مقالات رأي

الهدنة وقضية المرتبات من وكم وكيف؟ (1)

كما يعلم المتابعون للجانب السياسي فقد عادت قضية المرتبات إلى السطح بقوة في الأشهر الأخيرة سواء عبر التصريحات المتعددة لسلطات صنعاء حول رفضهم لتمديد الهدنة دون أن تتضمن دفع المرتبات، أو التصريحات المتكررة للحكومة في عدن حول ضرورة تخصيص إيرادات سفن المشتقات الواصلة إلى ميناء الحديدة لدفع المرتبات. لاحظت من خلال بعض التناولات الإعلامية وجود خلط في التفاصيل والبيانات المتعلقة بقضية المرتبات. وإيماناً بضرورة توفر المعلومة الصحيحة للرأي العام في هذه القضايا أحببت أن أشارك معكم بعض البيانات المتعلقة بالمرتبات في هذا المنشور. وفي المنشورات القادمة سأحاول تقديم شرح للقرارات المعقدة التي تتطلب توافق الطرفين حولها للتوصل إلى دفع المرتبات. علماً أن ما سأشاركه من بيانات ومعلومات مبنية على عملي عن قرب على هذه القضية من الجانب البحثي والاستشاري وجانب الوساطة. والبيانات التي سأقوم بمشاركتها هي ليست معلومات سرية وإنما بيانات حكومية منشورة في تقارير مختلفة.

لنبدأ مع الأرقام عندما نتحدث عن موظفي القطاع العام في اليمن فعن كم شخص نتحدث وفي أي قطاعات؟ بحسب موازنة 2014م الأرقام كالتالي:

إجمالي الموظفين في الجهاز الإداري للدولة: 653,477  موظفا.

إجمالي الموظفين في وحدات القطاع العام الاقتصادي: 85,164 موظفا.

إجمالي الموظفين في الوحدات المستقلة والصناديق: 17,347 موظفا.

إجمالي الموظفين في وحدات القطاع المختلط: 6,207 موظف.

إجمالي الموظفين في الجهات غير المبوبة: 13,960 موظفا.

يضاف إلى الأرقام أعلاه موظفي الجهاز العسكري والأمني البالغ عددهم: 752,652 موظفا.

عندما يدور الحديث في إطار ترتيبات عملية السلام أو الهدنة حول المرتبات فإن المقصود بها شكل أساسي مرتبات موظفي الجهاز الإداري للدولة والبالغ عددهم 653,477  كما هو موضح أعلاه. حيث أن مرتبات هؤلاء الموظفين تندرج تحت بند الأجور والمرتبات في الموازنة العامة للدولة (على عكس وحدات القطاع العام الاقتصادي والوحدات المستقلة والصناديق ووحدات القطاع المختلط). كما أن النقاشات حول المرتبات في إطار عملية السلام عادة لا تتطرق إلى الجهاز العسكري والأمني. باستثناء مطالبة سلطات صنعاء بإدراج مرتبات بعض قطاعات وزارة الداخلية ذات الطابع المدني (مثل الأحوال المدنية أو المرور…إلخ) ضمن النقاشات. وهذه نقطة سنعود لها في المنشورات القادمة.

إذن نحن نتحدث عن إجمالي 653,477 موظفا، أغلبية هؤلاء موظفين في قطاع التعليم 307,157 موظفا في التعليم العام، و216,18  في التعليم العالي والبحث العلمي، و9,592  في التعليم الفني والتدريب المهني. يأتي قطاع الصحة في المرتبة الثانية بإجمالي 696,49 موظفا في هذ القطاع. ويتوزع 992,92 موظفا على بقية أنشطة الجهاز الإداري.

 ولكن الحكومة في عدن تقوم بدفع رواتب الموظفين الواقعين في مناطقها بشكل منتظم إجمالاً منذ 2017. ويقدر عدد الموظفين المشمولين بالدفع في مناطق الحكومة بعدد 223,053 موظفا (حوالي 47٪ من إجمالي الموظفين في الجهاز الإداري للدولة). فيما يتبقى 254,600 موظف في مناطق سيطرة سلطات صنعاء لا يتم دفع مرتباتهم بانتظام ويستلموا نصف راتب ما بين الحين والآخر. (ملاحظة: بالإضافة إلى المشمولين بالدفع أعلاه، يوجد عدد من الموظفين التي تقع جهات عملهم في مناطق سيطرة سلطات صنعاء ممن قاموا بنقل سجلاتهم إلى مناطق الحكومة. بالإضافة إلى الموظفين في المديريات الواقعة في مديريات الحديدة الواقعة تحت سيطرة الحكومة وهؤلاء يقدر عددهم بحوالي 26 ألف موظف أيضا يتم دفع رواتبهم من قبل الحكومة).

والأساس في النقاش والتفاوض حول موضوع المرتبات هي المادة الواردة في اتفاق ستوكهولم التي نصت على أن “تودع جميع إيرادات موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى في البنك المركزي اليمني من خلال فرعه الموجود في الحديدة للمساهمة في دفع مرتبات موظفي الخدمة المدنية في محافظة الحديدة وجميع أنحاء اليمن”.

طبعا من المعروف من هم موظفي الخدمة المدنية وكذلك قانون الخدمة المدنية رقم 19  لعام 1991 بشأن الخدمة المدنية واضح في مادته رقم 3 أن أحكام هذا القانون لا يسري على العسكريين في القوات المسلحة والداخلية والأمن، إلا أن سلطات صنعاء طرحت في فترات مختلفة أن النقاش يجب أن يشمل بعض الجهات والوحدات التي تقع تحت وزارة الداخلية والتي تعتبر “مدنية” إلا أن أي نقاشات لا زالت مركزة في الأساس على موظفي الخدمة المدنية المذكورين أعلاه.

الجانب الأخير في موضوع “مرتبات من؟” هو أي كشوفات ستعتمد لدفع المرتبات؟ المطروح في العادة هي كشوفات عام 2014. يطرح بين الحين والآخر عدم التقيد بكشوفات 2014 نظراً لعدم انطباقها على الوضع الحالي بعد سبع سنوات. إلا أن هذا سيفتح الباب أمام تحديات كبيرة حول من تم استبدالهم…إلخ. ولهذا لا زالت النقاشات إلى الآن تركز بشكل أساسي على اعتماد كشوفات 2014 كسنة الأساس.

ننتقل الان إلى موضوع الـ “كم؟” أو فاتورة المرتبات ومصادر تغطيتها. لنبدأ مرة أخرى من 2014 وفاتورة المرتبات. حينها كان إجمالي الباب الأول (الأجور والمرتبات) في 2014 حوالي 977  مليار ريال (81 مليار شهريا). مقسمة إلى 547 مليار للجهاز المدني (45,5 مليار شهريا) و 430 مليار للجهاز الأمني والعسكري (35,8 مليار شهريا).

بعد خصم ما تدفعه الحكومة للموظفين في مناطق سيطرتها، تقديراتي الشخصية بناء على البيانات المتوفرة لدي أن المبلغ المتبقي لتغطية رواتب الـ 228,011 موظفا، حوالي 22 مليار ريال (مرة أخرى هذا المبلغ على اعتبار استثناء الموظفين المسجلين كنازحين) هناك بعض التقديرات التي تضع المبلغ بحدود 25 مليار ريال شهريا ويعتمد هذا على بعض الافتراضات في الاحتساب. حيث أن الطرفين لم يجلسوا على طاولة واحدة ويشاركوا جميع البيانات بدقة إلى الآن.

ننتقل الآن إلى كيفية تغطية هذه الفاتورة بداية من إيرادات الحديدة. كما ذكرت أعلاه أن اتفاق ستوكهولم ذكر تخصيص إيرادات موانئ الحديدة للمساهمة في دفع هذه المرتبات. حاليا تقتصر إيرادات موانئ الحديدة بشكل أساسي على جمارك وضرائب ورسوم سفن المشتقات النفطية. هناك اختلاف حول ما إذا كانت الإيرادات التي يجب تخصيصها للرواتب هي فقط إيرادات الجمارك والضرائب. أم إذا كانت الرسوم الأخرى (لعدد من الصناديق …إلخ) تقع أيضا تحت هذه الإيرادات. هناك أيضا اختلاف في كيفية احتساب الرسوم الجمركية والضريبية للمشتقات النفطية. فمثلا الحكومة تحتسب سعر صرف الدولار لأغراض التعرفة الجمركية بـ 500 ريال. بينما تحتسبه سلطات صنعاء بـ 250 ريال. وبالتالي صرحت الحكومة أن إيرادات ميناء الحديدة خلال أربعة أشهر من الهدنة (من أبريل إلى أغسطس) بحسبتها بلغت 105 مليار بمعدل حوالي 26 مليار ريال شهريا بينما تقول سلطات صنعاء أن الإيرادات أقل من ذلك بكثير إلا أنها لم تصدر أي بيانات رسمية شفافة توضح حجم الإيرادات في ميناء الحديدة منذ بدء الهدنة (أو على الأقل أنا شخصيا لم أجد هذه البيانات). بعض التقديرات تشير إلى أن الإيرادات بطريقة احتساب صنعاء قد تتراوح ما بين 10 مليار إلى 15 مليار. بحسب سعر المشتقات عالمياً وأي جزء من الإيرادات يتم احتسابه.

أتمنى أن أكون قد وضحت لكم (من؟) و (كم؟) وغداً إن شاء الله اختتم المنشورات بعرض تفاصيل الـ (كيف؟) أو آلية تجميع الإيرادات وصرف الرواتب والجوانب المختلفة المتعلقة بها وكذلك حصر قائمة المواضيع التي تتطلب تفاوض واتفاق حولها من الطرفين كي نصل إلى حل لهذه القضية المعقدة.

من صفحة الكاتب في فيسبوك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى