مقالات رأي

الدرس الحضرمي

خلال الأسبوع الماضي مررت بحضرموت الشاسعة، محافظة مترامية الأطراف تكاد تكون دولة مكتملة الأركان، من منفذ الوديعة إلى المكلا، ثم من المكلا إلى شبوة في يومين مررنا بها مرور الكرام، فكيف لو كانت خطتنا أن نزور بعض مديرياتها أو مدنها ربما يحتاج ذلك منا لأسابيع طويلة. حضرموت الوادي وفي أعلى وادي عين بعد منتصف الليل كانت لنا وقفة مع ظرف معين، فكانت الفزعة الحضرمية أقرب إلينا من رمش العين، شبان أحرار من نهد؛ وبا وزير، قاموا على قضاء حاجتنا بسرعة، ومكثنا معهم في ديوان مفتوح كمضاف عام لا يغلق أبوابه بجانب محطة بترول، منها أعدنا تموين سياراتنا، وقبل ذلك كانوا قد حاولوا بإصرار اصطحابنا إلى بيوتهم لضيافتنا حتى قبل أن يسألونا من نحن؟ ربما فيما بعد وعند دخولنا إلى الديوان بدأ أحدهم يتفرس فيّ ويحاول الوصول إلى هويتي من ذاكرته ولسان حاله الصامت يقول هذا الشخص ليس غريب عليّ، وبعدها عرفنا بأنفسنا وعرفونا بأنفسهم دون أن يزيدوا.

كانت لنا مواقف عديدة وفي المكلا كنا في ضيافة اللواء فرج البحسني عضو مجلس القيادة الرئاسي، والشيخ مبخوت بن ماضي محافظ محافظة حضرموت، والسلف يستقبل الخلف ويقيم له الضيافة ويسلم له المحافظة الكبيرة الغنية بكل سلاسة، ولقد شرفتنا قيادة حضرموت بالجلوس معهم في ديوان أمين عام المجلس المحلي لمحافظة حضرموت بحضور عدد من الوكلاء والقيادات التنفيذية والأمنية والمحلية. يجذبنا حديثهم العقلاني ونقاشهم المليء بالرزانة والحصافة، الحديث الذي لا يخلو من الدعابة والنكتة اللطيفة، وهم يناقشون وضع المحافظة والخدمات فيها والمحافظ يستمع لهم ويبادلهم الهموم والآمال والطموحات والأماني.

غادرنا حضرموت ومنذ دخلنا حدود سيطرة النخبة الحضرمية شعرنا بالحزم واليقظة والأدب الجم والالتزام الذي يؤدي حتما إلى ترسيخ الأمن والأمان في عموم عاصمة المحافظة ومديريات الساحل. وبعد خروجنا من آخر نقطة لحدود حضرموت تبادر إلى أذهاننا سلوك جماعة أخرى تبسط يدها على مديريتين من مأرب وتملأ الأرض ضجيجا ونقيقا، وهي لم تصنع شيء أصلا بل تحاول تزييف الوعي وتزيين فشل ما حدث مثله في التاريخ. بينما حضرموت التي ترفد الوطن المريض كله تصنع كل جميل ومعروف فينا بصمت وأدب عالي ينسجم والخلق الحضرمي الرفيع.

اليوم أيضا صدر قرارا رئاسيا ثانيا بتعيين قائدا للمنطقة خلفا للواء فرج البحسني عضو مجلس القيادة الرئاسي، وإلى الآن لم نسمع بتمرد ولا انقلاب ولا فوضى ولا إعلان حرب كما فعل الإصلاح وغلامه لعكب الشريف في عتق عاصمة محافظة شبوة.

لا زال الدرس الحضرمي العظيم يعلم الأجيال أعلى معاني السمو والالتزام والانضباط والمدنية والتحضر، فتحية كبيرة وجليلة لحضرموت الأرض والإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى