مقالات رأي

ثورة 11 فبراير والربيع العربي (مقاربة نقدية)

الإهداء للرفيقين أيوب الصالحي وأكرم حميد وجميع المخفيين قسراً.

تهل علينا الذكرى العشرية لثورة فبراير ونحن في أوضاع معاكسة للأحلام والتوقعات التي أراد الملايين من الشباب اليمني تحقيقها.

تهل علينا ونحن نعاني من ويلات حرب ضروس لما يقرب من الثمان سنوات عجاف، لقد أهلكت الحرب عشرات الألاف من اليمنيين، ودمرت الأخضر واليابس وتراجعت كل مقومات الحياه الأساسية من اقتصاد وتعليم وصحة…الخ. وتراجع شديد بأمن المواطن وانعدام بتطبيق القانون وخاصه من المكلفين بإنقاذ القانون والنظام.

إن استمرار الانقلاب على الشعب اليمني وثورته وسيطرة الانقلاب على مساحات واسعة وعلى الشعب الأكثر عددا من اليمنيين بعد أكثر من سبع سنوات وبما يترجم حالة الفشل التي تعيشه الشرعية المعتبرة  نفسها القائمة على تحقيق أماني الشباب الثورية ومخرجات الحوار.

إن ثورة فبراير والربيع العربي هي المارد الجبار الذي أطلقه الشباب العربي واليمني لإزاحة ما تراكم في النفوس من جمود وخنوع عاشته المنطقة العربية رغم التحولات والتغيرات في العالم حتى أن الفكرة القائلة باستعصاء العرب على إحداث التغيير غير قابلة للنقض وأن الأنظمة الاستبدادية العربية قدراً محتوماً على هذه الشعوب (وأنه لن يكون غير ما هو كائن).

لقد جاء الربيع العربي معبراً حقيقة عن أماني العرب وشبابها بالتغيير وإحالة هذه الأنظمة لمزبلة التاريخ. لقد قدم الشباب في ربيعهم أغلى ما يملكون من أرواحهم لتحقيق الثورة المنشودة.

إلا أننا في ذكراها العشرية نجد أن النتائج متواضعة والتغيير شبه مستحيل، إنني إذ أقدم هذه المقاربة النقدية. لا انطلق من موقف رافض لهذا الربيع أو التقليل من أهميته التاريخية بل أنا منحاز لهذا الربيع والتغير الديمقراطي المنشود باليمن وعموم الوطن العربي.

إن هذا الانحياز يدفعني لتقديم هذه المقاربة النقدية بهدف تحليل الأحداث والسياسات والآراء التي سيطرت على مجريات الثورة للإشارة لمكامن الخطاء والقصور مستهدفين التحضير لجوله بل لجولات جديدة للوصول لأهداف الثورة بالتغيير والتحول الديمقراطي.

إن الثورة، أي ثورة بالعالم هي فعل اقتحامي لتغيير الحياة تغيراً شاملاً تغييراً فكرياً وسياسياً واقتصادياً…الخ.

وهذه الثورة لا تستمد مبرراتها الفكرية والقانونية والسياسية والاخلاقية من النظام القائم الذي تستهدفه. بل تُنتج  فكراً ثورياً ينبثق عنه تعبيرات سياسية وثقافية وقانونية لمعالجة مظلومية الشعب الثائر وتزيح عنه معاناة الفقر والجهل والتمييز وإهدار الكرامة الإنسانية…الخ.

إن النقد لا يعني بأي حال تشويه موضوع الدراسة وشيطنته بل البحث عن مكامن الخطأ بهدف التحسين. إن النقد هو شطب الأخطاء؛ هكذا علمنا “كارل بوبر”، وأن الحقائق والمسلمات يجب اخضاعها لأشد أنواع النقد بهدف شطب الأخطاء وهكذا يغدو النقد آليه تطوير للعلم والحياة.

إن ثورة (11) فبراير والثورات العربية ليست بمعزل عن الآليات التي قادت بقيه شعوب العالم للتغيير بل خاضعة لنفس الفواعل والفلسفة  التنويرية التغييرية الحديثة باعتبارنا جزء من هذا العالم.

إن الثورات في العالم لم تتحقق إلا بعد أن يتوفر لها القاعدتين الأساسيتين المادية والفكرية.

  1. القاعدة المادية: هي تراكم العذاب والظلم والأخطار والحروب والتمييز…الخ. إلا أننا بقراءة سردية التاريخ نجده مشوار طويل من الظلم والعذاب والحرب.

يقول مونتسكيو، إن وجود الظلم والعذاب ليس كافياً لإحداث الثورة بل مرهونة بالوعي.

  1. القاعدة الروحية الفكرية: وهي العامل الفاعل والفاصل لحدوث الثورات. لهذا أنجزت الثورات العالمية التغيير وبنجاح بعد جهد جبار من التنوير الفلسفي لتحليل الواقع الآسن والظالم لمحتوياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بهدف بلورة فكراً ثقافياً يرفض الواقع ومأساته وتنتشر ثقافة جديدة تعبر عن أمانيهم بحياة مستقبلية أفضل.

إن الثورات فعل تقدمي يستهدف المستقبل ويتقاطع معرفيا مع الماضي بكل مسلماته وتصوراته وأطروحاته.

إن الثورة تجسيد مادي لفلسفة التاريخ. لقد قال هيجل وهو يشرح هذه الفلسفة (علينا الإمساك بالواقع من خلال الفكر).

إنما يشير لنا بأن ايقاعات التاريخ تأخذ منحنى تطوري عقلاني. رغم التراجعات فإن التاريخ يسير للأمام وبالتالي يجب علينا فهم التناقضات في الحياة كمحرك رئيسي للتاريخ وإحداث تغيرات نوعيه باتجاه التقدم.

إن الفلسفة الإنسانية الحديثة هي فكر التنوير بحقوق الإنسان والحرية والحداثة والمساواة والتمدن وسيطرة العلم باعتبار العقل هو المرجع في حياة الإنسان .

إن فكر التنوير يُلغي التعصب الديني والعنصري والطائفية والمذهبية الجهوية والتمييز بين البشرية بكافة أشكاله. وإن الإنسان هو القيمة الأعلى والمطلقة واللامتناهية في الحياة وأن الاعتماد على قيم الماضي لا يتفق مع إحداث التغيير والثورة. ولا يمكن أن تقوم ثورة قبل التغيير الفكري لأن التغيير الفكري هو الأساس بل هو السبب والتغيير السياسي هو النتيجة وهذا ما يطلق عليه ارتباط العلة بالمعلول وجوداً وعدما .

 ثورة (11) فبراير والربيع العربي على ضوء ما سبق:

إننا عندما نلقي نظرة سريعة لأحداث الربيع العربي في جميع الدول العربية التي شهدته نجد نتائج كارثية وأن الآمال المعقودة على التغيير صار من سراب.

وتراجعت طموح الشعوب العربية بالعودة لما كان قائم وعادت القوى المضادة للثورة بكل قوتها لذلك لا تستغربوا إن سمعتهم (سلام الله على عفاش).

كلكم تعرفون المالات التي حدثت بسوريا وليبيا من تدمير بناها التحتية وقتل وتشريد الآلاف من مواطنيها والتدخل الأجنبي والتحكم بمقدراتها.

إننا لا نُلقي بكل اللوم على أنظمتها الدكتاتورية بل نناقش القوى السياسية التي تصدت للتغيير، شاهدنا الحركات العنيفة والإرهاب والتطرف وعدم القبول بمكونات شعوبها تحت دعاوي طائفية ودينية وجهوية وسيطرة أفكار التطرف والإرهاب بعيداً عن مفاهيم الثورة المدنية بالحرية والعدالة وحقوق الإنسان وتحرير المرأة ليس جديداً عليكم عندما سمعتهم بالقنوات التلفزيونية قول مصطفى عبدالجليل رئيس المجلس الانتقالي بأنهم سيعيدون قانون تعدد الزوجات بليبيا. وكأن الثورة ما قامت إلا لتحقيق مثل هذه الأمور. أما في سوريا فكلكم تعرفون كيف سيطرت داعش والنصرة وأخواتهما على المشهد بدعم المال العربي والدولي وتدمير سوريا ولايزال هذين البلدين تعيشان الكارثة حتى الآن.

أما الاحداث في مصر وتونس وهما قائدتا الربيع العربي فقد عادت الثورة المضادة بكل عنفوانها. إن ما حدث لم يكن صدفة بل حدث لتراكم جملة من الأخطاء الكارثية من العودة للمفاهيم التقليدية وسيطرة الوباء الأصولي من الإسلام السياسي وإقصاء القوى الشبابية والمدنية واندفعت قوى الإسلام السياسي للسيطرة على الحكم والدولة تحت مقولة التمكين بنفس الفكر التراثي المتزمت المعادي لثقافة العصر. وبرز الشيخان القرضاوي والغنوشي كرموز وقادة للثورة. وهذا يقودنا لعام 1979م عندما تُوج الخميني قائداً للثورة الإيرانية وما تبع ذلك من إقصاء لكل الشركاء وسيطرة كاملة للقوى الدينية المذهبية وتصدير ثورتها وقيمها لدول الجوار تحت دعاوي مذهبية وإثارة الانقسامات والصراعات في المنطقة العربية واليمن نموذجاً.

إن أحداث الربيع العربي باليمن هو فصل أصيل من قوة التغيير، وهي ثورة شعبية عفوية من كل شباب اليمن وبعيداً من التفاصيل الكثيرة لأحداث الثورة فإنني أركز على الأهم.

فبعد الانطلاق بأيامها الأولى والمجزرة المرتكبة يوم (18) مارس بصنعاء كان الطابع الثوري الشبابي هو الحاكم وظهر النظام عندها معزولاً داخلياً وخارجياً وبدأ بالتفكك باستقالة الكثير من قياداته وما تلى ذلك من انضمامات للثورة وسيطرتها على الساحة، وتحديد حركات الشباب وفرض سياساتها على الساحة أدخل الثورة في مأزق حقيقي:

–  فقد صور النظام أن ما يحدث هو انشقاق عسكري وأن القوة المسيطرة على الثورة هو الإسلام السياسي لإخافة الخارج.

–  تحويل الثورة إلى مواجهات عسكرية أعطى للنظام التبرير الكافي لاستخدام السلاح مما أفقد الثورة سلميتها.

– عسكرة الساحة واجبار الشباب وتحديد حركتهم والسيطرة الأمنية على الساحة والسيطرة على الإعلام ومنع الاختلاط وغيره…الخ.

كل ذلك حول الثورة إلى معادلة سياسية بين جناحي النظام.

لقد وقعت الثورة وشبابها في أخطر فجوة حين قبلت المبادرة الخليجية بتلك الصيغة والتي وصفت الوضع القائم وطريقة الحل باعتباره صراع بين طرفين في النظام وحله بتشكيل حكومة مناصفة بينهما وكأن قضية الشعب اليمني وثورته هي المشاركة بالحكومة وبعض المناصب والامتيازات. فقد التغيير جوهره وصورت القضية محاصصة وكان للنظام اليد الطولى بذلك فقد حافظ على بقائه وقواه العسكرية والأمنية والخدمة المدنية والسلطة المحلية بعموم المحافظات.

ما حدث بعد ذلك ليس بمستغرب أن يلتقط النظام أنفاسه ويعود يسيطر على الأوضاع بسبب تلك الأخطاء والتهافت على المناصب والمزايا ونسيان أهداف التغيير.

وهكذا وجد النظام مستعيناً بالحركة الحوثية بعد أن فقدت الثورة حاضنتها الشعبية الطريق سالكاً للانقلاب وإدخال اليمن بحرب جهنمية.

ومن نتائج هذه الحرب:

– تجرع مرارات الحرب ودمارها وقتلاها بعشرات الآلاف.

– فقدنا كل الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وماء وكهرباء…الخ.

– فقدنا السيادة وصار لدينا أكثر من جيش ومليشيا تتبع ولاءات مختلفة ليس أي منها ذات ولاء وطني وصار التمويل المالي هو من يحدد الولاء الوطني.

-تراجعت الوحدة الوطنية وارتفعت الدعوات المناطقية.

-تراجع الاقتصاد وصرنا عاله على التبرعات (المساعدات الإنسانية) العالمية.

ما سبق كان اطلالة سريعة على دول الربيع العربي وهناك من يقول هل انتهى الربيع العربي؟ هل الربيع العربي لايزال مستمر؟

أقول نعم وله سراج وهاج يضيء المستقبل.

لقد ظن البعض أن الربيع العربي انتهى بعام 2011م لكن واقع الحال يقول أن الدول العربية لحقت بالثورة وربيعها العربي وبفهم أعمق وأكثر تقدما فالعراق ولبنان تركزت فيهما الثورة على الغاء الطائفية والمذهبية واعلاء قيم الوحدة الوطنية والإنسانية متجاوزة الاخفاقات السابقة للثورات العربية وهذا ما حدث بالجزائر.

كلكم يعلم أننا نعيش أعظم ثورة عربية في العصر الحديث وما يصنعه شعب السودان العظيم منذ ثلاث سنوات أكبر دليل على ذلك. لقد أثبت السودانيين أنهم شعب قائد ومعلم وأن ثورة (الحرية والسلام والعدالة) تليق بمستوى الوعي لدى السودانيين ونضالهم باجتثاث أعتى نظام فاشي أصولي بالمنطقة العربية.

طالما الوعي حاضراً وفكر التنوير يُضيء الطريق للشعوب العربية ستحقق الثورات أهدافها وسيكون للعرب مساحة أكبر في حياة التمدن العالمي .

نختم ببيتين من حكيم اليمن (البردوني) تلخص هذه المقاربة .

لأن أبا لهب لم يمت         وكل الذي مات ضوء اللهب.

فقام الدخان مكان الضياء   له ألف رأس وألفا ذنب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى