ملفات

عظمة «المَقَاطِرَة» ونسائها

عام 1922م، بدأتْ «انتفاضة المُقَاطِرَة» ضد سلطة «الإِمَام» يحيى، واستمرتْ لنحو عامين؛ إذ استعصتْ المنطقة على قادته وجنوده، ولم يتمكّن علي الوزير من إخماد انتفاضتها، ودخول قلعتها، إلاَّ بمساندة مشايخ معروفين في «الحُجَرِيَّة»، جرى، فيما بعد، التّنكِيل بهم قتلاً وحبساً من قِبَل «الإمام» و»الوزير». «البردوني»، قال: إن تلك الانتفاضة هي «أروع الانتفاضات» الوطنية، التي تمت ضد «الإِمَام» يحيى في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. حينها، تبنّتْ سلطة «الإِمَام» حملة دعائية كَفَّرتْ أهالي «المَقَاطِرَة»: قالت إن حركتهم «حركة إنجليزية تستهدف القضاء على الإسلام»! قالت: إنهم «تركوا الصلاة، وخرّبوا المساجد، وأبطلوا عقود الأنكحة»! قالت: إنهم «زَنَادِقة»، و»خرجوا عن المِلّة»! بعد ذلك، حاولتْ تشويه انتفاضتهم، عبر إلصاق تهمة الطائفية بها، كما قال «البردوني». وكتاب عبد الكريم مطهر، «رأس الحكمة في سيرة إمام الأمة»، شاهد على حملات التَّكفِير والتشويه تلك. وقد كان ذلك الكتاب بمثابة أداة دعائية لموقف رسمي، إذ طُبِعَ في المطبعة الرسمية (مطبعة الإيمان)، وكان مؤلِّفه أحد موظَّفي «الإِمَام» يحيى (المسؤول عن كتابة رسائله). عموماً، فتكفير الخصوم والتشنيع بهم هو نهجاً متأصلاً وسياسة ثابتة لدى الأئمة؛ منذ جاء «الهادي» إلى «صَعْدة» عام 284 هـ، وحتى ظهور «الحوثي» ما بعد عام 2004.
وإذا كان اللافت هو تركيز عبد الكريم مطهر، في كتابه، على قيام «نساء المَقَاطِرَة» بشتم «الجنود بأعلى الأصوات وبالكلمات النابية»، فالظريف هو تعليق «البردوني» عليه: «رَدَّد «مطهر» هذا الاستنكار على النساء في أكثر من مكان، لأنه اعتاد تقديس النساء للإمام وأراد أن يقيس نساء «المقاطِرة» بنساء «صَعْدة» و»الحَيْمَتِين»، حيث كانت كل أم تُلقِّن أطفالها كرامات الإمام وانتصاراته ومزايا شخصيته، وهذا ما أثار استنكار «عبد الكريم مطهر» على نساء «المقاطِرة»، ولم يسجل على النساء في المناطق المتمردة الأخرى أي خبر لأنهن لم يدخلن المقاومة كالمقطريات اللواتي كنَّ يرمين الجيش الإمامي بالحجارة ويضربنه بالفؤوس». ويبدو أن «البردوني» نسي ابنة علي بن عبدالله جُبَاَح، التي قاتلت مع والدها عندما تَمَرَّدَ على «الإِمَام» يحيى، سنة 1338هـ (1919)، في «العَاقِبَةِ»، «إحدى العُزَلِ السُّفْلَى من بلدِ العُدَيْن». وفي هامش الصفحة 133، يذكر مُحَقِّق كتاب «كتيبة الحِكمة»، نقلاً عن كتاب: «حياة الأمير»، أن ابنة «جُبَاح» كانت «فارسة مُقَاتِلة». حينها، نَكَّلَ مُقَاتِلو «الإِمَام»، بقيادة علي الوزير، بأهل «العَاقِبَة»، «وأحرقوا عدداً من قراهم»().
يَظُنّ كثيرون أن سبب إطلاق مقولة «اليمن مقبرة الأتراك»، أو «مقبرة الغزاة»، عائد إلى ما أبدته مناطق شمال الشمال من مقاومة للوجود العثماني، وقتلها لعدد كبير من جنوده، وهذا غير صحيح. المؤكد أن هذه المقولة قِيْلَت، في البداية، بسبب ما أبدته «المَقَاطِرَة» من بسالة في قتال العثمانيين. يقول «البردوني»، في كِتَابِه المشار إليه سابقاً: إن «المَقَاطِرَة» عريقة «في التاريخ النضالي ضد الأتراك، حتى أنها اشتهرت، في آخر القرن التاسع عشر، بأنها «مقبرة الأتراك»؛ لأنها دحرت المشير عاصم الشهير بالبراعة القيادية والمراس العسكري». وإذ أكد أن «قلعة المَقَاطِرَة» كانت «أول قلعة شمخت في وجه الجيش التركي، في إبان الغزوة الثانية»، أشار إلى أن «زعماء المقاطرة تبنّوا النضال ضد الأتراك وأعوانهم، وكانت انتصاراتهم على الجيش التركي طائرة الصيت». يستطرد: «قلعة «المقاطرة» كانت أسبق من حصن «شَهَارَة» في صراع الأتراك؛ لأن قائد نضال «شَهَارَة» كان يتراوح بين المفاوضة والمقاومة، وكان يقبل الاحتلال إذا أتاح له المُحتَل التَّوَلِّي على الزكوات والأوقاف بدون فرض زيادات في الضرائب السنوية المتفق عليها، أما المقاطرة بزعامة «آل علي سعد» فانتهجت النضال بلا مساومة»().
وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن «شَهَارَة» كانت معقل «الأئِمَّة» خلال قتالهم للأتراك، فسندرك أهمية ما قاله «البردوني»؛ فهو لم يقُل، فقط، إن أهالي «المَقَاطِرَة» كانوا أسبق من «الأئِمَّة» في قتال المُحْتَل، «إبان الغزوة الثانية»، بل أكد أن «المَقَاطِرَة» كانوا، في قتالهم ذاك، ينطلقون من منطلقات وطنية خالصة، فيما كان «الأئِمَّة» ينطلقون من مصالح شخصية انتهازية بحتة. وهذا يكشف مستويين من الوعي: وعي وطني قاتل الأجنبي الغازي «بلا مساومة»، ووعي انتهازي غير وطني قاتل من أجل «المساومة»؛ بهدف تحقيق مصالح خاصة. وعي وطني قاتل دفاعاً عن أرضه رفضاً لـ»أجنبي غازي»، ووعي انتهازي دخيل لم يُقاتل أجنبي غزى أرضه، بل منافساً يريد الحصول منه على أكبر قدر من المكاسب. و»صُلح دَعَّان»، الذي عُقِدَ عام 1911م بين العثمانيين و»الإِمَام» يحيى حميد الدين، يؤكد ما ذهبنا إليه، كما يؤكد طائفية ومناطقية الأخير. وبموجب هذا الصُّلح، مَنَحَ العثمانيون، كما هو معروف، «حُكْمَاً ذاتياً» في مناطق شمال الشمال المعتنقة لـ»المذهب الزَّيْدِيِّ»، كما منحوه، ومشايخ القبائل التابعين له، مبلغاً مالياً شهرياً. ومنذ ذاك، توقَّف «الإِمَام» عن تكفير العثمانيين، وكَفَّ عن دعوة الناس لقتالهم باعتبار ذلك «جِهَادَاً في سبيل الله»، وصار يقول: إنهم «إخوان» له في الدين والمِلَّة»! ما يعني أنه كان يستخدم الدين لخدمة مصالحه. ومن يقرأ التاريخ سيدرك أن هذا التوظيف الانتهازي للدين هو استراتيجية دائمة، وسلوك ثابت، لدى جميع «الأئِمَّة».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى