مقالات رأي

الفنان الذي أطلقوا اسمه على زنزانة!

قِلّة قليلة يعرفون قِصة هذا الفنان!

 أشدّ وأرعب وأوسخ زنزانة بُنيت خصيصاً له وباسمه، في “دار البشائر” (الأمن الوطني)، تكدّس جسده المقيّد بالسلاسل، أيدي وأرجل فيها (“زنزانة العودي”)!

تطلق الشعوب المتحضرة أسماء مُبدعيها على دور السينما.. المسارح.. معاهد الفنون بمختلف تنوعاتها، قاعات المحاضرات في الجامعة ووو.. وعندنا زنازن!

 بأعجوبة نجا من بين أنياب ضباع.. نجا الفنان علي العودي، لكنه عانى بعدها كثيراً.. الأمن الوطني حينها، واعتقد استمر في قبضة “الإخوان”.

الفنان العودي في ثمانينات القرن الماضي، وهو يطرب الجماهير في مسرح المركز الثقافي صنعاء – تصوير الغابري

 وككل مبدع في اليمن تعرض للقهر والسجن ومحاربة إبداعه وحرمانه من أبسط وسائل العيش، إلا أن الزميل المبدع علي العودي كانت واقعة سجنه وتعذيبه أشدّ وأقسى.

في زمن مضى، وبعد علي العودي، تم القبض عليّ، ودخلت سجن الأمن الوطني بتهمة أنني ناصري، بعد حادثة الناصريين عام 1979م، وكنتُ معرضاً للسحل ودخول زنزانة زميلي علي العودي (“زنزانة العودي”). صحيح أنني أُحبُ جمال عبدالناصر لمواقفه العظيمة في مؤازرة ثورة 26 سبتمبر، لكنني لست ناصرياً في الحزب. كلما في الأمر أن التقارير التي رُفعت عني من مغرضين، كان الهدف منها التخلص مني وإلحاقي بمن تم دفنهم جماعياً في مكان مجهول حتى الآن، أعضاء الحركة الناصرية حينها، منهم أصدقاء لي: علي السنباني، أحمد مطير، وعبدالسلام مقبل، وزميل مدرسة الأيتام محسن فلاح.

ولولا تدخُل شخصيات أدبية وسياسية كبيرة، لكنت ممن تم دفنهم.. اليدومي وجماعته يعرف أين دفنوا.

طُرفة واحدة فقط حدثت أثناء اعتقالي وإيداعي سجن الأمن الوطني، تلك بطلها حارس السجن (سعد)، لا أعرف لقبه فقد اشتهر بـ “سعد” فقط، وهو كافٍ ودال على السجن!!

قال “سعد”، أثناء تفتيشي قبل الزج بي في القبو: “بعد العودي الفنان، وفي زنزانته، تتصاحبوا”! قالها عندما وجد الريشة، ريشة العود التي كنت أعزف بها قبل اعتقالي بلحظات: “خلّي الريشة عندي لوما تخرج، لازم تجي تغنّي في عرس ابني”.

كانت الجُمل من “سعد” باعثة بالأمل، بأنني لن أُسحل.

لكنني خرجت مُدمى الروح والجسد، وبقت الريشة لدى “سعد” فلم أسأل عنها ولم التقِ “سعد” مرة أخرى، ولم أحضر وأغني في عرس ابنه. ولو كان “سعد” وجدني خارج السجن، وألحّ عليّ، لكنت حضرت عرس ابنه، لكني لا أستطيع الغناء والطرب فقد بُحت حنجرتي وضُمر تلهفي للغناء، خصوصاً في أعراس هي أشبه بطقوس مأتم.

 الفنان القدير علي العودي لم يثنه السجن والتعذيب عن إبداعه، فقد ترفّع عن الجروح واحتفظ بفنّه ومارسه بعشق وبصوت عذب شجيّ، وألحان رائعة، منها مغناة أو أوبريت من كلمات الشاعر الكبير محمد إسماعيل الأبارة، أداء المجموعة، شاهدته مرات، وقبل أيام شاهدته، ولم يذكر اسم ملحنه الفنان علي العودي، ولا حتى الشاعر الأبارة، لا أدري لماذا هذا السلوك والنكران؟!

لحّن وغنّی الفنان علي العودي الكثير من القصائد أهمها وأجملها قصيدة الشاعر الشهيد سالم الحجيري “قد نلتقي بكرة وقد لا نلتقي.. ذا اللقاء المطلوب هذه ساعته”.

المبدع الشاعر سالم الحجيري ذهب شهيداً، فقد كان ضحية أحداث 13 يناير عام 1986م في جنوب الوطن.

هكذا هي أوضاع وحياة المبدع في بلاد السعيدة..

لك السعادة صديقي المبدع الخلاّق علي سيف العودي، والسلام والرضوان للشاعر سالم الحجيري، وكل من غادر الحياة ضحيةً لإبداعه.

-من صفحة الكاتب على “فيسبوك”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى