المزيدفنون وثقافة

أغاني يهود اليمن: الحنين إلى الجذور

محمد عبيد:

شكلَ يهود اليمن، الذين تم تهجيرهم طيلة العقود الماضية، كتلة متماسكة، داخل المجتمعات في البلدان التي هاجروا إليها (اسرائيل، الولايات المتحدة، وبريطانيا)؛ وحافظوا على طابعهم التقليدي في الحياة العامة، والأفراح والمناسبات، كما حرصوا على إحياء فعاليات فنية متعددة، ليبرزوا من خلالها التراث والأغاني اليمنية.

وفشلت محاولات دفعهم الى التخلي عن عاداتهم وتقاليدهم، وكل ما يمت لوطنهم الأصلي بصلة، بقصد بلورة هوية ثقافية جديدة لهم، فلم يتخلوا عن جذورهم، وظلوا متمسكين ومحافظين على عاداتهم اليمنية، وتراثهم الثقافي والفني في بلدان المهجر، إذ يمتلك يهود اليمن إرثا ثقافيا غنيا، ميزهم عن باقي اليهود في العالم، في النواحي الدينية والموسيقية والعادات والتقاليد الاجتماعية، وقد حملوا معهم إرثهم الثقافي، وظلوا محافظين عليه طيلة عقود يتوارثونه جيلا بعد جيل.

تعزيز الشعور بالهوية الوطنية

تُعرف طائفة يهود اليمن باسم (تيمانيم) وتعد من أقدم الطوائف في العالم، ويعيش أفراد هذه الطائفة في المهجر الأجواء اليمنية بمعظم تفاصيلها، حيث يمارسون عاداتهم الاجتماعية، ولا تفارق بيوتهم الأدوات اليمنية التقليدية، ولاشك أن التمييز الذي واجهه اليهود اليمنيون من قبل اليهود الأوروبيين، هو ما دفعهم للحنين والعودة إلى الثقافة اليمنية العريقة التي ينحدرون منها، حيث كانت النخبة الحاكمة من اليهود الأشكيناز في إسرائيل، تنظر إلى الحضارة الشرقية على أنها حضارة دونية وبدائية، خصوصاً وأن بعض يهود إسرائيل ذوي الأصولٍ الشرق أوسطية، لا سيما اليمنية، كانوا من الفقراء وعاشوا في الأحياء الفقيرة، و تعرضوا لقمعٍ ثقافي، فتم حظر موسيقاهم وأغانيهم اليمنية من الإذاعات الإسرائيلية لعقود، لأن اختيار اليهود اليمنيين لأغانيهم، وتوقيت بثها كان يهدف إلى تعزيز الشعور بالهوية الوطنية.

اغانِ أصيلة وملهمةً

مع بداية سبعينيات القرن الماضي وازدهار الموسيقى الشرقية واليمنية، المتأثرة بموسيقى البوب الغربية، بدأت الثورة، ومَكّنَ إنتاج وتوزيع الأشرطة للمغنين من أصول يمنية من إيصال أصواتِهم وثقافاتِهم إلى الجمهور، وازدهرت في تلك الفترة الأغاني والموسيقى اليمنية، متحديةً كل الصعاب لتصبح ظاهرة، وصارت تعد الموسيقى النموذجية، فلم تتأثر ثقافة اليمنيين في إسرائيل بعوامل خارجية كثيرة، لذلك اُعتُبِرت موسيقاهم مؤثرة ومهمة، كما اعتُبِرت أغانيهم أصيلةَ وملهمةً للأجيال الجديدة.

جيل الريادة الموسيقية

تعد المطربة شوشانة ذمارى المولودة في مدينة ذمار في 31 مارس 1923 من أقدم المغنيات اليمنيات في إسرائيل، وتنتمي الى الجيل الأول من اليهود اليمنيين هناك، حيث هاجرت مع عائلتها مع تصاعد اضطراب العلاقات بين اليهود والقبائل في اليمن عام 1924، وكانت تغني وتدق الطبول منذ سن مبكرة وترافق والدتها التي كانت تغني في المناسبات المختلفة.

وعُرفت شوشانة بقوة صوتها ولهجتها اليمنية عند الغناء بالعبرية، وحظيت بشعبية عالية، وحصلت على العديد من الجوائز، كما حازت على لقب “ملكة الغناء العبري” أثناء حياتها الفنية، وقد توفيت في العام 2006.

ومن المطربات ذوات الأصول اليمنية اللواتي حققن شهرة عالمية، المطربة العالمية عُفرا هزاع Ofra Haza التي حققت أغانيها نجاحا كبيرا ولاقت إعجاباً عالمياً، وبِيع من بعض ألبوماتها أكثر من ثلاثة ملايين نسخةٍ حول العالم، كما وصلت إحدى أغانيها إلى قائمة أفضل 10 أغانٍ في عدّة بلدان، حتى أنها احتلت المرتبة الأولى في بعض المرّات.

وُلدت عُفرا في العام1957 بجنوب مدينة تل أبيب لعائلة يمنية، واُطلق عليها اسم “عوفرة” بمعنى “غزالة” أو “ظبية” بالعبرية، وكان والداها قد هاجرا من اليمن عام 1944، حيث كانت أمها مغنية شعبية في حفلات الأعراس والأفراح المحلية، أما عُفرا فتجاوزت المحن التي رافقت نشأتها، لتصبح رمزاً للنجاح في أوساط الجالية اليمنية في إسرائيل.

قررت عُفرا هزاع بعد سنواتٍ من إطلاق ألبومها الأول عام 1974، العودة إلى جذورها اليمنية، لتصدر عام 1984 ألبوماً يضم أغاني يمنية تراثية مستوحاة من أشعار “الشبزي” بعنوان “أغاني يمنية Yemenite songs”.

كان تأثر عُفرا بإرثها الثقافي اليمني واضحا في أعمالها، ومكنها حبها لأصولها اليمنية، من الانتشار في الشرق الأوسط بشكل واسع، ومع نجاحها المستمر تمكنت من إضافة نقاط جديدة إلى رصيدها الفني من خلال الغناء بلغات مختلفة، إضافة إلى اللهجة اليمنية، فغنت بالعربية والإنجليزية والفرنسية، دون أن يؤثر ذلك في شعبيتها، كما أن مزج الموسيقى اليمنية مع الآلات الموسيقية الغربية خرج بثوب قشيب، وحقق نجاحاً ساحقاً في أميركا وأوروبا ومكّن ذلك عُفرا من الفوز بالعديد من الأسطوانات الذهبية والبلاتينية.

ومن أشهر أغاني عُفرا هزاع باللهجة اليمنية : قلبي، يا حلو يا حالي، أسألك يا حور الجنان، شابدع بك ادعيك يالرحمن.. وغيرها.

عبرت عفراء عن حبها لأصلها اليمني من خلال تمسكها بالتراث والطابع اليمني التقليدي في الكثير من أغانيها وحرصها على ارتداء الملابس والاكسسوارات اليمنية التقليدية في كثير من حفلاتها وأغانيها، وقدمت العديد من الأغاني والألبومات الناجحة، قبل وفاتها في سن مبكرة عام 2000.

ومن المغنين اليمنيين في إسرائيل، الذين عكست أغانيهم الخصوصية اليمنية، الفنان زيون قولان zion golan، وهو من مواليد عام 1955 لأبوين من مدينة عمران، هاجرا أواخر أربعينيات القرن العشرين.

معظم أغاني قولان باللهجة اليمنية، وهو من يكتب ويلحن الكثير من أغانيه، إضافة لأغان أخذها عن عمته ناعومي العمراني، وبعض أشهر أغانيه من أشعار “الشبزي”، ويمتلك قولان ستوديو تسجيل يسجل فيه أغانيه، وقد أصدر أكثر من 22 ألبوما، ومن أشهر أغانيه: ياهزلي، صنعاء اليمن، وعدن عدن.

هناك أيضا المغنية ليا إبراهيم Lia Ebraham التي تقوم بتدريس فنون الغناء والرقص اليمني في الجامعات الأمريكية، وتعد واحدة من أبرز الذين عرّفوا العالم بالأغاني والفنون اليمنية، فقد قدمت بصوتها المتميز عددا من الأغاني الشعبية اليمنية في الكثير من الفعاليات الفنية حول العالم.

ولدت ليا في العام 1942 في احدى قرى الجبزية – عزلة الصنة – منطقة الحجرية – بمحافظة تعز.

وعندما كانت في الثانية من عمرها قررت أسرتها الانتقال إلى مدينة عدن حيث يعمل والدها هناك وأمضت مع عائلتها أربع سنوات في عدن، حيث شهدت أحداث  العنف التي تعرضت لها الطائفة اليهودية عام 1948، فهاجرت مع أسرتها إلى إسرائيل، وهناك أكملت تعليمها، وعملت في تدريب عدد من فرق الرقص والمسرح، وقدمت عددا من الأغاني التراثية اليمنية، كما عملت في تدريس مادة الرقص والغناء، وشاركت في عدد من المهرجانات العالمية، وقدمت في مشاركاتها الموروث اليمني من غناء ورقص وأزياء شعبية، وحصلت في العام 1982 على منحة لتدريس فنون الرقص اليمني في الجامعات الأمريكية.

لا زال هناك الكثير من العمل

على الرغم من شهرة المغنين اليمنيين في إسرائيل، لم تتغير نظرة المجتمع لهم، ويعتقد العديد من جيل الشباب اليمنيين هناك أنه لا يزال أمامهم الكثير من العمل لإنجازه، ولذلك وكنوع من المقاومة عادت الموسيقى والأغاني المتأثرة بالتراث اليمني إلى الحياة عام 2015، مع ازدهار جيلٍ جديد من الموسيقيين من أصولٍ يمنية كفرقة “إيوا” A.wa ويمن بلوز.Yemen Blues و شاي تساباري Shai Tsabari.

 وفي مارس 2015، أطلقت فرقة “إيوا” أغنيتها الأولى “حبيب قلبي” حيث عادت هذه الأغنية اليمنية الكلاسيكية القديمة إلى الحياة، عندما قامت ثلاث شقيقات يمنيات بتحويلها إلى أغنية جميلة انتشرت بشكلٍ سريع على اليوتيوب، وأصبحت أول أغنية يمنية تحتل الصدارة في إسرائيل.

من صفحة الكاتب في “فيسبوك”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى