المزيدفنون وثقافة

حكاية صورة.. قبر الأم وحقل الذرة

عبد الرحمن الغابري

في جوف هذا الصخر الواقف في قمّة جبل (السور) “النسور”، نحتُّ لأمي قبراً في قلبه!

لأن أمي تشبعت بفلسفة التربة وما تنتج التربة من ثمار للأجيال، كانت ولا تزال حتى وهي في قبرها الصخري، مؤمنة بعظمة التربة؛ التربة التي جمعها الأجداد حفنة حفنة من السهول والأودية. نحتوا الجبال وحولوها إلى حقول شاسعة، زرعوا فيها الأعناب والرمان والبرقوق واللوز والخوخ والقمح وسنابل الذرة الرفيعة والحمراء والصفراء والبيضاء.

أمي؛ رمز الطبيعة الغنّاء كانت ولا تزال تدرك كل ذرة تربة جاءت إلى القمة بفضل جهود عظمائنا الأجداد. بوصية أمي نحتُّ لها مسكناً هنا؛ زففتها بتراتيل السنابل وتمايل الزرع وأغصان الأشجار.

كُنت على يقين أن أمي ستذهب إلى جنتها التي صممتها بأناملها في الحياة. هنا أتممت مراسيم زفاف أمي إلى منزلها الأبدي الفخم في قلب الصخر قبرها. أمي مهندسة الحياة ستذوّب الصخر وتحوله إلى حقل، ستزرع كل سنابلها.

 آه يا أمي، كم هم جثث متحركة! من كانوا في عمري مولودين، يزحفون نحو الغباء، دون أن يدركوا أنك أوصيتني بخلو قبرك من التربة لأجل توفيرها للأجيال، وبأنك ستذيبين الصخر وسيغدو جنة، إذ يصبح حقلًا تتراقص فيه ثمار الدنيا والجنة.

لذلك الشخص يا أمي، أرجوك أن ترمي حجراً من قمة مجدك لتقرع رأس هذا الغبي ومن عجن دماغه لكي يتطاول فيقترح أن أوقف حقلي، حقلك الخصب، ليكون مقبرة للمغفلين الصغار والدمى الكبار.

عن خيوط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى