مقالات رأي

لقاءات بعبدالفتاح وعلي عبدالله صالح في موسكو

40 عاماً على رحيل عبدالسلام الدميني وأخويه (9)

  • التقيت بعبدالفتاح إسماعيل في موسكو، وقال لنا إن الخلافات بدأت تبرز وتتسع بين علي ناصر محمد وتياره، وبين علي عنتر وتياره، وأن قادة “حوشي حانبون في الوسط”

  • وجدنا عبدالفتاح ينتقد تصرفات الجميع، ويميل إلى علي عنتر، وغير راضٍ عن جماعة علي ناصر، فقُلتُ له: “أرجو منك أن تقلع تماماً عن أي اصطفاف، ولا تعود مطلقاً إلى عدن، مهما فُرِشَت لك الأرض سجاداً وريحاناً”

  • التفاهمات التي تمت، عام 1982، بين علي صالح وعلي ناصر، وتسليم مناطق الجبهة الوطنية، وضعتني في ظرف حرج

  • التقيت الرئيس صالح عند زيارته لموسكو، أوائل 1982، بحضور الشيخين سنان وعبدالله الأحمر، وتم تعييني في سفارة الشمال في الصين

  • قال لي الشيخ عبدالله: “عُدْ، يا شيخ يحيى، وسنتجاوز عن أفعالكم.. لقد تسامحنا مع الحدي ويديه ورجليه مليئة بالدماء، أما أنت فأنت ابننا.. عُدْ إلى أصلك”

يحيى منصور أبو أُصبع:

كان آخر عهدي بعبدالفتاح إسماعيل في سبتمبر 1983م، في موسكو، عشية سفري إلى الصين الشعبية بعد تعييني في سفارة الشمال في بكين. وحول تعييني في السلك الدبلوماسي، أي في وزارة الخارجية، لابد من الإشارة الموجزة إلى أنه بعد توقيع اتفاق تعز بين الرئيسين علي ناصر محمد وعلي عبدالله صالح، والذي نَصَّ على دخول قوات صنعاء إلى جميع مناطق الجبهة الوطنية، بدون استثناء، وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، والحوار بين الجبهة الوطنية وسلطات صنعاء.. هذا الاتفاق المبرم في 1982، وقبلها تفاهمات بين صنعاء وعدن، ومنع الجبهة الوطنية من أي عمل مسلح حتى لو تعرض أفرادها للقصف والاغتيال، كل هذا قد وضعني في ظرف حرج وأنا في موسكو، وقد أشرفت على الانتهاء من علاج الأسرة وإعادتهم إلى صنعاء.. التقيت الرئيس علي عبدالله صالح عند زيارته لموسكو، أوائل 1982، بواسطة السفير صالح الأشول، وهو صديق عزيز جداً، وعن طلب علي عبدالله صالح بواسطة السفير أنه يريد مقابلتي. وقد كنت ضمن المستقبلين، وكان معه، ضمن الوفد، الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والشيخ ناجي عبدالعزيز الشايف، الذي اهتم بي من أول لحظة، باعتباره شيخ “ذو غيلان” وأنا منهم!! وكان معي قلباً وقالباً عند جلوسي مع علي عبدالله صالح في الكرملين. أما الشيخ عبدالله، فقد قال لي بالحرف الواحد: “عُدْ، يا شيخ يحيى، ونحن سنتجاوز عن أفعالكم.. لقد تسامحنا مع محمد صالح الحدي ويديه ورجليه مليئة بالدماء، أما أنت فأنت ابننا.. أنت من صبيان ذو محمد، ومن خرج من جلده جاف، عُدْ إلى أصلك”.

كانت جلستي مع علي عبدالله صالح جلسة عتاب وشد وجذب، وسألني عن العائلة، فشرح له السفير الأشول الظروف الصحية الصعبة للعائلة وللأطفال.. ثم التقيته في زيارته الثانية، في شتاء 1983، عند وفاة الرئيس برجنيف، وكذا مشاركة الرئيس علي ناصر محمد العزاء، وكنت قد تلقيت توجيهات من قيادة “حوشي” (حزب الوحدة الشعبية) أن أحاول أرتب أموري فهم لا يقدرون أن يفعلوا شيئاً إلا استقبالي في عدن فقط.

وكذا نصحني الرئيس علي ناصر محمد بقبول العرض الدبلوماسي. كان قد تغير السفير صالح الأشول، وجاء بدلاً عنه السفير والأديب والشاعر عبده عثمان، وهو من الرعيل الأول الذي جرى طردهم من مصر بتهمة الماركسية، هو وعمر الجاوي وأبو بكر السقاف وآخرين. وكان عبده عثمان نِعم الرجل.. لقد تولى بنفسه الحوار والتفاهم مع علي عبدالله صالح بتعييني وزيراً مفوضاً في سفارتنا في موسكو. ولا أنسى موقف وزير الخارجية، الأستاذ علي لطف الثور، ورئيس الوزراء عبدالكريم الإرياني، فقد عملا جهدهما لإقناع الرئيس بالمقترح، إلا أن المطبخ الذي يعجن ويطبخ القرارات قد عارضوا فكرة تعييني في موسكو، واقترحوا تعييني في بلد أفريقي لا يوجد فيه يمنيين حتى لا أنشط بينهم، وبدرجة سكرتير أول، أو مستشار (يعني درجة مدير عام), ودخلنا في دوامة كبيرة استغرقت شهوراً كثيرة، ورفضت أقل من وزير مفوض، وأصريت على موسكو. وأنني أكن بالتقدير لجهود السفير عبده عثمان والذي كان له علاقة ممتازة بعلي عبدالله صالح .

فجاء القرار من صنعاء بتعييني وزيراً مفوضاً، ولكن في بكين، جمهورية الصين الشعبية، وليس في موسكو. وقد تحدث معي رئيس الوزراء حينها، عبدالكريم الإرياني، وعلي لطف الثور، وزير الخارجية، عبر تلفون السفير عبده عثمان، بقبول القرار .

عرضت القرار على قيادة منظمة الحزب الاشتراكي اليمني في موسكو، وعلى الخصوص الرفيق عبده محمد المعمري، والرفيق محمد المخلافي (نائب الأمين العام للحزب اليوم)، ثم ذهبت، أنا وعبده محمد المعمري، إلى عبدالفتاح إسماعيل فبارك التعيين في الصين، وقال: “يكفي أخذ ورد، وسوف ترتاح في بكين أفضل من ضجة موسكو، والقيل والقال فيها لا ينتهي”. وسوف أعود إن شاء الله لأسجل وقائع الأحاديث والنقاشات الساخنة التي دارت بيني وبين علي عبدالله صالح، وهي تستحق أن تسجل، ولكن أذكر أنه قال لي إن لديه توصية من الرئيس الغشمي بالاهتمام بي.

وأعود إلى لقائي الختامي والأخير بعبدالفتاح إسماعيل، عشية سفري إلى الصين الشعبية، وتناولنا في نقاشنا الأوضاع في عدن، والتطورات والمستجدات، بعد ثلاث سنوات من مغادرة عبدالفتاح عدن إلى منفاه الاختياري، وشرح لنا أن الخلافات بدأت تبرز وتتسع بين علي ناصر محمد وتياره، وبين علي عنتر وتياره، وأن قادة “حوشي حانبون في الوسط”. وقال إن صالح مصلح التقى به، عند زيارته لموسكو، ووفود أخرى، يحملون له أخبار البلاد، ورغبة كل فريق أن يكسب عبدالفتاح إلى صفه، كون أصحاب عبدالفتاح ما زالوا قوة مؤثرة ورقماً يصعب تجاوزه إذا تحرك وفاق من رقدته. وقد سألته عن رأيه، فاشتمينا منه أنه ينتقد تصرفات الجميع، وهو أميل إلى علي عنتر، وغير راضٍ عن جماعة علي ناصر، فكان لي موقف قوي؛ قلت له: “أنا ذاهب إلى الصين، وقد لا نلتقي.. أرجو منك أن تقلع تماماً عن أي اصطفاف، كما أرجو ألا تعود مطلقاً إلى عدن، مهما فُرِشَت لك الأرض سجاداً وريحاناً”.

عفواً، لقد ذهبت بعيداً عن موضوعنا، وهو ترتيب خروجنا من عدن والعودة إلى عملنا في شمال الشمال. اقترحت على عبدالسلام الدميني أن يعود عن طريق “العبر” بالطائرة، وأنا سأعود عن طريق إب، ثم الجوف، وهناك سنتواصل معاً، ونتدارس بالتركيز مواضيع الكتابين، أو مشروعي الكتابين، وقلت له: “قد بذلت، يا عبدالسلام، جهداً غير عادي في التدوين، ودراسة الواقع القبلي بجوانبه المختلفة، وإن شاء الله تنال بهما أكثر من دكتوراه، وهذا العمل هو الأفضل والأكثر فائدة لنضالات حزبنا على مدى الأيام والسنين القادمة، وأما الجنوب فهو باق والحزب والتجربة تعودت هذه الصراعات والعواصف قبل الاستقلال وبعده”. ورغم ثقتنا وإيماننا بالمبادئ والأهداف في برنامج الحزب ووثائقه البرامجية، إلا أنني قد توصلت، أنا وعبدالسلام، إلى استنتاج مفاده أننا نعود إلى عدن قادمين من محافظات صنعاء والجوف وصعدة، أي من المجتمع القبلي ونحن أكثر تفاؤلاً وطموحاتنا العريضة لا حدود لها في انتصاراتنا، وتتعزز قناعتنا بإشاعة ونشر وثائق الحزب وتشييد بناء تنظيمي نموذجي مكافح من أبناء القبائل في إطار أبناء الشعب اليمني، وللأسف حين نبقى في عدن، ونتعايش مع الأوضاع فيها، نُصَاب بالإحباط بسبب تلك الخلافات التي لا تتوقف.

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى