هل مازال مشهد الفرقة الموسيقية التي عزفت على ظهر السفينة الغارقة حاضراً في ذاكرتكم؟ خاصة المايسترو الذي أصر على أداء دوره حتى النهاية؟
هذا هو مفهوم الفن..!!
إنه لغة مباشرة ومدهشة، تتفوق على لغة اللسان والمنطق، تخاطب الأرواح وتطمئن القلوب. إنها لغة عالمية لتبادل العواطف دون أدنى حاجة للترجمة.
لقد كان ذلك العزف الجميل، بمثابة قوارب النجاة لأولئك البسطاء في أصعب لحظات حياتهم.
وكيف ضخ الأوكسجين لأولئك العالقين في طبقات السفينة السفلية دون سبيل للخلاص..
ولكن مهلاً..!!
ليس هدفي من كتابة هذه السطور توضيح مفهوم الفن، بل هدفي هو إلقاء الضوء على رسالة عازف الكمان والاس هارتلي (٣٣ عاماً)، والموجهة لأسرته لحظة انطلاق السفينة، وقد سافر على متن تايتانيك، بتذكرة الدرجة الثانية، كتب فيها: “..أكتب لكم لأقول أنني بخير، وقد غادرت على متن هذه السفينة العظيمة، وقد دخلتها لجني فوائد ضخمة، ومن المؤكد وجود الكثير من الأموال على متنها، أشتاق كثيراً لوجودي في المنزل، وآمل أن أراكم قريباً..”.
تخيلوا: إنهم لم يدخلوا تلك السفينة بنفس النية التي وَدَعوا فيها الحياة. يبدو أنهم لم يتعرفوا على جينات الشجاعة بداخلهم حتى اللحظات الأخيرة من حياتهم.
كل فردٍ منا قابل للتغيير وحسن الخاتمة مجهول، حيث قالوا في بداية رحلتهم: “سنعزف الليلة على ظهر أفخم سفينة، وسنجني الكثير من المال”، وقالوا قبيل امتناعهم من ركوب قوارب النجاة: “لماذا لا نرحل معهم فسوف يستقبلنا الرب بحفاوة بالغة؟”.
إنهم استغلوا فنهم لبث روح الأمل والتفاؤل والطمأنينة في القلوب.