بعيداً عن الناس الموهومة المتمترسة مع بوتين التي تعتقد بأنه يقاتل ويتصدى للتوسع الإمبريالي، تحت مزاعم الشيوعية المنتهية والمتفككة أساسا في نهاية ديسمبر 1991م. وبعيداً أيضا عن الناس المتمترسة عاطفياً مع الشعب الأوكراني من جانب إنساني أو حتى كظهور ليبرالي.
قراءة الحملة العسكرية الروسية على أوكرانيا لا تكون بهذا الشكل السطحي مطلقاً. هناك أسباب وأبعاد سياسية وعسكرية يجب علينا فهمها ومعرفتها. كون أي حدث عالمي يؤثر بطريقة مباشرة علينا كدول عالم ثالث خصوصا وأن أوكرانيا 70% من مساحتها أراضي زراعية وتعتبر خامس مُصدر للقمح في العالم. لبنان البلد الفقير وحدها تستورد 50% من هذا القمح، فيما ليبيا الغير مستقرة أمنياً تستورد 43%. لتأتي اليمن في المرتبة الثالثة من بين دول العالم الثالث التي تشهد نزاع و عدم استقرار أمني و سياسي في استيراد القمح الأوكراني بنسبة 22%.
إذا لماذا في الوقت الذي دعم بوتين جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين بقرار الانفصال عن أوكرانيا. وقام في الوقت نفسه بشن حملة عسكرية على أوكرانيا؟! البلد التي نالت استقلالها الجيوسياسي عن الاتحاد السوفيتي بنفس اليوم الذي اُعلن عن تفككه. هو ليس جنوناً بوتيناً بقدر ماهي نوع من المراوغة التي تظهر بوتين بأن له أسبابه القومية والأمنية للقيام بذلك. فمنذ 2018 أجرى حلف الناتو على الحدود الجنوبية الروسية أضخم مناورات عسكرية له منذ نهاية الحرب الباردة، لتستمر هذه المناورات بالتزايد الملموس حتى الآن.
ليأتي في المقابل الرد الروسي على خطوات متتابعة، إلا أنها لم تكن بتلك القوة التي حدثت الآن. ففي ديسمبر الفائت قدمت روسيا طلب للأمانة العامة لحلف الناتو بسحب الدعوة التي وجهها إلى أوكرانيا للانضمام إلى حلف الشمال الأطلسي عام 2008. إلا أن حلف الناتو رفض الطلب الذي تقدمت به روسيا لمطالبة الغرب بسحب الدعوة وقف المناورات العسكرية التي تجري على الحدود الروسية، التي أصبحت تهدد بشكل مباشر أمنها القومي، خصوصا فيما إذا أعلنت أوكرانيا الانضمام لحلف شمال الأطلسي. ستفقد روسيا ميناء سيفاستوبول البحري الذي يقع في شبه جزيرة القرم، الجزيرة التي تسيطر عليها روسيا منذ 2014. والتي كانت تتبع إداريا أوكرانيا بعد أن أهداها الزعيم السابق للحزب الشيوعي السوفيتي نيكيتا خروشوف وقاعدتها البحرية لجمهورية أوكرانيا السوفيتية عام 1954. إلا أنها ظلت قاعدة بحرية مهمة للروس. وكانت مقر أسطول البحر الأسود الروسي منذ الحقبة السوفيتية. لقد كانت لشبه جزيرة القرم دائما أهمية بالغة بالنسبة إلى روسيا الإمبراطورية، والسوفيتية وروسيا المعاصرة لأن امتلاكها كان يعني السيطرة على البحر الأسود والمناطق المطلة عليه. ولم تصبح روسيا دولة عظمى بغض النظر عن توسعها إلا بعد ضمها للأراضي المتاخمة للبحر الأسود. لكن هزيمة روسيا في معركة سيفاستوبول والقرم 1856 – 1857 ( حرب القرم) أمام بريطانيا وحليفها الفرنسي والعثماني منعتها من لعب دور هام في الشؤون الأوروبية على مدى عقدين. كما مُنعت من حق امتلاك أي أسطول بحري قوي في البحر الأسود، ولم تستعيد روسيا عظمتها إلا بعد استعادتها السيطرة على القرم وسيفاستوبول بعد انتصار روسيا في الحرب الروسية التركية عامي (1877 – 1878)، لذلك هناك عُقدة نفسية لها جذور قديمة لدى روسيا بفقد سيفاستوبول مجددا وفقدها القدرة على لعب أدوار مهمة على الساحة الأوروبية.
بعيداً عن جذور الصراع و أبعاده إلا أن النظر إلى تكافؤ المعركة الآن والتمعن إلى حلفاء أطراف الصراع، سنجد أن أمريكا والغرب حليف أوكرانيا هو حليف متخاذل لا يمكن الاعتماد عليه أو الوثوق به. وقد لمست أوكرانيا ذلك بنفسها خلال الـ72 ساعة منذ بدء الهجوم عليها من قبل روسيا. و جاء ذلك على لسان رئيسها: “الغرب تركنا لمواجهة الجيش الروسي ولا أحد يريدنا في حلف الناتو، ولقد تأكدنا بأنه لا أحد سيدافع عنا سوى جيشنا”. في المقابل كان الرد البريطاني أكثر خذلانا عن طريق رئيس وزرائها (بوريس جونسون)، في أن المملكة المتحدة مستعدة لمنح اللجوء للقيادة الأوكرانية في حال الضرورة. وهو خطاب يعكس مدى انحطاط هؤلاء الحلفاء. الذي كان عكس ذلك عند بدء الهجوم الروسي تماما. فالمتابع سيلاحظ اللغة الاستعراضية والشديدة التي كانوا يتحدثون بها للدفع بأوكرانيا إلى المواجهة لتكون طعما لسياستهم الهمجية.