مقالات رأي

يوم قال الغشمي: أقسم بالله إني لو شميت ريحة تحرك ضدي لقطعته من النُّص، ولو كان علي عبدالله صالح

عن عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (14)

وتحدث علي شويط عن “وفاء قبائلكم”، وذكر بإعزاز الشيخ عبدالعزيز الصلاحي – “صاحب عدن جود” (“صُهْبَان”). قال: “كانت العملية صعبة للغاية في بيت منير في مدينة إب، وهو بيت محمد حسن المتوكل، عامل إب (مدير عام).. اشتبكنا مع الحراسة، وكنت أنا وحزام الشعيبي مُكَلَّفِين بها، ووجود جنود آخرين لم نحسب حسابهم، وتقاتلنا معهم بالسلاح الأبيض، وتمكن حزام الشعبي من نقلي بعد إصابتي بطلقة من بندق موزر في الحوض، وما زالت تؤلمني، وسوف تلازمني مدى الحياة، حملني حزام الشعبي على ظهره إلى بيت أحمد حسن البربري، في الجبل الذي فوق مدينة إب، وفي اليوم الثاني، وخشية التفتيش في الأماكن القريبة من المدينة، نقلني المناضل حزام الشعبي والبربري، على ظهريهما، وفوق الحمار أحياناً، إلى عدن جود، مديرية السياني، بيت عبدالعزيز الصلاحي، وقد انسحب البربري حتى لا يراه الشيخ عبدالعزيز، والذي كان يحب الإمام، ومن المتشيعين للإمامة، كما أنه كان أغنى مشايخ وملاك المنطقة. ودقدق الباب حزام الشعبي، والوقت قريب الفجر، فتح عبدالعزيز الباب، ووجد حزام الشعبي، وقال له: فعلت المصيبة في إب، في بيت الدولة، وذلحين جئت عندي يا بن الشعبي.. كانت الأخبار قد شاعت والفاعلين معروفين.. جوب عليه حزام: والله ما هو أنا الذي عملت التفجير في إب، وإنما هو هذا الشخص، وأشار إليَّ وأنا راقد في الأرض. قال له: هذا من؟ قال له: “علي ناصر شويط، من بني صريم حاشد”.

“الله أكبر”، قال الشيخ عبدالعزيز الصلاحي، “آه والفَعْلَة.. وماله راقد على الأرض وإلا مصاب؟!”.

صورة قديمة تجمع الغشمي وعلي صالح في فترة حكم الحمدي

طبعاً عبدالعزيز يعرف الناس، ويعرف العرف القبلي، وله علاقات بـ “عرائف البَرَّانِي” و”العُكْفَة”، فهو غني جداً، كل الناس يترددون عليه. قال: “وليش جئتم عندي؟”. قال حزام الشعبي: “الضرورة ألجأتنا إليك”. قال: “تشتوا مصاريف؟”. أجاب: “لا، بل نشتيك تخفي علي شويط، وتعالجه، فهو مصاب برصاصة في الحوض، ولا يستطيع الحركة”. قال: “ثم تقدم الشيخ نحوي، وبيده فانوس ضوء ونظر في مكان الإصابة والدماء في كل مكان في الجسم، فمسك بيدي، وقال: يا شعبي، ساعدني. ونقلوني إلى الدور الخامس في قصره العامر.. كان يوجد معه مكان في السقف على شكل طيرمانة، وحفظني وعالجني، وأكلني وشربني أفضل أنواع العسل، ولمدة شهر كامل وأنا في الطابق الأعلى، والخدم من النساء يخدمنني في غيابه، وهن لا يعرفن شيئاً عني”. وأضاف شويط: “ولهذا أزوره كل سنة وأتعامل معه كأبي تماماً وأكثر”.

ذهبت إلى القيادة العامة للقوات المسلحة الساعة التاسعة صباحاً. وقفت أمام مدخل مكتب الرئيس في الحوش، وإذا بالرئيس يخرج. سَلَّمت بيدي. رد السلام، وأمر أحد المرافقين بأن يأخذني بعده. جاءني الضابط، واسمه الشعساني من “سَنْحَان”، وأطلعني الطقم بجانب السائق، وهو بجانبي، وحسيت أن معاملتي فيها خشونة. عرفت أن الضابط فهم أمر الرئيس وكأني محتجز، ولم نتحدث بشيء حتى وصولنا إلى “النَّهْدِين”، مقر الكتيبة السابعة مدرع.

وبعد خروج الرئيس من الاجتماع سَلَّمت عليه بالصوت واليد، لأني شعرت أن الضابط الشعساني قد أمر السائق بعدم السماح لي بالنزول من الطقم. رآني الرئيس ودعاني وقدمني للأخ محمد السنباني، قائد الكتيبة السابعة مدرع، ومن يومها احتفظنا بصداقة وطيدة، وخاصة من بعد الوحدة، حين شغل منصب قائد إب العسكري، وحتى استشهاده بغارة جوية سعودية- إماراتية على منزله المدني، ولقي حتفه، هو وأغلب أفراد أسرته، وتضررت معظم الحارة من جراء هذه الغارات العشوائية والإجرامية على المدنيين الأبرياء. رحم الله محمد أحمد السنباني، وزوجته الفاضلة، والتي قدَّمت لنا أفضل “السَّبَايا”. كنت في إب بعد الوحدة، وأنا مسؤول منظمة الحزب الاشتراكي، أطلب أو أعزم نفسي عند القائد من أجل “بنت الصحن” و”السَّبَايا”. وللعلم فإن أفضل وأشهى مطبخ في اليمن في إعداد الوجبات الراقية والشهية جداً هو “مطبخ سَنَبَان”، في منطقة “عَنْس”، مديرية ميفعة، محافظة ذمار. وتعتبر “سَنَبَان” مركز المنطقة الوسطى في المطبخ اليمني، أو ما جاورها، سواءً في إعداد “العَصِيد” المتميز، أو الخبز والفطير و”السَّبَايَا”، وهي أكلات جداً راقية تتفوق على بقية المطابخ اليمنية في الأكلات التقليدية الأصيلة.

أعود للرئيس.. قُلتُ له: “يظهر أن الضابط الذي أنا معه في الطقم قد فهم أنني محتجز!”. ضحك الرئيس، وقال: “خلاص، اِطلَع معي في السيارة”. جلست خلف السائق بجانب الرئيس، ومشينا. لاحظت أن الرئيس يوجه الموكب هو، يقول لسائقه: “قُدَّاَم، إلى اليمين، إلى الشمال”، وعلى موكب الحراسات أن يتبعوا إشارة سيارة الرئيس. بمعنى أن الرئيس وحده هو من يحدد ويوجه مسيرته، وليس القيادة الأمنية والعسكرية المسؤولة عن حراسة الرئيس وتحركاته. لم يتكلم أبداً، ولم أحاول أتطفل بالحديث دون رغبته.

وصلنا معسكر قوات الاحتياط، وفجأة نزل الرئيس، وقال لي: “اِبقى”، بمعنى لا أنزل من السيارة. وفي حوش المعسكر، لم يكن أحد في استقباله. ومعلوم أن حمود قطينة، هو القائد للاحتياط، وقد سافر أمس إلى موسكو. استقبله بعشوائية الضباط والجنود، ودخل المقر يحيط به حراسته.

وقد عَرَفَنِي بعض الضباط من أصحابنا من أبناء “بَرَط”. وبعد برهة خرج إليَّ الأخ ناجي محسن الدميني، وهو رفيق ومسؤول كبير في الاحتياط. أنزلني من السيارة، احتياط لتجنب التنصت، وقال: “الرئيس أصدر أمراً عسكرياً بتحرُّك قوات الاحتياط صوب الغرب دون تحديد أي مكان بعينه”، وأن “التَّحَرُّك سيبدأ بعد صلاة المغرب يومنا هذا الأربعاء”، وطلب رأيي بالتصرف (هذا الضابط هو واحد من ضباط آخرين وقد كسبتهم إلى الحزب بعد صدور العفو الرئاسي لي ولعبدالوارث من الرئيس إبراهيم الحمدي في أبريل 1977، وساهم في تشكيل منظمات حزبية في “بَرَط” والجوف و”حَرْف سُفْيَان”). قُلتُ له: “ليس لي علاقة بالعمل العسكري، اسألوا القيادة المباشرة في الحزب الديمقراطي”.

خَرَجَ الرئيس بعد أن أمضى نصف ساعة، واتجه الموكب شرقاً إلى معسكر في منطقة “هَبْرَة”، أو “مُسِيك”، لم أعد أذكر، وبنفس الوضع هو الذي وَجَّه المسيرة، بإشارة سيارته ودون أن يتحدث بشيء. واستمر في هذا المعسكر أكثر من نصف ساعة، وأنا في السيارة. وفي طريق العودة لاحظت حالة من السرور بادية على وجهه، في الوقت الذي لَفَّتْنِي حالة من الغم والهم والتوجس المريب.

كان الرئيس قد أمر مرافقه الذي في الأمام بصب الشاهي المُلَبَّن، ولكني كنت أبلعه كالعلقم. وفي بيت الرئيس، بحثت بتركيز عن الحديث المناسب لأفاتح الرئيس عن هذه التحركات. قُلتُ للرئيس: “لاحظت أنك كنت توجه موكب تحركاتك من خلال إشارة السيارة، والذي لفت نظري هو تركيزك على الشوارع والجولات والملفات دون سهو أو غلط.. ما شاء الله على هذه الذاكرة المُرَكِّزَة”. قال: “شوف، ما أكذب عليك.. الوضع الأمني والعسكري غير مطمئن في كل شيء، وقد بدأت أصحح الوضع بتحركات اليوم.. لا يمكن الركون والثقة بالأوضاع على ما كانت أيام الحمدي، رغم التخلص من مجاهد القهالي، وعبدالله عبدالعالم، وخطورتهما الكبيرة”، تحرك الرئيس إلى الحمام.

كان كلام الرئيس على مسامعي بمثابة عاصفة من البلبلة والربكة والاضطراب بخصوص الانقلاب، وعلى مصيري شخصياً من زاوية الشك أن تحركاتنا قد وصلت إليه، ولكن تماسكت، وبذلت قصارى جهدي حتى تظهر على وجهي ونبرات صوتي أن الأمور طبيعية وعادية جداً، بل وإظهار الشعور بالارتياح ليقظة الرئيس وتحركاته، وبحثت عن سؤال يعود بي إلى التوضيح أكثر من الرئيس. قُلتُ له: “يا أخ الرئيس، أنا مرتاح لتقييمك للأوضاع والمعالجات التي تتخذها وأنت محق، لأن انقلاب الحمدي على الإرياني، وانقلابك على الحمدي، قد شجع دون أدنى شك ضباط في الجيش والأمن على أن يسلكوا طريق الانقلابات، وكل يدعي بأحقية الرئاسة”. لفت عليَّ بتركيز، وقال: “نعم، ما قلته صحيح، ولكن أقسم لك أنه لو سمعت أو شميت ريحة تحرك معادي لي لقطعته من النص (الخصر)، ولو كان علي عبدالله صالح”. فوجئت بهذا المثل، وقُلتُ: “كيف يا رئيس تذكر علي عبدالله صالح في هذه المناسبة الحساسة، دون ذكر إخوانك، أو أبنائك، أو أحد من أسرتك؟!”. قال: “شوف، علي عبدالله صالح مُقَدَّم عليهم جميعاً، بمكانته في عقلي وقلبي”. وواصل حديثه: “كنت في أول السبعينات مريضاً بالفقرات، حق العمود الفقري في ظهري (الفقرات القطنية)، وجمعوا لي مصاريف في الوحدة العسكرية، ومن الدفاع، وذهبت إلى أسمرة في أرتيريا، ورافقني علي عبدالله صالح، وظَلَّيت شهرين كاملين وأنا راقد على السرير، قبل إجراء العملية، لا أستطيع القيام، أو الجلوس، أو دخول الحمام، وعلي عبدالله صالح خدمني مثل الأم مع طفلها الصغير، دون أن يضجر، أو يتأفف، ولهذا اعتبره مُقَدَّم على كل من يقرب لي”. ونصحني بتحسين العلاقة معه، وأضاف: “أنا باكلمه يهتم بك”. قُلتُ للرئيس: “اليوم متاعبك كثيرة سوف نؤجل أمورنا إلى لقاء آخر (لأنني في وضع مضطرب على مصير خططنا العسكرية)”، وودعني وهو يقول: “رغم التعب اليوم، إلا أنني مرتاح، وسوف تأتيك الأخبار مساء اليوم”. وقبل أن أنصرف، سألت إذا يوجد قات من باب العادة، وحتى أظهر الاهتمام بالقات، وليس بما في رأسي من عواصف و”جَعَاثِير” (غوبة شديدة). قال: “شوف الجائفي أو الضُّلَاعِي”.

أوصلتني سيارة الرئيس إلى منزل أحمد قاسم دماج، عند أختي، وأنا كنت بحالة من الوساوس والتشويش، بالإضافة إلى أني جائع لم أفطر، وعلى غداء يوم أمس. وصلت على “العَصِيد”، الغداء الحامض، وأكلت والاضطراب أخذ مني كل مأخذ، ولم أتكلم، وقال لي أحمد قاسم: “مالك مش على بعضك؟!”. قُلتُ له: “صدقت والله أن كل جزء في جسمي بمكان”، وتحدثت معه حول أسباب اضطرابي (في حدود معينه). قال: “ينبغي الحذر الشديد، واحتمال علم الرئيس وارد تماماً”.

تحركت أبحث عن عبدالوارث بحذر شديد، وقِيلَ لي إنه قد نقل مكان آخر. طرحت خبر عند صاحبة البيت أني أريده على وجه السرعة، وأنا في بيت عبدالحفيظ بهران. وبعد صلاة العصر جاءني حسن الخولاني، وأخذني إلى مكان لم أعد أذكر هل هو بيت يحيى ياسين، أو عبدالجبار سعد، أو بيت شخص اسمه عبدالباقي، فقد كانوا جميعاً في المالية. رأيت عبدالوارث عبدالكريم على غير عادته متعباً ومرهقاً. قال لي: “منذ قابلت حمود قطينة أمس الأول زعلت، وقد قلت له إن زيارته لموسكو مثل زيارة مجاهد أبو شوارب إلى الصين حين أصدر الحمدي قراراً بإقالته من قوات المجد، وتعيين علي صلاح خلفاً له. ولم يكن متاحاً أن يؤجل أو يرفض الذهاب إلى موسكو، وما آلمني كثيراً هو إبلاغي قبل قليل بتحركات الغشمي إلى المعسكرات المتهمة بمعاداة النظام، والغشمي بصورة خاصة”. شرحت له زيارتي للرئيس، ومرافقته إلى المعسكرات الثلاثة، وما جرى بيننا من حديث، وطلب عبدالوارث أن أخبره عن كل صغيرة وكبيرة دون أن أهمل شيئاً في كل تحركات وسكنات الرئيس. قال: “إذاً، واضح أن الرئيس يريد قطع الطريق على أية محاولات تستهدفه، وعلينا أن نتابع أحداث الساعات القليلة القادمة”.

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى