مقالات رأي

استهاض صحافة مهنية طريق للسلام

ما أن بدأ الحراك الشعبي والدعوة الى حرية الصحافة والإعلام في اليمن، برزت وسائل الإعلام التابعة لأطراف الحرب تذكي نار الصراع  طويل الأمد، الذي لا منتصر  فيه، ومن يخسر اليوم هم المواطنون من فنانين وإعلاميين مستقلين، وفئات المجتمع الضعيفة من نساء وأطفال وكبار السن.

ومع ارتفاع وتيرة الصراع الدامي، فقدت الصحافة في اليمن تصنيفها بين سلطة ومعارضة، وتعددت وسائل الإعلام بحسب الانقسام الاستراتيجي الحاصل بين أطراف الصراع ومطامع الدول المغذية لهه، فالإعلام يعيش جبهة عسكرية تبحث عن النصر في أرض المعركة، متناسيا الآثار الإنسانية وتدمير الاقتصاد والانتهاكات التي تمر دون عقاب أو رقابة التي خلفتها هذه الحرب.

يبقى الإعلام المستقل، وسط هذا الصراع والانقسام، هو الضحية بامتياز ويدفع أصحابه الثمن، أما القنوات والصحف الورقية والإلكترونية التابعة للأطراف المتحاربة هي الممولة والمحمية ولدى أصحابها الحصانة، وهي المتاحة في مخاطبة الرأي العام، لما تمتلكه من الإمكانيات والطاقات الكبيرة والمتفردة في الساحة، غير أنها تعزز السلبية والوجه القبيح لهذه الحرب. في حين يظل فيه الجانب الإيجابي للإعلام الحقيقي مكبوت ومجرم ومصادر، ومعرض للقمع من جميع الأطراف.

حتى اللحظة ما زلت تلك القنوات تخوض معارك كلامية لحظية تثير وتؤجج الصراع على كل المستويات، خصوصا الطائفية والمناطقية منها. فتحرض على الفتنة وتنقب عن كل ما يعمق الصراع ويؤدي الى تمزق النسيج المجتمعي. في الوقت الذي أصبحت فيه الصحافة المستقلة والمهنية محظورة أو خائفة، حتى أن الصحفيين المستقلين متوارين، أو هاربين أو مختطفين أو معتقلين، يرزحون تحت وطأة الظروف المعيشية القاسية فكلهم محرومون من مصادر مهنتهم أو مقطوعة رواتبهم، ويعيشون في جوع وخوف وفقدان للحرية.

وفي ظل الهدنة السارية، التي ربما بعقبها حرب أشد ضراوة، بسبب تشعب الصراع على السلطة والنفوذ والمطامع الاستراتيجية والنفطية، تواجه الصحافة المستقلة التحديات مثل القمع السائد والخطف والاغتيالات والقتل والتجويع وإهدار الكرامة، اتهامات بالتوظيف والخيانة والعمل تحت تهم ما يسمى بالطابور الخامس. فمثل هذه البيئة المفخخة والمخيفة لا تنتج صحافة مهنية ومستقلة تتبنى قضايا الناس والفئات الضعيفة.

يرى العديد من المثقفين اليمنيين أن لا مخرج من هذه الكارثة إلا بوقف الحرب، والتخلي عن استخدام القوة والتهريب والتجويع، وفتح أبواب الحوار والمصالحة الوطنية، قبل التوجه إلى بناء الدولة الفيدرالية الديمقراطية التي تتيح للأصوات المهنية والوطنية بتعديل المسار السياسي وتوازن القوى ومعالجة كل ما أنتجته هذه الحرب من كوارث اقتصادية واجتماعية وإنسانية وأخلاقية، كالتحرش والثأر الاغتصاب الطلاق وعمالة الأطفال تجنيدهم، وما تعرض له النساء من ابتزاز وعنف.

ما يحدث اليوم، لا يبشر بخير، وتجار الحروب وأمرائها هم السلطة العليا ولهم اليد الطولى في القمع مصادرة الحريات العامة والديمقراطية وكبت حرية الرأي وترويع ومعاقبة وتجويع المختلف والمستقل. حتى أن دور النقابات والاتحادات وعلى رأسها نقابتي الصحفيين والمحامين أصبح مغيبا ومسيسا في آن، باستثناء أدوار فردية محدودة لبعض المنظمات والنشطاء.

تمثل الصحافة المهنية سلطة وضمير جمعي مراقب لمدى الالتزام بالنظام والقانون، واحترام الحريات والحقوق، وفضح الظلم والفساد والاستبداد والحد من استبداد السلطات، ونزاهة نهجها، والتزامها بقيم الحرية والعدالة، فهذا عمق وظيفتها الأساسية، لذا يحتاج  اليمن مناخا ملائما ومساحة واسعة  للحريات واحترام حقوق الإنسان، فوجود وسائل إعلام مهنية وديمقراطية، تعمل بحرية في الحصول على المعلومات، وفقا للقانون، بداية الطريق نحو الخلاص من هذه الحرب المدمرة.

وما يتحتم علينا اليوم، كإعلاميين وصحفيين مهنيين، ومثقفين وناشطين الدعوة إلى التصالح والتعايش وقبول الآخر نبذ العنف، فليس أمامنا سوى هذا المسار، والضغط على كافة الأطراف للرضوخ إلى شروط السلام العادل، وهذا يتطلب توجهات جدية لتغيير الخطاب الإعلامي تعزيز قيم السلام وتضييق الفجوات المناطقية والطائفية التي تتسع كل يوم، ستلتهم الجميع في دوامة صراع لن نستطيع الخروج منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى