
تحية لأنيس حسن يحيى في عيد ميلاده المتجدد أبداً في ذاكرة الوطن والرفاق والأصدقاء.
وتحية طيبة وعزيزة من القلب، لأم (غادة) و(باسل)، المرأة البطلة المكافحة في كل الظروف: من توزيع المنشورات في المرحلة الاستعمارية، حتى الدفاع عن المدنية والمواطنة للجميع.. تحية لأم الخير، رفيقة الاستاذ، وشريكته في السياسة وفي الحياة.
أنيس حسن يحيى في سطور:
– من مواليد 1934م / عدن.
– خريج جامعة القاهرة/ مصر العربية.
– أمين السر القطري “لمنظمة حزب البعث”، جنوب البلاد.
– أمين عام “حزب الطليعة الشعبية”/ عدن.
– من مؤسسي “الحزب الاشتراكي اليمني”
– عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني.
– متزوج من السيدة أم الخير/ أستاذة ومناضلة سياسية قديرة، هي شريكته في الكفاح السياسي، ورفيقة عمره في الحياة.
– أب لابنة اسمها(غادة) / دكتورة/ طبيبة، وولد اسمه (باسل) (مهندس)، كما أتصور.