تحركت أبحث عن عبدالوارث بحذر شديد، وقِيلَ لي إنه قد نقل مكان آخر. طرحت خبراً عند صاحبة البيت أني أريده على وجه السرعة، وأنا في بيت عبدالحفيظ بهران. وبعد صلاة العصر جاءني حسن الخولاني، وأخذني إلى مكان لم أعد أذكر هل هو بيت يحيى ياسين، أو عبدالجبار سعد، أو بيت شخص اسمه عبدالباقي، فقد كانوا جميعاً في المالية. رأيت عبدالوارث عبدالكريم على غير عادته متعباً ومرهقاً. قال لي: “منذ قابلت حمود قطينة أمس الأول زعلت، وقد قلت له إن زيارته لموسكو مثل زيارة مجاهد أبو شوارب إلى الصين حين أصدر الحمدي قراراً بإقالته من قوات المجد، وتعيين علي صلاح خلفاً له. ولم يكن متاحاً أن يؤجل أو يرفض الذهاب إلى موسكو، وما آلمني كثيراً هو إبلاغي قبل قليل بتحركات الغشمي إلى المعسكرات المتهمة بمعاداة النظام، والغشمي بصورة خاصة”. شرحت له زيارتي للرئيس، ومرافقته إلى المعسكرات الثلاثة، وما جرى بيننا من حديث، وطلب عبدالوارث أن أخبره عن كل صغيرة وكبيرة دون أن أهمل شيئاً في كل تحركات وسكنات الرئيس. قال: “إذاً، واضح أن الرئيس يريد قطع الطريق على أية محاولات تستهدفه، وعلينا أن نتابع أحداث الساعات القليلة القادمة”.
أحمد الغشمي
قال عبدالوارث عبدالكريم: “الأمور سوف تتضح خلال الساعات القليلة القادمة، وأين مصير تلك الوحدات العسكرية وفي أي اتجاه تم نقلها، ثم سألتقي بك مساءً، أو صباح الغد، فأنا مضطر لتغيير أماكن اختفائي وتحركاتي”. قُلتُ له: “وماذا بخصوص تساؤلات رفاقنا في هذه الوحدات المستهدفة بالخروج من صنعاء؟”. قال: “قد صدرت لهم التعليمات وهي في الطريق إليهم”.
عدت إلى منزل عبدالحفيظ بهران، وطلبت أن أخزن أنا وهو وحدنا، وضعته في صورة أخباري. كان عبدالحفيظ يقلب الدنيا أخماس بأسداس، وهو من الرجال الذين يتعاملون بجدية وعمق وبعد نظر. زادني هَمّ على غم. وفي الساعة العاشرة مساءً جاءني ضابط لا أعرفه، وأعطاني علامات، وأخذني إلى عبدالوارث، الذي كان في مكان قريب من بيت بهران. قال عبدالوارث: “قوات الاحتياط قد خرجت عن بكرة أبيها إلى منطقة “مَتْنَة” و”وادي السهمان”، في “بني مطر”، والمعلومات تقول إن الوجهة هي تهامة الحديدة، والكتيبة السابعة اتجهت ذمار، وأما الثالثة فإلى “سَنَحان”، أو “خُولان”، وجرت تنقلات في الشرطة العسكرية، والأمن العام. وختم حديثه أن موضوعنا الخاص (الانقلاب) تأجل حتى تتضح الصورة خلال الأيام القادمة، وليس الأسابيع.
طبعاً، كان مع عبدالوارث عدد من الأشخاص أعتقد أنهم عسكريون، ومن الخلية المسؤولة عن مشروع الانقلاب، ولم يكن من عاداتنا إطلاقاً أن نسأل ونستفهم عن الأسماء، أو العمل، فهذه من الأمور المحرمة تماماً، والتخاطب يتم بأسماء وألقاب حركية تنظيمية. في اليوم التالي، شاعت الأخبار عن إحباط محاولة انقلابية، وأن الرئيس الغشمي قضى عليها في مهدها.
وعن صحة عبدالوارث حدثنا الدكتور محمد قاسم الثور، أنا وعمه عبدالحفيظ، أن قرحة المعدة متعبة جداً، وأن اشتداد القلق والتوتر بصورة متواصلة قد يؤديان إلى نزيف دموي حاد، ونخشى أن نواجه صعوبة في إسعافه، أو إجراء عملية جراحية له. وأضاف: “لقد رفض أكثر من مرة إجراء العملية لمشاغله ومسؤولياته التي تثقل الجبال”، ووجه طلباً أن نعين عبدالوارث على أخذ قسط من الراحة والهدوء.
…
اتصلت بالرئيس بعد أسبوع من هذه الأحداث، وطلبت تحديد موعد مع الجبهة الوطنية الديمقراطية، بناءً على اتصال من الأخ صالح الأشول، والذي كان يعتبر مقرر السكرتارية الخاصة بقيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية. وبعد أسبوع، اتصلوا من المكتب، وقالوا إن اللقاء بالرئيس في القصر الجمهوري. رَحَّبَ الرئيس بنا، وقال: “هذا الاجتماع الثالث بالجبهة الوطنية، وهذا من إلحاح الشيخ يحيى منصور أبو أصبع”. عَلَّق عبدالرحمن مهيوب قائلاً: “هو شيخ الحزب الديمقراطي”. رد عليه الرئيس، بنبرة مرتفعة: “بل شيخ الحزب والجبهة الوطنية”. رد عليه الحضور: “ونحن موافقون”. ثم تساءل الرئيس: “وأين القيادات حق الجبهة الوطنية من الحركيين؟! وذكر سلطان عمر، وجار الله عمر، ويحيى الشامي، والهُمَزَة، والسلامي، والحدي، وأضاف: “وإلا جالسين في المناطق الوسطى يجهزون للكفاح المسلح، وما المانع من عودتهم إلى صنعاء بوجه الرئيس ألا يمسون من أية جهة؟!”. طرح عبدالقادر هاشم موضوع المعتقلين؛ سلطان القرشي وآخرين. هَزَّ الرئيس رأسه، وختم اللقاء، وقال موجه الحديث إلينا: “في الاجتماع القادم أريد أسمع خبراً عن قيادة الجبهة من الحركيين”.
التقيت عبدالوارث في مخبأ عبدالحميد حنيبر، والذي يعتبر المسؤول الثاني في الحزب الديمقراطي بعد المؤتمر الأخير المنعقد في زنجبار بأبين عام 1973، وهو المؤتمر الذي لم أحضره. كان الاثنان متعبين، وكان اللقاء من أجل توديع عبدالحميد حنيبر المجهز نفسه للسفر إلى عدن بالطرق الملتوية حسب العادة. وقد سمعت عبدالوارث يوجه نقداً حاداً للقيادة المتواجدة في عدن، ويتهمها بإهمال الجوانب السياسية والتنظيمية، والتباطؤ في عملية التنسيق مع فصائل اليسار، وأن لجنة تنسيق فصائل اليسار على طريق التوحيد لم تباشر عملها رغم مضي أسابيع على تشكيلها، ما جعل التواصل والتنسيق بين الفصائل في صنعاء غير فعال ولا حيوي. وأهم ما قاله عبدالوارث إن على قيادة الحزب الديمقراطي، وقيادة فصائل اليسار، والجبهة الوطنية، أن “يسترشدوا بالتقارير والمعلومات والتوجيهات التي ترسل من صنعاء، ومن الشمال عموماً، وليس الاستماع فقط لما تأمر به بعض أوساط الجبهة القومية، وأجهزة السلطة في عدن، من أصحاب الجملة الثورية، وشعار السلطة تنبع من فوهة البندقية من خلال حرب التحرير الشعبية، وحول المصاريف لا تكفي لأي شيء، لولا الاشتراكات والتبرعات من أعضاء الحزب على فقرهم”، وطلب عودة بعض الشخصيات والكوادر التي قد حددها بالتقرير المرسل في الشهر الماضي. وتحدث عبدالحميد عن صحة عبدالوارث، وقال له: “حرام عليك تعمل بنفسك هكذا؛ جهد وإرهاق ونشاط متواصل. لقد استهلكت صحتك، وماذا أقول للإخوان في عدن من تنفيذك للقرارات والتوجيهات للذهاب من أجل العلاج، وقد حصلوا على منح علاجية إلى كوبا أو ألمانيا لعلاجك؟!”. قال عبدالوارث: “لم يعد لي نفس للنزول إلى عدن، لأن الوضع هناك يسبب لي الإحباط”. عَلَّقت أنا على رفضه الذهاب للعلاج في كوبا أو ألمانيا، قلت له: “والله أنك مدبر، وغاوي متاعب، روح اتعالج ما با تسقط السماء فوق الأرض، لولا قُرانع مدعم للسماء”. ضحك عبدالوارث، وقال: “أنت تعرف الكثير، ويصعب عليَّ ترك صنعاء هذه الأيام.. المنظمة والرفاق والمتابعة صارت حياتي ومعنى وجودي، وليست مبالغة إذا قُلتُ لكم أنني حين أحس أني بعيد عن عملي وتحركاتي ورفاقي وصنعاء وأطفالي أشعر أني أموت.. أنا مثل السمك إذا خرج من الماء اختنق”.
ونحن خارجين، وصل الرفيق معاوية. قَدَّمنا عبدالوارث لبعض، وقال: “هذا سلطان الجرادي (معاوية)، وهو مسؤول لجنة التنسيق التي لم تجتمع لفصائل اليسار الخمس (الحزب الديمقراطي، الطليعة الشعبية، حزب العمل، حزب الاتحاد الشعبي الديمقراطي، منظمة المقاومين الثوريين)، ولهذا يجب أن تنسق معه نشاطك السياسي هو فهمان ونشيط جداً في العملية السياسية، ومثقف، وملتزم جيد، إلا أن له فلسفة في العمل السري لا تتفق مع أوضاعنا وإمكانياتنا في اليمن”. قُلتُ لمعاوية: “عند لقاءاتنا القادمة نناقش نظريتك حول العمل الحزبي السري في ظل أنظمة القمع البوليسية”، وذهب كل إلى وجهته.
…
بعد أيام قليلة، طلبني رئيس الجمهورية.. قال: “أشعر اليوم أني قد تخلصت من المشكلات الكبار، فخروج مجاهد القهالي للعمل في السفارة في أوروبا، وعبدالعالم والمضلات بصورة أضرت بسمعتهم وسحقت شعبيتهم، قد يلتقون في عدن مجاهد وعبدالله عبدالعالم وهم ناصريين مثل الناصريين حق مصر، أزاحهم السادات بساعة وكل القوة كانت بيدهم وانتهوا لا قضى ولا سلف، وأيضاً بخروج القوات من صنعاء وخاصة قوات الاحتياط، وقد نشرناهم في تهامة كل كتيبة في وادٍ، وحمود قطينة عَيَّنَاه ملحقاً عسكرياً يرتاح هناك، ويخطط ويجهز للانقلاب ويطلع نفسه زعيم أو ذي وُدُّه، لا أحد يراقبه ولا يتابعه”. سألت الرئيس، وأنا أتوجس خيفة: “هل كان قطينة معه قوات غير الاحتياط؟”. قال: “طبعاً، كل من كان مع الحمدي”. قُلتُ له: “ما فيش أحزاب معه”. قال: “المعلومات لدينا أن الرجل مُشَعِّب جُور، ويرى نفسه أفضل مني، وما زلنا نجمع معلومات موثقة عن المتعاونين معه، أما التهويش والمعلومات المستعجلة فهي تتهم كل الناس والأحزاب والجيش، لكننا لا نثق فيها، وقد كلفت المخابرات أشخاصاً في الخارج يتابعون قطينة ويستخرجون منه الأخبار”. قُلتُ للرئيس: “هذا عين الصواب، حتى لا تصيبوا أناس بمجرد الفبركات وتصفية الحسابات”. شعرت براحة البال، ولكن إلى حين، فالأيام حبلى بالمفاجآت.
قال الرئيس: “نعود للجنوب، أيش معهم هذه الأيام.. ضجة في الإعلام عن الحزب الطليعي، وتوحيد الفصائل في الجنوب.. مش كلهم شيوعيين، هم وباذيب؟! استدعيتك لأسمع منك، لأن تحليل الأصنج، وأصحابه، فيه الغث والسمين”. شرحت بإيجاز أن الجبهة القومية، والاتحاد الشعبي (باذيب)، والطليعة الشعبية (أنيس حسن يحيى)، توحدوا باسم التنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية”. عَلَّق الرئيس: “وكيف با تسوي بعملك معهم، هؤلاء الجدد؟ هل لك معرفة بهم؟”. قُلتُ له: “نعم أعرف عبدالله باذيب معرفة جيدة، وصداقة قوية، وأول معرفتي به في تعز في 1959 حين هرب من عدن إلى الإمام أحمد، الذي كلفه بإصدار صحيفة يهاجم بها الاستعمار البريطاني، وكنت حينها في سن اثنتي عشرة سنة، أخذني أخي أحمد لأعرف تعز، حيث كانت أمي مريضة وتُعَالج هناك في مستشفى تعز، وباذيب صديق لأخي أحمد.. كانوا نازلين في مطعم بلقيس، ملك محمد أنعم (والد الرفيق المناضل عبدالرزاق أنعم الذي كان من أفضل القيادات الحزبية في تلك الظروف، عام 1973)، وكان معه أحمد قاسم دماج، وجبر بن جبر، وسعيد الجناحي، وعبدالله صالح عبده، ثم تعارفنا سياسياً من عام 1963 بعد الثورة حيث انتسبت للشبيبة حق عبدالله باذيب، وتوطدت العلاقات حتى التحقت بالحزب الديمقراطي عام 1968”. عَلَّق الرئيس: “هاااه، إذاً أنت شيوعي أصيل من الطفولة”. قُلتُ له: “أنا درست في جامع جبلة، وأحفظ جزأين غيب تجويد من القرآن الكريم والحديث وأصول الفقه واللغة العربية قبل الثورة، وبعدها عملت خلطة بين الدين والاشتراكي”، وضحكنا. وسأل الرئيس: “يقولون إن الحزب الطليعي با يضم الأحزاب التي في الشمال، وتتوحد أداة الثورة، ويحققون الوحدة اليمنية بالقوة، كيف با يُسَوُّا؟”.
دخلنا في مناقشة ختمها الرئيس بقوله: “هؤلاء خبلان ما يعرفوا أن قبائل الشمال با تبتلعهم هم وعشرة أمثالهم، عندنا القبائل يلهفوا أموال قارون.. لو تمطر لهم السماوات فلوس الدنيا ما كفتهم، ولا تنسى أن القبائل والمشايخ والتجار ضدهم لأنهم سحلوا العلماء والمشايخ والتجار، وعملوا اشتراكية على السينما والكراسي والمطاعم، ومعظم الناس هاربين عندنا في الشمال، والأصنج دايماً يشرح لنا عنهم.. قل لهم يعقلوا، كفايتنا حروب وألغام وقتل وتدمير، وأنا مستعد للتعاون، بس انتبه لعبدالفتاح وأصحاب الحجرية فقد أخبرني الأصنج أنهم الخطر، والمتشددين بالأفكار الهدامة”. وَجَّه لي سؤالاً: “هل با تتحرك عدن، أو ما هي أساليبك؟ أريد أعرف برنامجك حول الجنوب، ودَبِّر عملك، أريد أفهم الأوضاع جيداً، وخلي في بالك زيارتك لعدن قائمة، عليك أن تجهز أمورك، وأشوفك بعد أسبوع وأنت جاهز بأفكارك، وعليك أن تبقى في صنعاء”. شكرته على الاهتمام والاستماع. ظل الرئيس يؤكد، في كل لقاءاتي معه، أن علاقته بسالمين تتطور وتتحسن بسرعة.
…
بعد هذا اللقاء، حاولت ألتقى عبدالوارث عبدالكريم وفشلت. وبعد أيام تأتي الأخبار أن عبدالوارث في مستشفى الكويت مريض، والأمن الوطني يحاصره، ويحتل المستشفى. ذهبت إلى عبدالحفيظ بهران، والأخبار عنده؛ قال لي: “من اليوم الفجر طَوَّق الأمن المستشفى، بعد أن اكتشفوا عبدالوارث وقد أجريت له عملية في المعدة، حيث حدث له نزيف حاد من جراء القرحة، وكان على وشك الموت من شدة النزيف، ويظهر أنه اكتشف من خلال بقائه في المستشفى منذ خمسة أيام”. قُلتُ له: “وأنا أبحث عنه ولا تردوا لي جواب كلكم!”. قال: “حتى أنا لم أعلم إلا فجر اليوم، الأوامر عندهم بتحريم الحديث عنه حتى لا تتسرب أخبار”. قلت له: “وأين محمد قاسم الثور؟”. قال: “في المستشفى، إنما سيعود عند الغداء”. أخبرني الدكتور الثور أن العملية ناجحة، وتحت مسؤولية الرفاق من الأطباء، وأغلب أطباء المستشفى والعاملين في المستشفى رفاق من الحزب. وأضاف: “تسرب الخبر من طبيب بعثي اكتشف العملية بالصدفة، ويظهر أنه نقل المعلومات إلى قيادة البعث، والمعروف عن هذا الطبيب أنه محترم وخدوم وعلاقتنا به جيدة”.