مقالات رأي

زيارة إلى عبدالسلام مقبل ولقاء في بيت الغشمي

عن عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (9)

في نفس الأسبوع، التقيت الرفيق محمد سالم الشيباني، وقد وضعته في صورة ما لدي، ولقائي الأخير بالرئيس، وأبلغته رسالة الأخ صالح الأشول بضرورة تفعيل نشاط سكرتارية الجبهة الوطنية، والتعويل على الحزب الديمقراطي في هذا الأمر، وفي تحريك بقية الفصائل. قال لي محمد الشيباني أموراً كثيرة، لكنه ركز على موضوع خطير، وقال: “هناك همهمات وروائح حول احتمال وقوع انقلاب عسكري، وإذا صحَّتْ هذه الشائعات فإن مصير خططنا مع بقية اليسار والقوى الوطنية الأخرى محفوفة بالمخاطر”، واقترح عليِّ زيارة الأخ عبدالسلام مقبل، وهو من أهم القيادات الناصرية، وربما هو المسؤول السياسي.. وفعلاً ذهبنا إلى منزله (إيجار) في المنطقة الواقعة بين الدائري الغربي وشارع هائل، ورحّب بنا بحرارة، وتطرق الحديث إلى موضوع شائعة الانقلاب، إلا أن كلا الرجلين أكدا الشائعات، وأنكر كل منهما علاقة حزبه بموضوع كهذا. بعد خروجنا، قال محمد الشيباني إنه اشتم ريحة انقلابية من حديث عبدالسلام مقبل.

يحيى المتوكل

كُنتُ أنا مستمعاً، والنقاش انصب في رفض الانقلاب على الحمدي، وحالة البلاد الصعبة وتوقف حركة التنمية، وأثار عبدالسلام مقبل إقدام الغشمي على تصفية الوجود العسكري لجماعة الحمدي، وذكر التوترات حول عبدالله عبدالعالم، ومجاهد القهالي، وغيرهما. وتساءل عبدالسلام على موقف الجنوب، وعلى الجبهة الوطنية الديمقراطية؛ هل سيتحركون عسكرياً؟ وقال إنه يود إعلام الناصريين بهذا التحرك إن حدث. واتفق الرجلان أن صالح الهديان هو صاحب الصولة والجولة في البلاد..

[بعد خروجنا]، سألت الأخ محمد الشيباني ما هي خططنا التي يخاف عليها، قال لي: “اسأل صاحبك عبدالوارث، وقُلّه بلاش تَرَدُّد، وكِثرة التأني والحسابات الزائدة عن المطلوب قد تفوت علينا اللحظة التاريخية”.

وفي اليوم الرابع من لقائنا الأخير، جاء اتصال من الأخ أحمد منصور أن الرئيس يريدني غداً الصباح في القصر الجمهوري، الساعة التاسعة صباحاً، وكنت في مقيل مع عبدالوارث في منزل الأخ عبدالحفيظ بهران. قال عبدالوارث: “إلى جانب آرائي السابقة، ما رأيك تناقشه حول دولة أبناء القبائل، والتي ينبغي أن تكون دولة حضارية يحكمها النظام والقانون وليست دولة للمشايخ.. كل شيخ قبيلة يفرض رأيه ونصيبه من الوزارات والمحافظات والميزانيات، وإذا سارت الأمور هكذا فسوف تكون النتائج فشل وإخفاق، وبالتالي تذهب رغبة الرئيس وجهوده في مهب الريح؟ قل له إن دول عظيمة قامت في العالم على أسس قبلية مثال دولة قبيلة قريش على يد الرسول (ص) وصحابته، ودولة بني أمية، ودولة بني العباس، ودولة الصليحيين، وآل يعفر، ودولة بني طاهر.. كلها قامت على القبيلة، ولكنها صنعت إنجازات عظيمة، ويذكرها التاريخ حتى اليوم وإلى الأبد. المهم ابذل جهداً حتى تتعزز ثقة الرئيس فيك أكثر”.

التقيت الرئيس في القصر الجمهوري. كان يتناول الفطور مع بعض موظفي مكتبه، وبعض الحراسة. قال، أول ما رآني: “لا سلام على طعام، تعال اِفطر”. جلست على المائدة، وإذا الفطور عبارة عن فول وكدم وسحاوق وجبن. ولأني جائع فقد انصرف الجميع عن المائدة وبقيت لوحدي منجذباً للذة الفول والكدم، والتي لم أتذوق مثلها من قبل.

فتح الرئيس الحديث بالقول: “ماذا عندك؟ أريدك تتحرك حتى تصبح زعيم الجبهة القومية، والجبهة الوطنية والأحزاب هنا في الشمال، وركز على الحزب الحركي”. سألت: “تقصد الحزب الديمقراطي؟”. أجاب: “نعم، هو أخطر جماعة رغم الضربات المتواصلة عليه، لكنه يقوم ويتحرك من جديد”. قُلتُ له: “أنا في قيادة هذا الحزب، ولي تأثير فيه، فإذا في شيء محدد لديك أنا جاهز”، ثم طرحت معه، بإيجاز شديد، مقترحات عبدالوارث عبدالكريم التي وجهني بها. عَلَّق الرئيس: “هذا كلام جِيد، وأنا أريد أن تكتبه كتابة حتى لا أنسى”. قُلتُ له: “إذاً سأكتب برنامج سياسي وأراجعه معك”. قال: “تمام، لكن لا تُكَثِّر؛ صفحة أو صفحتين فقط، ما عندي نفس للقراءة الكثيرة، واكتب كل شيء واضح مش مثل بعض المثقفين يكتب وما تعرف ما يريد”. وأضاف: “أما الجنوب فلا يغيب عن رأسك أبداً، وأشتي منك تقوّي علاقتك بسالم ربيع علي، وعلي عنتر، وعلي ناصر، أما عبدالفتاح إسماعيل وأصحابه فهم يشتوا دوله مثل الصين وكوبا وألمانيا الشرقية، لأنهم ضد القبيلة”.

استمر اللقاء خمسين دقيقة، حتى وصول عبدالعزيز عبدالغني، رئيس الوزراء، والذي قال للرئيس إن مجلس الوزراء مكتمل وفي انتظاره في هذه اللحظة. دخل أحد حراس الرئيس، وقال له إن هناك “قات شامي” (أجمل وأغلى أنواع القات). جَوَّبْتُ أنا: “وأين القات؟”. التفت الرئيس نحوي وضحك، وقال للحارس: “وصل القات لأبو أُصبع، يا جائفي”.

أوصل الجائفي القات إلى سيارة الأخ أحمد منصور المنتظر في حديقة القصر. فتح أحمد القات، قال: “هذا القات غالي جداً”، وأقترح المقيل في ديوان زيد مطيع، وحضر الإخوان حق العادة. وقد أرسلت بقات لعبدالوارث، ومحمد الشيباني، وعبدالحميد حنيبر، وأخبرتني أختي أن أصحاب “بَرَط” مروا يسألون عني، وأخبروها أنهم سيعودون غداً الصباح، وكنت في انتظارهم، وهم أحمد بن علي فاضل، ومقبل بن علي أبو أصبع، وحمود بن ناجي أبو راس، وقالوا إن الوضع في المظلات قد ينفجر بأي لحظة، وأن هناك وحدات عسكرية تعيش ظروف قلق وتوقعات، وأن التوتر هو الجو السائد.. “وماذا نفعل نحن؛ هل لديكم أي توجيه؟”. كان الحديث في ديوان زيد عاماً ومتنوعاً، ولم أحدث أحداً بما دار بيني وبين الرئيس، لأن أخي أحمد قال ما بينك وبين الرئيس لا ينبغي أن يطلع عليه إلا قيادة الحزب ومن تريد هي.

حين التقيت محمد الشيباني، وأخبرته بما يريد الرئيس حول برنامج سياسي، ضحك وقهقه في ضحكته كثيراً، ثم قال: “هذا يشتي واحد خبير بالزَّامِل والبَرَع”، ثم عاد للكلام الجاد، وقال: “أعتقد أن أهم من يقدر على صياغة برنامج سياسي معقول، وفي مستوى الرئيس هو عبدالله الوصابي، وعبدالحفيظ بهران، وعبدالوارث، ومن الأفضل ألا يطلع أحد إلا في حدود دائرة مغلقة”. وقد أخذت كلام الشيباني مأخذ الجد، لأن محمد سالم الشيباني من أنضج السياسيين في الحركة الوطنية الحديثة، وأكثرهم فهماً للواقع بشهادة محمد عبدالرحمن الرباعي وآخرين. اعتكفنا على صياغة البرنامج في منزل عبدالله الوصابي، كان حينها يشغل منصب نائب وزير الإعلام.. كنّا نفس الأسماء، حسب مقترح الأخ محمد الشيباني. وبعد نقاشات عديدة، قال الوصابي: “في ضوء نقاشاتنا، سوف يُعَدّ مشروع برنامج، ثم نلتقي بعد ثلاثة أيام مراعاة لظروف الجميع”.

والتقينا وقرأ علينا المشروع، وقد أقسم عبدالله الوصابي أنه لم يواجه صعوبة في كتابة أي مشروع مثلما واجه صعوبة في إعداد هذا البرنامج. ومعروف أن عبدالله الوصابي كاتب ومفكر ويملك قلماً صحفياً حاداً وجاداً، فقد وصفه الشيخ صالح بن ناجي الرويشان، محافظ إب، بأنه (الوصابي) “هيكل اليمن” (محمد حسنين هيكل)، كما أنه من فَجَّر الصراع في الجبهة القومية، عقب الاستقلال، وقد أنيط به رئاسة تحرير صحيفة الثوري، الناطقة باسم الجبهة القومية آنذاك، بمقال ناري تحت عنوان “استبدلنا أصحاب العيون الزرق بأصحاب العيون السود”، وفرّ، على إثر المقال، عائداً إلى الشمال، بمساعدة اليسار آنذاك.

بعد حوالي أسبوع، ذهبت إلى الرئيس في بيته، في الدائري الجنوبي، الساعة 12 ظهراً، حسب ما حدد لي. انتظرت في غرفة الحراسة، وقد جاء كل من الرائد يحيى المتوكل (كان عميداً إلا أن الحمدي خفّض الرتب العسكرية إلى مستوى رائد)، ومحمد عبدالله أبو لحوم، ومجاهد أبو شوارب، وأحمد جابر عفيف. وانتظرنا في غرفة الحراسة، وجاء رئيس الوزراء عبدالعزيز عبدالغني ودخل رأساً إلى البيت، ولم ينتظر معنا. وصل، أيضاً، هادي الحشيشي، من “سنحان”، وحمود الصبري، شيخ “الحَيْمَة”، حتى اكتظت الغرفة بالموجودين، فاقترح يحيى محمد المتوكل حوش البيت للانتظار فيه. وفي الساعة الواحدة سمح الرئيس لنا جميعاً بالدخول إلى البيت.

لا شك أن جزءاً من الحديث، أثناء الانتظار، دار حول قضيتي، وكان محمد عبدالله أبو لحوم، وحمود الصبري، ويحيى المتوكل، من المتعاطفين والمدافعين عني وعن منطقتي، وأكثرهم حماساً محمد عبدالله أبو لحوم، وهو الذي أبعده الحمدي من قيادة الكتيبة السادسة مدرع، وعيّن خلفاً له أحمد حسين الغشمي، ثم أصبحت هذه الكتيبة نواة الفرقة الأولى مدرع.

أَسَرَّ في أذني الأخ يحيى المتوكل- كان سفيراً في باريس أو أمريكا من أيام الحمدي كما أذكر: “حاول أن تمر عليَّ إلى البيت، أخوك أحمد يعرفه”، وهو البيت الكائن في حي الكميم، جوار بيت علي عبد الله صالح، وكان في بداية إنشائه. ثم جاء الأخ محمد الآنسي، مسؤول مكتب الرئيس، وهو معروف بالنشاط والحيوية، وبقدرات حركية لا يتوقف، وهو من يدير كل شيء للرئيس، وقد تم استبعاده عام 1980 لشكوك حوله في تدبير انقلاب على علي عبدالله صالح، وأنه كان على تواصل بمجاهد القهالي، وبالجبهة الوطنية، ولم تتح لي فرصة للتأكد عن أسباب استبعاده والسخط عليه، وهو ما زال على قيد الحياة، وصديق لكل الناس.

أخذونا إلى سفرة الغداء. قمت من السفرة قبل الجميع، لأن شهيتي ضعيفة (كان وزن جسمي بين 46 – 47 كيلو). دخلت الديوان، وهو مزدحم بمشايخ ووجاهات محافظة تعز، وأذكر منهم علي محمد سعيد أنعم، وعلي بن عبدالله البحر، ومنصور شايف العريقي، وعلي سعيد الأصبحي، وعلي بن عبدالله الضباب، وعبدالرحمن صبر، وقاسم بجاش، ومحمد عبدالملك (شرعب). قُلتُ: “السلام تحية”، إلا أن الشيخ منصور شايف العريقي قام وصافحني، وكنّا نعرف بعض من أيام كان مدير عام مديرية ذي السفال، وكان له علاقة قوية بمطيع دماج، وأمين بن حسن أبو راس، وصديق لأخي أحمد منصور، وقيل لي إنه على علاقة بالحركيين (حركة القوميين العرب). قَدَّمَنِي للحضور، فرحبوا بي، وسألوا جميعاً عن أخي أحمد منصور، الذي كان على علاقة مع جميع الشخصيات في تعز، وعلاقاته واسعة لا يملكها أي شخص آخر، وعبروا عن ارتياحهم لحل مشكلتي. ثم قال لي منصور شايف، وأنا بجانبه: “احذر دائماً ولا تطمئن لشيء”. قُلتُ له: “أين وصلتم بقضية عبدالله عبدالعالم؟”. قال: “الوضع متوتر جداً, الجماعة (يقصد السلطة) يخططون لدفعه إلى تعز، وإلى الحجرية، ليتم لهم ضرب الحجرية وكل تعز، والرجل مضطرب جداً، والأجهزة يثيرون في وجهه الشائعات والدعايات والتخويفات في كل لحظة، وربشوه، بحيث لا تقدر تعرف ما يريد، لكنه وطني صادق ومقهور على صاحبه الحمدي”.

وصاح بي الوالد علي محمد سعيد، المعروف بعلاقته الحميمة بالسبتمبريين، وهو كان عضو مجلس قيادة الثورة في 26 سبتمبر 1962، قال: “كفاية يا يحيى مشاكل، وكَثَّر خير أصحابك في البلاد، والذين هم أوفى الناس معك، وأخوك أحمد قد تعب كثيراً جداً، وأنت السبب في كل متاعبه”. قُلتُ له: “حاضر، نصائحك فوق العين والرأس”.

وصل الرئيس وحده، أما ضيوف الغداء فقد انصرفوا مباشرة. قُمتُ من مكاني، وقُلتُ له: “سيدي الرئيس أستأذن فأنتم مشغولين”، حَرَّك رأسه بالموافقة، وخرجت وفي المدخل كان الشيخ علي بن عبدالله البحر، شيخ “ماوية”، وكان في حينه من أقوى شخصيات تعز، في حديث مع الشيخ الضباب، فمسك بيدي، وقال لي: “كفاية مشاكل، واقطع علاقتك بالجنوب الشيوعي، وبالمخربين، وأنا ألتزم لك بترتيب وضعك عند الرئيس”. قُلتُ له: “مرحباً يا عم علي” (طبعاً هو يتعامل معي باعتباره من كبار “ذو محمد” وهو من “خميس ذو زيد”). قُلتُ له: “هل تقدر، يا عم علي، تقنع أولادك يتركوا الحركيين، أو اليسار؟”. قال: “هذه مصيبتك، أنت وأبني محمد أدخلتم أولادي إلى الشيوعية”. وطبعاً ابنه الدكتور محمد علي البحر كنت أنا وهو من المؤسسين للشبيبة الديمقراطية التابعة للاتحاد الشعبي الديمقراطي، الذي كان يتزعمه عبدالله عبدالرزاق باذيب، منذ عام 1963، وكان معنا الرفاق أحمد أبوبكر الحداد، وحسن علي مجلي، ومحمود الكوكباني، ومحمد عقيل الإرياني، وأحمد حميد ثابت، والتحق، فيما بعد، الأخ قائد محمد طربوش. وفعلاً، كان أولاد الشيخ البحر، وأبناء أسرته، من خيرة كوادر الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، وكانوا في الظروف الصعبة والقاسية مأوى ومخبأ لكوادر الحزب ووثائقه في بيت الشيخ الكائن في “حوض الأشراف”، في مدينة تعز. سألته: “وكيف الوضع في المضلات؟”. أجاب: “معصودة، ومركوضة، ونحن أهالي تعز لا نريدهم يصدرون المشكلة إلينا، يعالجوها في صنعاء وإلا يشلوهم الجن”. وأخذت مُتر من الشارع حتى أوصلني إلى منزل أخي، واتصلنا بالإخوان من أجل التخزينة. أقترح عبدالحفيظ عنده في البيت، لأن عبدالوارث عبدالكريم قريب منه.

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى