“الشارع”- أروى عثمان:
كنت في الصورة.. كنت هنا[1]
**
“أي وهم هذا الإنسان؟ أي اكتشاف، وأي وحش، وأي فوضى، وأي ذات متناقضة، وأي أعجوبة! حاكم على كلّ شيء، ودودة أرضية غبية، وأمين على الحقيقة، وبالوعة من الشكوك والأخطاء، ومجد العالم وانحطاطه، فمن ذا الذي يفكك هذا التشوش” باسكال.
مات أخوك..
من هنا بدأت، حكايات طرق الموت، وما أنت بميت، فللموت أوجهه العديدة، ويمسك حين يخصك، بفقد أحد أعزائك، وموتك أنت وملايين من الذاهبين والعابرين من صنعاء إلى تعز والعكس، ثم التنقلات في أرجاء تعز المدينة والريف، أو قل المدينة و”مفرق الخشبة”، أو المدينة والدحي، وهيجة العبد وأهوالها.. الخ، من معابر الموت المجاني، وكلها معابر إذلال وخوف، ونهب، وإنهاك. في هذه الأماكن لا نشتم رائحة الخوف فحسب، بل نحسها ونعيشها في كل ذرات التراب.
خرجت من صنعاء بعد الظهر إثر اتصال بوفاة أخي، وكانت وسيلة المواصلات العاجلة سيارة أجرة “الفرزة”، وانتظارات التعبئة بالمسافرين كأنها سنيين، لن أتحدث عن النقاط الكثيرة من صنعاء إلى ذمار، ومئات من سيارات الأجرة، والنقل العام/ الشاحنات، وهي ترتص، لا ندري منذ متى.
للأمانة لم يسألوني عن المحرم (في البداية)، مشينا نتقفز بين ألغام الجماعات المسلحة، نجتازها بكم النقود التي تأخذها تلك النقاط من السائق “ترحمت عليه”، رغم أنه أخذ منا أجرة مضاعفة، تستحيل إلى قروش، إزاء ماكينة الدفع لشراء أمان مرورك المؤقت فإن نفذت من تلك النقطة، فلن تنفذ من الأخرى، لا سعر محدد لهم، زيادة ونقصان، وتلعب المعرفة بين السائق ومسلحي النقاط دورها في تحديد المبلغ بعد رحلة الإنهاك، ليس بسبب النقاط وحدها، ولكن مع التوقف مرة لقضاء الحاجة، وأخرى لشراء القات، وثالثة للصلاة.. الخ.
وصلنا حدود المملكة الحوثية – الحوبان، الساعة الثانية عشرة ليلاً تقريباً. كان قريبي ينتظرني، وظل طوال مشوار السفر يتصل للاطمئنان عليّ وعلى سير الرحلة، والسؤال المكرور: ها، فين قدكم؟ أين عادكم؟
قريبي غادر الدولة “الإخوانية” في مدينة تعز أو ما يطلق عليها “الشرعية” أثناء لجة الحرب والاقتتال في الشوارع، والنزوح الجماعي، اضطر أن يترك بيت أسرته الذي أصابته القنابل، ليستقر في الحوبان.
قال لي قلقاً: أينك يابنت عمي، كلما رأوني أخرج أنتظرك، تسارع العكفة، ما الذي تفعله هنا؟ فأجيبهم إني أنتظر قريبتي؟ يغرقوني في متاهة الأسئلة، مثل استجواب المخابرات، فأنسحب إلى البيت. فهم جماعة من الموسوسين، لا تتورع عن إلصاق تهمة التخابر مع العدوان بك، خصوصاً إن شاهدوك تمسك التليفون وتتصل بأمك! يكفي أن تقول عكفة الرب، “أنت مع العدوان” لينتهى أمرك.
خجلت من قريبي وأسرته التي تنتظرني، في أنصاص الليالي، وما سببته لهم من متاعب. لكن لامجال إلا أن أسافر وأصل بيتنا في حوض الأشراف الذي تفصله عن الخشبة مسافة عشر دقائق.
**
عند وصولنا مفترق الطرق، أي الحوبان، كرع بي السائق، وقال لي هذه آخر محطة، قلت له وقد انقطعت أنفاسي من الفجعة واللثام الكاتم لنفسي على مدار أكثر من ثمان ساعات، أحدق في الظلام، أين أنا، لا أعرف، كل شيء مقفر وموحش، إلا من غزوزة بعض المصابيح، في أماكن متفرقة، والتي يغلب عليها صندقات، وخيم، وكشافات المسلحين وإن بدا بعضهم بملابس مدنية وبجمم/ وجن لامعة متفجرة محشوة بالقات، كشافات اليد “التوشليت” تصوب ضوءها على وجهك المُدثر بالنقاب والشرشف وتحدق، ما الذي أتى بكِ إلى هنا في هذا الوقت؟ وأسئلة عبثية كثيرة تزاحمت مع رائحة الخوف وعواء الكلاب في قلب وحشة ليل الحوبان.
قلت للسائق، وصلّني إلى بيت قريبي، وسأعطيك ما تشاء من نقود، لا تتركني هنا وحيدة، لا أعرف أين الطريق، تغير وجه السائق 180 درجة لا أستطيع، ثم فتح باب السيارة بغضب نزق، أنا مع امرأة في آخر الليل.. ممنوع عليّ تخطي الفرزة بشبر واحد من الفرزة، أخرجني من السيارة بلا رحمة، كنتُ المسافرة الوحيدة التي بقيت، بعد نزول جميع المسافرين.
في ذلك الشارع الموحش، حيث لا بيوت سوى صندقات، ومخيمات المليشيات، وربما باعة الصباح، فـأكداس القمامات في كل مكان، سمع أصواتنا، العسكر، بعضهم بثياب مدنية، صعقوا من صوت امرأة في ذلك الوقت المتأخر، مع احتدام الجدال بيني وبين السائق، والاتصال مع قريبي، قال قريبي: أنا أيضاً لا أستطيع أن أصل اليكِ، الطريق كله “مشعطط”، حاولي مع السائق مرة أخرى.
يا الله ما العمل؟ حلّها من عندك يارب، لقد أنسوني فجيعة موت أخي، لتستقبلني هذه الفجائع، وحشة المكان ياربي!
كشفت عن وجهي لأريهم إني امرأة كبيرة، مثل أمهم، كلمتهم عن أخي الذي مات، ويجب أن أودعه صباحاً، ولم أستطع العبور إلى بيتنا في حوض الأشراف، أو بيت قريبنا، وهو ليس ببعيد، ما العمل، وهاكم تليفون قريبي، تواصلوا معه. وللأمانة، أخذني أحدهم بسيارته، بعد أن كررت عليهم رجائي.
وأوصلني إلى الشارع الذي يقع فيه بيت قريبي، وسلمني لقريبي الذي كان قد أكله البرد والخوف، ذلك المسلح كان آدمياً.
2
اليوم التالي على الساعة السادسة صباحاً، توجب عليّ الذهاب إلى الفرزة لأستقل سيارة أجرة توصلني إلى بيتنا، وهذه معارك أخرى.
**
كنت أسمع وأقرأ، وأشاهد صور رحلة العذابات لمن يدخل تعز أو يخرج منها، ذلك الإهلاك العبثي لآخر نفس، في الطرقات المهلكة أصلاً لوعورتها، وضيقها، ومطباتها التي لا تنتهي، وحوادثها اليومية التي تضاعفت مع إضافة المزيد من الطرقات المفخخة بالحفر والنتوءات، والالتواءات والمنحدرات، ما بين “ضاحة” و”مسناف”، لكن مع الحرب تحول المسناف إلى أمواس وسكاكين وألغام، طرقات لم تطأها أقدامنا من قبل أبداً، كان السائق يحاول الإفلات من الجماعات المسلحة هنا، لكنه يتعثر بها كامنة له في مكان آخر، جماعات تلاحق أنفاسك في كل خطوة. تذكرت تلك الهاويات وسنن الجبال المخيفة، بحزاوي/الحكايات الشعبية والأساطير، وعقبات منها ما يسمى بـ”عقبة الشيطان”، “جنية العقبة”، “حجرة الجن”، و”دقم صياد”، و”طاهش الحوبان” الذي لم يمت بعد، إنه يتجدد وينبعث مع كل حرب ومليشيا.. وصندوق باندور في الميثولوجيا اليونانية، موجود لدينا بالمئات من صناديق باندورا اليمنية التي تفترش الطرقات، فتخرج منها كل الشرور.
طهاشة الطرق تصنع الموت في كل شبر، إن نجوت من هذا القعر، فلن تنجو من غيره، والنجوى، في أضعف الإيمان، مدفوعة الثمن لتعبئة جيوبهم – لحمايتنا- كما يقولون.
وكلما قال السائق للركاب: خلاص نفدت النقود، إذ لم يعد ينفعه تزلفه للجماعات، اضطر الركاب إلى أن يدفعوا.
لأول مرة في حياتي، وأنا دائمة السفر من تعز إلى صنعاء والعكس، أسافر في أوقات مختلفة، حتى في الليل، لم تكن تستوقفنا أي نقاط، سوى نقطة قبل دار سلم تمر منها بسرعة البرق، دون أن يكلمك أحد. ولأول مرة أعرف طرقات، ومعابر بأسماء مختلفة من الجبال والأودية، والأخاديد، والحفر، والتلال، والهيج والضياح، وقد أصاب من وصفها بطرق الموت، حقاً هي كذلك، ما إن تعتلي سيارة الفرزة، وأنت تقلبها في ذهنك، هل سأصل سالماً، الصدفة وحدها تنجيك.
إنها البيئة القاحلة من كل شيء إلا من أشواك السنف والطلح، ورجالات الله الطلحيون من العسكر والمليشيات. قسوة الطبيعة، تسفر عن التوحش، والكراهية، أو بالأحرى القسوة في التوحش. يا إلهي.
كم من الانتظار حتى تمتلئ السيارة بالركاب، خصوصاً أن أختي النازحة مع أسرتها والآتية من القرية، سوف تنتظرني على طريق الدمنة، هي أيضاً خرجت من القرية، منذ يوم أمس إلى إحدى مناطق تعز للمبيت عند أحد الأقرباء، لنلتقي وننطلق معاً إلى تعز لإلقاء النظرة الأخيرة على شقيقنا.
التقينا بعد جهد جهيد، لنمضي في رحلة أخرى تلقفتنا فيها الجماعات المسلحة التابعة لما يسمى بـ”الشرعية”، والتي تتقاسم المعابر والنقاط، ولا يفرق بينها وبين نقاط الحوثي سوى أمتار، ويقال إنهم يتغدون معاً، ويتعاطون القات معاً، ولطالما كانوا من أسر واحدة، أخوة، وأقرباء، ومن قرية واحدة، إنهم ينقسمون ما بين الحوثي، والمقاومة.
مرت تلك الساعات والانتظارات في طريق لا يتسع لكلب أجرب، كما هو مُشاهد في الصورة.
لم ينقطع هجيج الاتصال من أسرتي “أين أنتم؟ فين وصلتم، كم باقي لكم؟ يالله بسرعة، تأخرتم”.. الخ، فيسع، لقد نقل الجثمان إلى المسجد، إنهم يصلون عليه، اتصال آخر، بسرعة سيخرجونه من المسجد إلى المقبرة، هيا أسرعي لتوديعه، ظلينا على هذا الهجيج ساعات، وطريق وصولنا لا يتعدَّ 8-10 دقائق.
لا ندري ماذا نفعل سوى ذرف الدموع، وحرقة القلب، فمن تكلم، إلى من تشكو، متنا قلقاً ونحن نعد الدقائق والثواني، غدت الدقائق من الخشبة إلى حوض الأشراف سيزيفية، في خضم تزاحم السيارات، والعفش البشري المتكوم والمنفوش على ظهر السيارات، والناقلات، والطريق والأحجار، والضجيج، والبكاء، وصراخ المسلحين وشتائمهم المقذعة، ودعوات الركاب وآهاتهم، وأنين المرضى، وبكاء الأطفال، وطرحة الشموس المحرقة، والعرق، والقيء الذي يفتك بك، إنها طرق القيامة.
في تلك الأخاديد النارية -طبعاً- نمت الكثير من الأسواق، والمطاعم، والباعة.. الخ من اقتصاد الحرب والمتاجرة بمعاناة الناس.. إنه اقتصاد اللادولة.
عند دخولنا إلى وسط المدينة بعد ساعاااات طوال، لم نسلم أيضاً من الزحام، وهجيج الاتصال، إنهم في الطريق إلى المقبرة، بعد أن طلبوا من المشيعين أن ينتظرونا، لكن قطع أملنا، وسلمنا بإرادة قوة المليشيات، فلن نتمكن من وداع شقيقنا، خصوصاً عندما أوقفتنا مليشيات من جماعات السلفيين، على ما يبدو، ليسألونا، أين المحرم، ومنين أجينا، وين سارحين، وطلبوا رؤية بطائقنا الشخصية.
ترجينا المفتش أن يكمل سريعاً، نريد توديع شقيقنا، سيقبرونه قبل أن نصل. بدا كأنه لا يسمع، أو لا يريد أن يسمع، ليستوفي مهامه.
مرة أخرى علقنا في شارع 26 سبتمبر في قلب المدينة وزحمتها وقت الظهيرة، يحاول السائق أن يجتاز من هنا وهناك لنصل أسرع، كان متعاطفاً معنا، بعد رفقة السفر لساعات طويلة ونحن بجانبه في الكرسي الأمامي. ما أشقى أن تسافر في يوم وليلة إلى مدينتك، بعد أن كانت الرحلة تستغرق أربع ساعات فقط.
وصلنا مرهقات بمصابنا ومصيبتنا.. حينها كانت الجنازة في طريقها إلى المقبرة، إلا أنهم اضطروا إلى إعادتها إلى باب البيت لنودعه، ولم ندرِ ماذا حدث…
يا لهول أن ترى شقيقك مسجى، بعد أن فارق الحياة في غمضة عين أنهت المشهد.
هل انتهى المشهد؟ المشهدية في الصورة- الحكاية اللانهائية.
**
لا نملك، إلا أن نسأل حبيبنا الفنان القدير محمد مرشد ناجي: “بالله عليك يا مرشدي، أين بلادي، وأين كنوز الذهب”؟!
[1]* هذه الوقائع كانت ما بين 25 فبراير، 26 فبراير 2017.