مقالات رأي

المعلومات المضللة وأثرها على الانقسام المجتمعي

تأثر النسيج الاجتماعي في شمال وجنوب اليمن بمعارك الساسة وخلافاتهم، وعلى الرغم من الأثر السلبي الذي خلفته حرب صيف 1994 إلا إن الانقسام بين الشمال والجنوب ظل على مستوى الساسة والنخب الحاكمة، ولم يرتقِ بشكل كبير إلى انقسام على المستوى الشعبي، وان كان هناك أحداث فردية تحدث هنا أو هناك بدوافع مناطقية.

منذ انطلاقة الحراك السلمي الجنوبي عام 2007، كان يتهم النخبة الحاكمة والقوى التقليدية بكثير من المظالم التي حدثت في الجنوب في أعقاب حرب 1994، لكن لم يكن الخطاب الجنوبي يتهم المواطن البسيط في الشمال بأنه مسؤول عن مظالم حصلت في الجنوب في أعقاب الحرب.

لكن نشاطا مشبوها بدأ في الفترة الأخيرة لتدمير العلاقات الانسانية بين أبناء شمال وجنوب اليمن، من خلال الترويج لمعلومات مضللة تستهدف تدمير النسيج الاجتماعي وتحويل الخلاف السياسي إلى خلاف بين المواطنين الذين لا شأن لهم بمعارك السياسة وتقلباتها.

تسارع جهات متعددة بقصد أو دون قصد إلى تبني وترويج الدافع المناطقي وراء كل حادثة أو جريمة تحدث في الشمال والجنوب، حتى إن كانت دوافع هذه الحادثة أو الجريمة جنائي بحت، إلا أن الطابع المناطقي الذي يتم الصاقه بهذه الحوادث يلقى رواجا غير عادي بحكم الظروف التي افرزتها الحرب الاخيرة، وهذا يؤدي الى اعتقاد عند مواطني الشمال والجنوب على حد سواء بأن هناك استهدافا لهم فقط لانهم ينتمون إلى رقعة جغرافية معينة.

وبالاطلاع على محتوى المواقع الالكترونية والصحف والقنوات الفضائية، نجد ان المواقع الاخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي لها النصيب الأكبر لترويج الأخبار المضللة التي تستهدف ضرب النسيج المجتمعي وتدمير العلاقات الانسانية بين مواطني الشمال والجنوب، وبشكل يوحي لمواطن الجنوب أن مواطن الشمال هو عدوه، والعكس، في حين وقعت باقي الوسائل الاعلامية في هذا الخطأ بشكل أقل.

في يناير 2018 نشر موقع (الخبر اليمني) ومواقع اخبارية اخرى وثيقة مزورة تزعم ان الحزام الامني بعدن وجه بمنع قبول أي شخص من المحافظات الشمالية من المدنيين أو العسكريين في فنادق المدينة، وحينها أصدر الحزام الأمني نفيا واستنكارا لترويج هذه الوثيقة المزورة، وجاء في بيان الحزام: “ننفي نفيا قاطعا المزاعم الكاذبة التي تحدثت أننا بعثنا تعميم لمدراء الفنادق يتضمن منع قبول أبناء المحافظات الشمالية من الإقامة في الفنادق، ولكم أن تسألوا ملاك النزل من ذلك لتتبينوا زيف ما يروج له أمراض النفوس المعادية لأمن واستقرار عدن الذين يبثون سمومهم وأكاذيبهم لتزييف الحقائق وللتحريض البغيض ضد تثبيت دعائم الاستقرار والأمن بعدن عبر شبكات التواصل الاجتماعي، علما بأننا أجرينا اتصالاتنا بعدد من ملاك ومدراء الفنادق لكشف حقيقة ما نشر من أكاذيب، فنفوا جملة وتفصيلا ما أشيع وقالوا أنهم لم يتسلموا أي توجيه بمنع النزلاء الشماليين من تسكينهم في فنادقهم”، ورغم نفي الحزام هذا الذي نشر في موقع عدن الغد، فان الوثيقة المزورة ظلت تتداول لأيام على نطاق واسع في مختلف منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي مايو 2020م تداولات صفحات نشطاء جنوبيين اشاعة كاذبة مضمونها القبض على مواطنين شماليين يقومون برش السموم داخل عدن لقتل مواطني الجنوب وأن هناك كمية كبيرة من السموم القاتلة تم ضبطها داخل منزل مواطن شمالي بعدن تسبب ضيق التنفس والشلل، وبالنظر إلى الصور التي تم نشرها مع هذا المنشور الذي تم تداوله على نطاق واسع اتضح أن الصور تتعلق بضبط مبيدات زراعية في جمهورية مصر العربية ومنقولة عن مواقع مصرية، ولا يخفى ما في هذا الخبر من اثارة للضغائن وايهام المواطن في الجنوب بأن المواطن العادي في الشمال يسعى لقتله والحاق الضرر به.

وفي نفس الشهر والعام ، جرى تداول فيديو على نطاق واسع في صفحات الفيسبوك يتحدث عن أن مسلحون من منطقتي الضالع ويافع في الجنوب يقومون بدهس شماليين في عدن، ليتضح لاحقا ان الفيديو من نيجيريا وليس من اليمن، والغريب أن من روجوا لهذا الفيديو لم يلحظوا أن أرقام السيارات في الفيديو غير يمنية بل وغير عربية.

وفي ديسمبر 2019 تم ترويج صورة على مستوى كبير في وسائل التواصل الاجتماعي نشرتها صفحة فيسبوكية تحمل عنوان (صفحة عدنية) وتناقلتها عشرات الصفحات بعدها، كانت الصورة تظهر احراق علم الجنوب، وكان مضمون الاشاعة المرافقة للصورة يقول: “أبناء تعز يحرقون علم الجنوب بينما الجنوب يؤويهم ويوفر لهم كافة الخدمات مجانا”، ليتضح لاحقا أن هذه الصورة قديمة في العام 2014م، وأن من قام بإحراق العلم ليس أبناء تعز بل مجموعة أنشأها النظام السابق تحت مسمى “الهيئة الشعبية للدفاع عن الوحدة اليمنية في عدن” وكان يديرها شخص من سكان دار سعد يدعى علي الكردي.

وفي أبريل عام 2020م نشرت صفحة (صدى المواقع) التي لديها أكثر من 300 ألف متابع خبرا كاذبا بان وزارة التعليم العالي استثنت أبناء الجنوب من المنح الدراسية، ليتضح ان الخبر كاذب وان الصفحة نشرت فقط أول صفحة من كشوفات المنح ولم تنشر الصفحتين الثانية والثالثة التي كان فيها بقية أسماء الطلاب الفائزين بالمنح وفيهم طلاب كثر من محافظات جنوبية.

لم يتوقف حد حملة المعلومات المضللة على تمزيق النسيج المجتمعي بين الشمال والجنوب، بل سعت الى تمزيق النسيج المجتمعي داخل الجنوب نفسه، ففي 25 أكتوبر 2021م نشر موقع “عدن نيوز”  مذكرة مزورة مضمونها أن اللواء عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي طالب المقدم سالم مبارك بن سميدع رئيس كتلة حلف وجامع حضرموت بالدعوة لعملية تحريض واسعة في لقاء حضرموت الجامع وحذره من التواصل مع اي قيادات أخرى حتى ولو كانت من النخبة او انتقالي حضرموت.

ومن المهم الاشارة ألى أن المعلومات المضللة والشائعات أحدثت الكثير من التبعات والانعكاسات ، حيث أصبح خطاب المناطقية رائجاً بشكل ملحوظ، وزادت النعرات العنصرية سواء بين الشمال والجنوب، او حتى داخل مجتمع الجنوب نفسه وداخل مجتمع الشمال نفسه، وصارت الدائرة المجتمعية تضيق من داخلها منتجة دوائر أخرى تضيق ببعضها البعض، فصرنا نسمع عن الهضبة ومناطق الوسط، وعن المثلث والمناطق الشرقية، وباتت النعرات المناطقية تقسم المجتمع الواحد إلى عدة أقسام.

كما أن هذا الخطاب أورث أحقادا في المجتمع وجروحا لا تندمل بسهولة، فبعد أن كان أقارب ضحية من الشمال في حادث تقطع في الجنوب مثلا يرون غريمهم في المتقطعين لولدهم، يسعى مروجو المعلومات المضللة إلى تحويل الخصومة بين أقارب الضحية ومجتمع بأكمله من خلال اصباغ الصبغة المناطقية على جريمة لا بعد لها إلا البعد الجنائي.

لقد استخدمت المعلومات المضللة وخطاب الكراهية في توسع الفجوة بين الشمال والجنوب، من خلال مخاطبة الجنوب بأن الشمال كل الشمال ناهب لثروات الجنوب ومستحوذ على الوظائف والمراكز والخدمات وأن أي مواطن شمالي يعيش في عدن إنما هو خلية نائمة مرتبط بعمل أمني او عسكري معادي، ومخاطبة الشمال بأن الجنوب كل الجنوب يستعدي أي مواطن شمالي ويعمل على اهانته واذلاله في مناطق الجنوب ولو كان عاملا بسيطا من عمال البسطات.

كثيرون التقيت بهم جنوبيين وشماليين كانوا يحملون مشاعر بغضاء تجاه بعضهم بسبب أخبار مغلوطة قرأوها فأثرت على تفكيرهم وسلوكهم، وكان حالهم أشبه بالصدمة حين اكتشفوا أن تلك المعلومات التي بنوا عليها مواقف هي معلومات مضللة لا أساس لها من الصحة.

هنا نشيد بدور المنصات التي تنشط بدور فعال في كشف الأخبار والمعلومات المضللة وفي مقدمتها منصتي (صدق) و (حقيقة) والتي تجعل من تأثير الأخبار المضللة محدودا، إلا أن هذه المنصات بحاجة إلى دعم لتتمكن من وصول توضيحها للحقائق إلى أكبر عدد ممكن من سكان المجتمع، وسط غياب تام لمبادرات اجتماعية أخرى تعنى بكشف المعلومات المضللة ومواجهة خطاب الكراهية.

كما أن المسؤولية تقع على عاتق الصحفيين اليمنيين شمالا وجنوبا في التحري والتدقيق في أي معلومة قبل نشرها والابتعاد عن كل ما يعزز خطاب الكراهية، والتعامل مع أي حادث جنائي أو واقعة معينة بطبيعته المجردة بعيدا عن اصباغ الصبغة المناطقية التي لا تكون غالبا سببا لهذه الحوادث أو الوقائع، وتقع على عاتق الصحفيين اليمنيين أيضا مسؤولية ترشيد الخطاب الاعلامي والتوقف عن النفخ في بوق الكراهية والبغضاء واثارة الأحقاد والضغائن واصطناع مظلوميات لا وجود لها على الواقع.

لقد كانت حملة ترويج الأخبار المضللة تعمل بشكل شبه منظم الأمر الذي يجعلنا نستبعد خيار أن تكون هذه الحملة عفوية وغير منظمة، وكل الشواهد تدل على أن مطابخ متخصصة في ترويج الاشاعات هي من تسعى بلا كلل إلى اقناع المواطن في الشمال أن عدوه هو المواطن في الجنوب، والعكس.

من صفحة الكاتب في “فيسبوك”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى