ما تقترحه رواية عزيزة عبدالله “طيف ولاية” لقارئها، هو الإمعان في علاقة المهاجر بالآخر، في تعيين عفوي يستبصر ما كانت قد صنعته رواية الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”، مع الفوارق الأسلوبية والجمالية لعملين يفصل بينهما أربعة عقود وبنيتين ثقافيتين متقاطعتين. في “موسم الهجرة إلى الشمال” يقوم السرد بمهمة تمثيل التوتر الثقافي بين الشرق والغرب، بأسلوب رمزي، يعيد إلى المتلقي التعارض بين قطبين حضاريين، وينخرط السرد في تمثيل مجازي لهذا التناقض، من خلال استحداث شخصيات ورؤى تنتمي إلى طرفي التناقض. ويضفي الطيب صالح على الموضوع طابعاً تراجيديًّا، حينما يغلِّف العلاقة بين الرموز الحضارية بالعنف، والشبق، والموت، فتتخطى الشخصيات مستواها النصي المباشر، لتتصل بمجالات الصراع المتوتر بين الشرق والغرب، كما يقول د. عبدالله إبراهيم.
في رواية “طيف ولاية”، لن تخطئ أبسط قراءة نقدية لها العلاقة بين “ناجي” و”إميللي”. ذلك أن السرد يقدمها على نحو مباشر لا يصعب اكتشاف لعبة ترميزها، بحيث يمكننا قراءتها على المستوى الرمزي بأنها تتعدى العلاقة بين “ناجي” المهاجر الشرقي ذي القيم البدوية، وبين الفتاة الإنجليزية اللعوب “إميللي”، من مجرد العلاقة السطحية بين شخصيتين إلى العلاقة بين الشرق والغرب، بين الضحية والجلاد، تلك العلاقة التي شغلت الروايات العربية منذ الخمسينيات من القرن الماضي، كما يقول د. عبدالحكيم باقيس.
الرواية، بهذا التعيين، تسرد قصة شاب يمني “ناجي الزبيدي”، الذي تتعرض أسرته لظلم فادحٍ من عامل الإمام في منطقة زبيد، ومن أبنائه من بعده، إذ يقوم الأول بالاستيلاء على مزرعة أحد مرافقيه من العسكر (والد ناجي)؛ لأنه أضاع البندقية الثمينة التي كانت بعهدته، ولم تُجد كل محاولات بحثه الصعبة من الوصول للصّ الذي غافله وسرقها. سجنه العامل وقيَّده لأشهر عديدة، ومات مشلولاً بعد أن قطعت عنه “بيت المال” المقرر له من حبوب وملابس موسمية وريالات قليلة، مخلفاً وراءه أرملة شابة لم تبلغ العشرين، وطفلًا رضيعاً، فبقيت الأم (آمنة) تتعيّش على ما تكسبه من بيع الحطب إلى جانب تربية الدواجن وبيعها، وما يتصدق به عليها وولدها أهل الخير.
أخرجها أولاد العامل من البيت هي وطفلها، بحجة تملّكهم له بعد أبيهم، وأخذه استيفاء لثمن البندقية التي ضاعت على الأب، فذهبت إلى تعز بحثاً عمن ينصفها، ومنها إلى صنعاء حيث مقر الإمام، ولكن بلا فائدة. تعود من جديد إلى تعز لتعمل لدى خبّازة، كانت لديها فتاة اسمها “ولاية”، تعلق بها الطفل ناجي حتى الهوس. في العاشرة أصيب بالجدري، وامتنع عن الذهاب إلى “المِعْلامة” “الكُتّاب”، وفي سنّ الخامسة عشرة، صمم دون مقدمات على السفر إلى المخا، للبحث عن ابن خال لأمه، لكنه لم يذهب إليه، بل ركب قارباً غادر باتجاه الصومال مع صيادين، ومنها إلى السودان، ثم إلى عدن، واختفى لخمس سنوات وانقطعت أخباره، ومع ذلك لم تكلّ أمه من البحث والسؤال عنه في كل مكان.
عاد إليها وقد أصبح “ناجي” غير “ناجي” الذي هجرها؛ ترك لها بعض المال وسافر إلى الحبشة. وهذه المرة أيضاً انقطعت أخباره، لكنه سافر للبحث عن جدّه التركي الذي غادر الحديدة مع القوات التركية، تاركاً زوجته اليمنية حاملة بوالدته.
تنقل بين موانئ كثيرة، وتعرف على أناس من جنسيات مختلفة. وفي خضم الظروف والأحداث التي واجهته نسي أمه؛ إذ ظل يجوب القارات دون هدف محدد غير ذلك الطيف الذي لا يفارقه. وتمر السنون وهو يتنقل ويجمع المال دون هدف محدد. أما نقطة ضعفه الوحيدة فكانت النساء، وكلما تعرف على فتاة فيها شبه من الطيف الذي يبحث عنه عقله الباطن، يريد أن يرتبط بها، بل إلى حد الزواج من أي فتاة توافقه طلبه، كلما توافر بها شيء من الطيف، والغريب في أمره أنه كان لا يميل إلّا لمن هن أكبر منه.
تعلق بالأمل أو بوهمٍ، وشدّ رحاله وسافر إلى ألمانيا، ولكنه لم يحظَ بالعثور على أحد يدعى “نجيب التركي”. ترك ألمانيا، وسافر مع باخرة نقلته إلى أستراليا، وهناك عاد للعمل على متن باخرة بريطانيا. في إيطاليا تزوج بامرأة تعرف عليها خلال رسوّ الباخرة في ميلانو، لكنه طلقها. عمل خبازاً في باخرة متجهة إلى مرسيليا، وتركها ليعمل على باخرة هولندية كانت تقوم برحلات إلى الأمريكتين، وفي أول رحلة لها إلى نيويورك، فرّ من الباخرة، ودخل أمريكا بلا جواز سفر. اشتغل في المزارع والمطاعم، التقى بمهاجرين يمنيين، يبددون كل ما يكسبونه على مشاكلهم التي نقلوها معهم من قراهم.
ترك نيويورك ملتحقاً بباخرة نقلته إلى جزر الباهاما، ومنها إلى هاواي، وفي هونولولو تعرف على مدرّس تاريخ لبناني، عمل على إعادة اكتشافه وانتمائه الحضاري لليمن، بوصفه منبع العروبة الذي ينتمي إليه المدرس، وساعده على الالتحاق بعمل في البحرية الأمريكية وبأوراق شبه رسمية مكّنته من دخول المعسكر.
عندما علم بقيام ثورة 26 سبتمبر، هزه الشوق إلى اليمن وأمّه، فسافر إلى بريطانيا، وتوقف في ليفربول، وهناك وجد نفس مشاكل المهاجرين اليمنيين في أمريكا، فعمل على المساعدة في حلها قبل أن يتورط، هو نفسه، بمشكلة أكبر.
مشكلته بدأت بعد تعرفه على فتاة إنجليزية اسمها “إميللي”، وهي تشبه إلى حد كبير ابنة الخبازة “ولاية”، التي ظل يحمل طيفها كحنين جارف طيلة هذه السنوات. تعرّف على “إميللي” في ميناء ليفربول حين ذهب لوداعه قبل عودته النهائية إلى اليمن لتحقيق أحلامه البسيطة، بما جمعه من أموال كان يضعها مع تذكارات حميمة في صندوق حديدي كان يحمله في حله وترحاله. سماها “أملي” حين عقد قرانه عليها بعد ساعات من تعارفهما. حبه الجارف لهذه الفتاة الإنجليزية اللعوب يجعله لا يرى سوى ما كان يبحث عنه، وهو صورة “ولاية” البريئة الجميلة، وهي في الواقع صورة الأم، ما جعله يسلم لها قياده بثقة ساذجة إلى أبعد الحدود. يضع نفسه وثروته تحت تصرفها، حتى أصبحت هي الآمر الناهي في حياته وفي علاقته بغيره من المهاجرين العرب من بني جلدته، لكنه يكتشف في النهاية أنها تخدعه وتبتز أمواله وتنفقها على لذاتها وعشاقها، فتنتهي علاقته بها على نحو مأساوي ومهين، فتهرب مع أحد عشاقها الجدد بعد أن استولت على ثروته وعلى المطعم الذي كان يملكه، هادرة كرامته وماله معاً، ولم ينجح سوى في استعادة صندوقه الصغير الأثير الذي يحتوي على بعض ذكرياته. يقرر بعد ذلك العودة إلى موطنه بحثاً عن الجوهر الحقيقي “ولاية”، الذي ظل يطارد صورته المزيَّفة في الغرب، ليكتشف الوهم الذي عاش فيه بعد تجربة مؤلمة. (ثمانون عاماً من الرواية في اليمن لباقيس).
لكن بين تركه لـ “إميللي” وعودته إلى اليمن، سيكون استعاد بواسطة المحكمة بعض أمواله التي نهبته إياها، مستغلة جهله بالقراءة والكتابة، وعاد من جديد لكسب أموال إضافية من عمله في كارديف في ورشة لإصلاح السيارات، وحين أصابه الملل، غادر إلى فرنسا واشتغل في ورشة أيضاً، ومنها إلى جدّة، قبل أن يعود إلى اليمن، ليكتشف وهم طيفه حين وجد “ولاية” امرأة عجوزاً، بغير ما تلك الصورة التي ظل يطاردها في نساء البلدان التي حلّ فيها، وعاد ليتزوج “حنان” عاملة الهاتف في الفندق، الذي نزل به حال عودته إلى صنعاء، و”كأن القدر كان يخبئها له لتعيد له ثقته بنفسه، وتضع “ولاية” وطيفها في المكان الصحيح”.
الرواية بمباشرتها وبناءها الخيطي الواحد، وقعت في الكثير من الهنَّات التاريخية وحساب الزمن، فقادت إلى إنتاج مواضع هشة عديدة في النص، ومنها مزامنة تواريخ حكم الإمامين يحيى وأحمد. تذهب الأم إلى تعز لتشكو أبناء عامل زبيد إلى “نائب الإمام” الذي يسكن العرضي، والتاريخ يقول إن أمير تعز “علي الوزير” هو من كان الحاكم الناهي هناك، قبل أن يصير أحمد وليًّا للعهد في العام 1940، وصار يتخذ من مدينة تعز مستقراً له.
وفي سياق ثانٍ، تشير الحكاية إلى أن “ناجي” بلغ الأربعين حينما سمع بثورة سبتمبر وهو في نيويورك، وهذا الأمر لا يتسق بالمرة مع الفضاء الزمني للنص، فمثلًا، يتحدد بدء غياب الجندي التركي “نجيب” مع مغادرة الجيش التركي لليمن بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، في العام 1918، ويترك زوجته غالية، وهي حامل بابنته “آمنة”، التي تتزوج بأحد مرافقي عامل زبيد وعمرها 13 سنة، وتنجب له “ناجي” بعد عام، أي بحسابات النص في العام 1933، يعني بلوغه للأربعين سيكون بعد 11 عاماً من قيام ثورة سبتمبر/ أيلول 1962.
كانت تلك الحرب هي الحرب العالمية الأولى، ويعلم بها ويسمع عنها معظم أهل اليمن عندما كان ينعدم الجاز، و”المريسي” (السكر) والكبريت (أعواد الثقاب) من الأسواق، رغم أن “غالية” وأمها وأخاها لا يستعملون الجاز والسكر. المعلوم أن غياب السلع التموينية الأساسية ارتبطت بنشوب الحرب العالمية الثانية، وليس الأولى، وأن السكر كان يسمَّى شعبيًّا في مناطق شمال اليمن بـ “المريسي”، نسبة إلى مستورده في خمسينيات القرن العشرين، وليس قبل ذلك.
بقيت مع ابن خالها فترة ثم عادت إلى تعز، وتخبرها ابنة الخبازة بأن أناساً أخبروا والدتها أنهم رأوا شابًّا له موصفاته في صنعاء، يعمل مع حرس الإمام البدر (نجل الإمام أحمد، وفترة حكمه تُعدّ بالأشهر قبل قيام ثورة سبتمبر 1962). سافرت إلى صنعاء ولم تجده في حرس البدر ولا في أي مكان.
زمن بحثها النصي عنه كان بعد غيابه الأول مباشرة وعمره خمسة عشر عاماً، أي في العام 1949، على افتراض أنه من مواليد العام 1934، وفي هذا التاريخ لم يكن البدر قد أصبح وليًّا للعهد بعد، ولا يقطن صنعاء، التي كانت حكراً على أعمامه “سيوف الإسلام” (إخوان الإمام أحمد)، وليس له فوج عسكريّ، وتشكل هذا الفوج الذي عُرف بفوج البدر، أواخر الخمسينيات حينما صار البدر في واجهة الحكم بعد مرض والده “الإمام أحمد”.
ما أردت الإشارة إليه، في هذا المقاربة، هو أن الإشكاليات في معطى الزمن تتكرر في الكثير من النصوص الروائية في اليمن، فمغامرات العديد من الكتب في الخوض في الزمن المتعين في التاريخ كوقائع وأحداث، تتحول إلى عبء على النص، حين تتميّع الوقائع بين التخييل السردي باستخدام التاريخ واللعب على مبذولاته، وبين وقائع التاريخ بنصوصيتها ويشار إليها كإحالات وشواهد لتمتين وتقوية النص. بمعنى آخر، إن التخييل الأدبي يصير بدون قيمة حين يتوزع الكاتب بين المؤرخ الذي لا يُدقِّق في الوقائع وزمنيتها، وبين الفنان الذي لا يستطيع التحكم بأدواته الإبداعية، بتجريدها من السطحية والابتذال، وفي المحصلة النهائية نجد أنفسنا أمام نص يكشف خللاً ثقافيًّا مركباً في وعي الكاتب، رغم اجتهاده الكبير في البناء على أفكار حيوية، كان بإمكانها أن تصير قيمة جمالية عالية بقليل من النباهة والاحتراس من مكر التاريخ، إن تم التعامل معه بخفة.