في الواجهة

تمرد “الإخوان” في شبوة يضع المجلس الرئاسي على المحك

عدن- “الشارع”- خاص:

خلفية:

مثلت محافظة شبوة، الغنية بالنفط والثروات الطبيعية، والمتميزة بموقع استراتيجي، واحدة من أكثر بؤر التوتر والصراع بين المجلس الانتقالي الجنوبي، وحزب الإصلاح الجناح “الإخواني” في اليمن، طوال السنوات الخمس الماضية. خصوصا بعد أن فرض الأخير سيطرته الكاملة على المحافظة عقب أحداث أغسطس 2019، وإزاحة قوات النخبة الشبوانية التابعة للانتقالي التي كانت تسيطر على مركز المحافظة والعديد من مديرياتها.

بعد أن فرض حزب الإصلاح سيطرته على شبوة، وكان قد سبق تعيين القيادي فيه محمد صالح بن عديو محافظا لها، اتخذها مركزا لتجميع قواته من مأرب وحضرموت الوادي. والدفع بها إلى شقرة في محافظة أبين أثناء المواجهات مع المجلس الانتقالي، التي انتهت بتدخل سعودي أفضى إلى توقيع اتفاق الرياض في نوفمبر 2019 وما تلاه من تشكيل الحكومة بالشراكة مع المجلس الانتقالي وغيرها من الإجراءات التي لم تكتمل تحديدا في الملفين الأمني والعسكري.

طوال فترة سيطرة، حزب الإصلاح على شبوة، انشغل وقواته، بالتركيز على شقرة وباقي مدن الجنوب، حتى اجتاحت مليشيا الحوثي الانقلابية، في أكتوبر الماضي، مديريات بيحان الثلاث (بيحان العليا وعين وعسيلان) غربي شبوة والمحاددة للبيضاء ومأرب. عقب ذلك بشهرين وبعد تشكيل الحكومة بالشراكة مع الانتقالي، أصدر الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، قرارا قضى بإزاحة بن عديو الذي فشل في الدفاع عن شبوة أمام التمدد الحوثي، وتعيين عوض محمد ابن الوزير العولقي خلفا له.

ورث المحافظ الجديد، تركة ثقيلة وشبكة معقدة من المصالح والنفوذ التي قد تمتد إلى عقود، واشتغل عليها ونماها حزب الإصلاح خدمةً لأجنداته وتعزيز سيطرته على المحافظة الاستراتيجية. وكانت أولى خطوات المحافظ العولقي قيادة عملية عسكرية واسعة مسنودة بقوات من ألوية العمالقة الجنوبية لتحرير مديريات بيحان، وهو ما تم في غضون شهر فقط أنتهت تلك القوات بتحرير بيحان والزحف حتى مشارف مديرية الجوبة جنوبي مأرب.

طوال هذه الفترة، أي بعد تحرير بيحان، عمل العولقي، على تعزيز وتطبيع الأوضاع الأمنية في المناطق المحررة وعموم المحافظة، مستندا على قوات العمالقة، وقوات جديدة جرى تشكيلها أطلق عليها “قوات دفاع شبوة” بدعم من التحالف العربي. حتى شعر حزب الإصلاح والقوات الأمنية والعسكرية الخاضعة له، بالفقدان التدريجي للسيطرة والنفوذ، دون أن تحاول هذه القوات الاندماج في عملية مؤسسية لتكون جزءً من إعادة بناء مؤسسات الدولة. غير أنها أبدت مقاومة لمنع تفكيك منظومة نفوذها وسيطرتها على المحافظة، وصولا إلى التمرد على قرارات السلطة المحلية وقرار مجلس القيادة الرئاسي التي جاءت معززة لقرار المحافظ.

 ما الذي حدث:

مع تداخل الصلاحيات بين القوات الجديدة (قوات دفاع شبوة)، التي أسند إليها المحافظ المهام الأمنية والشرطية بالمحافظة، والقوات الأمنية السابقة (قوات الأمن الخاصة)، التي تدين بالولاء المطلق لحزب الإصلاح. وفي محاولة من المحافظ لتفكيك منظومة “الإخوان” التي كانت تسيطر على المحافظة، وظلت تعرقل خططه لحفظ الأمن. وصل الأمر إلى حد المواجهات المسلحة بين قوات الأمن الخاصة وقوات دفاع شبوة في يوليو الماضي بمدينة عتق، أسفرت عن مقتل جنديين وإصابة آخرين.

وعقب هذه الأحداث أوقف المحافظ، قيادات هذه القوات من الطرفين، التي تسببت بالمواجهات، وشكل لجنة للتحقيق، والتي بناءً عليها اتخذ السبت الماضي قرارا بإقالة قائد قوات الأمن الخاصة عبد ربه لعكب وقائد معسكر هذه القوات أحمد درعان. ليأتي عقبها وزير الداخلية إبراهيم حيدان، بتعميم في محاولة منه لإلغاء قرار المحافظ، بذريعة الدفاع عن صلاحيات وزارته، غير أنه أذكى نار الفتنة، وأعطى لقوات حزب الإصلاح – الذي يدين الوزير حيدان بالولاء له – الذريعة بالتمرد على قرار المحافظ، وبدأت هذه القوات (عسكرية وأمنية) على الفور بتنفيذ تمرد مسلح ومهاجمة مبنى المحافظة ومواقع القوات الموالية للمحافظ، واستمرت المواجهات الدامية طوال يوم الأحد وحتى صباح الاثنين الماضي.

وفور الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة عتق، بادر مجلس القيادة الرئاسي، يوم الاثنين، إلى عقد اجتماع طارئ، للوقوف أمام مستجدات الأوضاع في شبوة، حذر خلاله من تبعاتها على الجبهة الداخلية، ووحدة الصف في معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي. كما اتخذ ازائها جملة قرارات كانت معززة لقرار المحافظ عوض العولقي. حيث أقال المجلس، قائد محور عتق قائد اللواء 30 العميد/ عزير ناصر العتيقي، ومدير عام شرطة محافظة شبوة العميد/عوض مسعود الدحبول، وقائد فرع قوات الأمن الخاصة العميد/عبدربه محمد لعكب، وقائد اللواء الثاني دفاع شبوة العقيد/ وجدي باعوم الخليفي. وجاء ذلك عقب استماعه إلى تقارير الجهات المختصة ونقاش مستفيض للأوضاع في المدينة.

وأعقب هذا القرار، قرارات أخرى صادرة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي ورئيس الحكومة معين عبد الملك، قضت بتعيين العميد الركن عادل علي بن علي هادي قائدا لمحور عتق وقائدا للواء 30 مدرع، والعميد الركن فؤاد محمد سالم النسي مديرا عاما لشرطة محافظة شبوة، والعقيد مهيم سعيد محمد ناصر قائدا لقوات الأمن الخاصة. غير أن قوات حزب الإصلاح لم تمتثل أيضا لهذه القرارات وعاودت مساء الاثنين، هجماتها على منزل المحافظ ومواقع القوات الموالية له في تمرد آخر على قرارات المجلس الرئاسي والحكومة. كما أنها رفعت سقف مطالبها بإقالة محافظ المحافظة، وشن الإعلام التابع لحزب الإصلاح (قنوات ومواقع إلكترونية) حملة دعائية مسعورة على مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ومحافظ شبوة والتحالف العربي.

مساء أمس الثلاثاء، ووسط احتدام المواجهات، جدد محافظ شبوة، دعوة أخيرة لقادة التمرد وحددهم بالاسم، لوقف إطلاق النار، ووقف تمردهم المسلح، لإعطائهم فرصة لتنفيذ قرارات مجلس القيادة الرئاسي والسلطة المحلية، قبل أن يعلن صباح اليوم الأربعاء، إطلاق عملية عسكرية لإخماد تمرد “الإخوان”، لتنتهي بإحكام القوات الموالية له، بالسيطرة على كامل مدينة عتق.

ومنذ بدء الاشتباكات السبت الماضي، حتى السيطرة على مدينة عتق وإنهاء التمرد، ظلت الحكومة في صمت عن ما يدور من تمرد مسلح، دون التعليق على الأحداث، عدا تعميم وزير الداخلية إبراهيم حيدان، الذي كان له الدور الأكبر في إشعال الأحداث.

وفي حين يتكئ محافظ شبوة، على أنه ينفذ القرارات الرئاسية الملزمة تطبيقها على الفور، يتشدق المعارضون لهذه القرارات بأن القيادات المقالة كانت من أوائل الذين واجهوا مليشيا الحوثي في شبوة، وهو ما يدحضه الواقع على الأرض. إذ أن هذه القيادات والقوات التابعة لها وقفت متفرجة ولم تطلق رصاصة واحدة عندما اجتاحت مليشيا الحوثي مديريات بيحان، وكانت ذريعة تلك القيادات عدم وجود ما يكفي من الأسلحة لمواجهة الحوثيين، إلا أنها أظهرت كامل الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة في تمردها الأخير وهو الذي كان كفيلا بدحر مليشيا الحوثي ليس من بيحان فقط.

وتأتي هذه الأحداث المربكة للمشهد العام، في ظل تفاهمات يجريها مجلس القيادة الرئاسي وهيئة التشاور والمصالحة للبدء بترتيبات المرحلة المقبلة، بالتزامن مع تفاهمات أخرى تجري مع السعودية والإمارات، لإيداع الوديعة إلى البنك المركزي اليمني، بهدف تحسين وضع العملة المحلية المتدهورة، وتحقيق التعافي الاقتصادي.

وتكشف الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة عتق، عن مدى استماتة جماعة الإخوان في الاستئثار بالسلطة ومركز القرار والنفوذ فيها، لصالح أجندات تعرقل أي جهود هادفة لاستكمال إصلاح منظومة الشرعية وتوحيد صفوفها في مواجهة المشروع الحوثي المدعوم إيرانيا. كما أن هذا الموقف المتمرد الذي أبدته الجماعة، سيتكرر في محافظات حضرموت الوادي ومأرب وتعز، التي تحتاج إلى تدخلات رئاسية وحكومية عاجلة لإصلاح اختلالات كبيرة فيها في ظل سيطرة القوات التابعة لـ “الإخوان”.

فهل سيكون هذا التمرد الأخير على المجلس الرئاسي، الذي يسعى لإحداث تغييرات جوهرية في بنية السلطة وبالأخص منها في هياكل المؤسستين العسكرية والأمنية، بما يحقق التوازن المطلوب ويعكس التوافق الذي تشكّل على أساسه، والتفرغ لإدارة شؤون التنمية ومواجهة مليشيا الحوثي في حال عدم التوصل معها لاتفاق سلام. أم أن هذه الأحداث ستكون بمثابة تسخين وعملية تجريبية أولى للقوى النافذة المنضوية تحت عباءة الشرعية لقيادة تمردات جديدة عند كل قرار رئاسي أو حكومي يمس مصالحها التي تشكلت على مدى السنوات الماضية وتتعامل معها كاستحقاق، وتقود لتكرار السيناريو الذي شهدناه بعد تولي الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي للرئاسة في 2012.

ما الذي يجب الآن:

بعد إحكام السيطرة على مدينة عتق والقضاء على التمرد لا بد أن تعمل سلطات محافظة شبوة، على تثبيت الأمن والاستقرار في المدينة، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة بما في ذلك ممتلكات ومنازل قادة التمرد، والإعلان للجنود المشاركين في التمرد عن عفو عام، وإجراء مصالحة وإنهاء كل ما ترتب عن هذه الأحداث، وجبر ضرر الضحايا وتعويضهم بما يحقق الاستقرار في عموم المحافظة. بالمقابل عدم التهاون مع قادة التمرد وإحالتهم لمحاكمات عسكرية شفافة ونزيهة حتى لا يتكرر هذا التمرد في أي مكان آخر.

كما يتوجب على الحكومة والسلطات المحلية في المحافظة، اتخاذ تدابير كافية لتعزيز الأمن، والبدء بإجراءات عملية لاستعادة تصدير الغاز والنفط عبر ميناء بلحاف.

ويجب على مجلس القيادة الرئاسي، الدفع بمهام اللجنة العسكرية والأمنية المشتركة، والتعجيل بإجراءات توحيد القوات الأمنية والعسكرية وربطها بمركز قرار موحد، وتفعيل تنفيذ بنود اتفاق الرياض من خلال تشكيل لجان متخصصة بإشراف اللجنة.

ومن أجل أن لا تتكرر مثل هذه الأحداث، عند إصدار قرارات أخرى بالإقالة أو التعيين لقيادات عسكرية وأمنية، ينبغي على مجلس القيادة الرئاسي والرئيس العليمي، أن يتخذ تدابير ضامنة لتنفيذ قراراته، عبر تهيئة الأجواء والبيئة لتطبيقها والعمل بها فور صدورها. وأن لا يحذو حذو سلفه هادي، عندما كان يلجأ إلى المبعوث الأممي للتوسط من أجل تنفيذ قراراته، أو بتمرير صفقات مقابلة للقوى المعترضة. لذلك على المجلس الرئاسي أن يتبع منهجا مختلفا من خلال مستشارين عسكريين وأمنيين لديهم القدرةعلى خلق أفكار وسياسات ناجعة للتعامل مع كل الأطراف، وأيضا القيادات المقرر إقالتها.

وعلى القوى السياسية المشاركة في منظومة الشرعية، خصوصا حزب الإصلاح، وقف آلته الإعلامية الدعائية التي سخرها مؤخرا للنيل من خصومه والتأثير على الرأي العام بطريقة مظللة وفيها الكثير من المغالطات وبعيدة عن الحقيقة. وكذلك الأمر ينطبق على المجلس الانتقالي، لما ذلك من إذكاء نار الفتنة وتعميق حالة الانقسام.

وكان الأحرى بحزب الإصلاح، وشبكته الإعلامية، عدم التعامل مع الأوضاع في شبوة بمعايير مزدوجة، وعدم تناسي أحداث اجتياح مليشياته وقوات المحور “الحُجرية” في تعز بالقوة المسلحة، وفرض قرار تعيين قائد اللواء 35 مدرع خلفا للعميد عدنان الحمادي عقب اغتياله، أواخر العام 2019.

ختاما: يضع هذا التمرد المسلح، مجلس القيادة الرئاسي وجديته على المحك، في تعامله مع قيادات هذا التمرد من عسكريين وأمنيين، والمضي في إحداث إصلاحات جوهرية وحقيقية في بنية قوات الجيش والأمن، وتحولها إلى مؤسستين وطنيتين بقيادة وعقيدة موحدة، وهذا ما ستكشفه بصورة جلية الأيام القليلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى