لا توجد منطقة ريفية لعبت دوراً رئيسياً محورياً في حياة اليمنيين، كـ»الحُجَرِيِّة». وتاريخياً، لا توجد مدينة في اليمن بأهمية وتأثير عدن. ولولا عدن لما تمكَّنت «الحُجَرِيِّة» من لعب هذا الدور المؤثر والواضح في الحياة الاجتماعية والسياسية العامة في اليمن. لقد تداخلت حياة عدن و»الحُجَرِيَّة» حتى وصلتا حَدَّ التَّمَاهِي والاندماج؛ بسبب القُرْب المكاني، وتوفُّر فرص العمل في الأخيرة، وحِرَفِيِّة ومهنِيِّة المنتمين للأولى. وقبل هذا وذاك، بسبب القيم الوطنية والأخلاقية التي حَمَلَها الحزب الاشتراكي، وطَبَّقَها خلال فترة حُكْمِه للجنوب. ولَعَلَّ القُرْب المكاني هو الذي جَعَلَ الدكتور أبو بكر السقاف يقول، قبل سنوات، نقلاً عن زين السقاف، إن «الحُجَرِيِّة هي رِيف عدن». وإلى هذا وذاك، فهوية عدن كمدينة ملأ صيتها الأفاق، تشكلت بفضل أهلها المنتمين إلى أكثر من أصل جغرافي وعرقي؛ الذين دفعتهم الرغبة في التعايش، قبل أكثر من 150 عاماً، إلى التخلِّي عن ثقافاتهم وهوياتهم القَبَلِيِّة والقروية والدولتية القديمة، وصهرها ببعضها لظهور هوية جديدة جامعة لهم، والتي تجسَّدت، قديماً، في شخصية أنيس حسن يحيى، وتتجسَّد، اليوم، في أكثر من شخص. منذ بداية القرن العشرين، وما قبل ذلك، كانت عدن هي نافذة جميع اليمنيين لرؤية العالم؛ في ظِلَّ العُزلة المفروضة عليهم، وارتفاع معدلات الجهل والفقر بينهم. ومنذ أَدْخَلَ العثمانيون، في 19 نوفمبر 1918، «الإِمَام» يحيى إلى صنعاء، وأجلسوه على كُرسي الحُكم فيها(ء)، صارت عدن هي نافذة الهروب الأولى لأبناء المحافظات الشمالية، الذين لم يتحمَّلوا التنكيل الذي تعرَّضُوا له من قِبَلِ «الحَاكِم الجديد»، ولم يستطيعوا العيش في حظيرة الطُّغيان «الإِمَامِيِّة» التي وضعهم فيها رهائن لنهب دائم، وهمجية مطلقة أوكل مهمة القيام بها إلى «عُكْفَتِهِ» وجنوده. ما قبل 1990، كانت عدن ملاذاً آمناً للسياسيين الهاربين من بطش نظام الحُكم في صنعاء. وبعد تحقيق الوحدة، صارت عدن وجهة رئيسية لـ»أبناء الشمال» الباحثين عن العمل، وفُرص أفضل في الحياة. وعندما أُعِيْدَ، في 21 سبتمبر 2014، بَعْث «الإِمَامَة» الكهنوتية من القبر، وجرى تحويل اليمن من «دولة» إلى حظيرة للطُّغيان؛ عادت عدن لتكون نافذة لنزوح بعض «الشَّمَالِيِّين» الهاربين من البطش والإرهاب الحوثي المتدثِّر بادعاء الانتماء إلى سُلالة «النَّبِيِّ» محمّد. لكن مدينة التسامح والتعايش لم تتمكَّن، هذه المرة، من أداء دورها الإنساني، بشكل كامل، أو كما يُفترض به أن يكون؛ ذلك أن المتعصِّبين حالوا دون ذلك، واعتدوا فيها على بعض المنتمين إلى المحافظات الشمالية.
() بعد انهزامها في الحرب العالمية الأولى، أمرت الدولة العثمانية قواتها، بمغادرة اليمن، والاستسلام للبريطانيين. وبسبب ذلك، قام المسؤولان الرئيسيان عن الإدارة المدنية والقوات العثمانية في اليمن (محمود نديم بك، وأحمد توفيق باشا) بإدخَال «الإِمَام» يحيى حميد الدين إلى صنعاء، وسلَّمَاه، بشكل رسمي ومعلن، مقاليد السلطة والحُكم فيها؛ كما لو أنه «الوريث الشرعي» الوحيد لدولتهم في حكم المدن والمناطق التي كانت تحت سيطرتهم في البلاد (ما صار يُعرَف بـ»شمال اليمن)! سَلَّماه المناطق والمدن الجبلية والساحلية التي كانت تحت سيطرتهم، بما فيها الحُدَيْدَة، وساعدوه في إخضاع تَعِزّ وإِبْ، والمناطق والقبائل المتمرِّدة، أو التي تمرَّدت عليه.