ملفات

مشرد ثمانيني يعيش في جبهة حرب

تعز – حسان ياسر:

من داخل خط التماس، وتبادل إطلاق النار، في محافظة تعز، يظهر حاج مسن وحيداً في مواجهة خطر التشرد.
صالح محمد مرشد الحميري (79 عاماً)، من أهالي منطقة السلفة، مديرية وصاب العالي، محافظة ذمار، عاصر حروباً ونزاعات عدة، غير أن الحرب التي شنتها مليشيا الحوثي الانقلابية على اليمن واليمنيين نالت كثيراً من سمعه وبصره، وتكاد أن تقصم ظهره.
كل ما يملكه هو بسطة صغيرة على رصيف «سوق عصيفرة» لبيع القات، شمال شرق مدينة تعز، كان يبيع فيها ألعاب وثياب الأطفال نهاراً، ويأوي داخلها عند حلول المساء. إلا أن للحرب منطقها.
مواجهات عنيفة شهدتها المنطقة منذ بداية الحرب. ولا يزال «سوق عصيفرة» في حدود منطقة تماس للقتال مع مليشيا الحوثي. 4 سنوات من الحرب، كانت كفيلة بتحويله من سوق شعبي إلى مرتع خصب للفئران والقطط والكلاب.
«الحميري» ثمانيني وحيد، تجاعيد وجهه تحمل خليطاً من الدهشة والألم والأمل. لم يغادر «سوق عصيفرة» منذ انطلاق الرصاصة الأولى للحرب، رغم تعرضه للإصابة أكثر من مرة.
يقضي ساعات النهار متنقلاً بين أكوام الدمار، وبعد غروب الشمس يلجأ إلى خرابة مظلمة برفقة آلام المرض والجوع والخيبة. أضاع كل شيء، وظل محتفظاَ فقط ببطاقة هوية قديمة له، منذ التسعينات، تتضمن صورته واسمه.
يتحدث بابتسامة خافتة عن طريقته في إثارة واستمالة الأطفال لشراء الألعاب، قبل فترة الحرب، إلا أنه سرعان ما تتملكه حالة من الخوف والذهول. يفتح عينيه بشكل أوسع، ويبدأ صوته بالحشرجة، كأن هناك من غرس إبرة في عنقه.
في حديثه لصحيفة «الشارع»، قال: «قَدِمْتُ إلى مدينة تعز وأنا شاب، في العشرينيات من عمري؛ هروباً من مرض فتاك انتشر بشكل واسع في قريتي «الدباشر» منطقة السلفة. وبعد سنوات سافرت إلى المملكة العربية السعودية، وعملت بائعاً متجولاً للملابس في مكة المكرمة، إلى أن جاءت حرب الخليج عام 1990، فعدت إلى مدينة تعز».
يضيف: «خلال فترة عملي في السعودية كانت لدي عائلة، فقد تزوجت بامرأة مصرية من منطقة الصعيد تدعى سحر، لدي منها بنتاً اسميتها نبيلة، وولداَ اسمه فتحي. كنت على تواصل مع أسرتي في مصر أثناء عودتي إلى بلادنا، وبعد حوالي عام من عدم تمكني من العودة إلى المملكة العربية السعودية انقطع التواصل مع أسرتي في مصر، أجريت اتصالاَ بالهاتف الأرضي الخاص بعائلتي مئات المرات إلا أنه كان مغلقاً».
يستطرد: «لدي أخ وحيد اسمه محمد قدم إلى مدينة تعز لزيارتي قبل 15 عاماً، وبعدها فارق الحياة مخلفاَ ولدين وبنت، وحالياً لا أعلم شيئاَ عن أبنائي وشقيقاتي الأربع وأولاد أخي».
وقال «الحميري»: «أثناء عودتي إلى تعز عملت في بيع الحلوى داخل باب موسى، وبعد منتصف التسعينيات تزوجت بامرأة أربعينية من صنعاء تقطن حي الجحملية في مدينة تعز، ولم أحظَ بأطفال منها، لتفارق الحياة بعد صراع مرير مع مرض القلب والسكر».
يضيف: «بعد فترة وجيزة من وفاة زوجتي فاطمة حسن، انتقلت إلى سوق عصيفرة، واستحدثت بسطة صغيرة على الرصيف، لبيع ألعاب وثياب الأطفال، كوني لم أعد قادراً على البيع متجولاً».
يتابع: «أكثر من 10 سنوات وأنا أعمل في بسطتي على أرصفة سوق عصيفرة، أبيع فيها مقتنيات الأطفال من ألعاب وثياب، وأتخذها سكناً دائماً لي. وعند بداية الحرب اضطررت إلى رفع بضاعتي إلى داخل هذا المحل التجاري». ووجدنا أن المحل التجاري، الذي أشار إليه، مغلق، ولوحته متدنية بفعل القصف، وعلى بوابته آثار طلقات نارية، قال أنه سابقاً كان يسمع داخله أحياناً قطقطات للفئران، ولا يدري ماذا حل ببضاعته».
يقول «الحميري»: «قبل عامين حوصرت 38 ساعة، داخل إحدى غرف السوق، نتيجة استمرار الاشتباكات واقترابها.. العطش والجوع يكادا يفتكان بي. ماذا افعل؟! بالقرب مني شجيرات طماطم بمسافات متباعدة، تتغذى على مياه الأمطار، تحمل طماطم خضراء لم تنضج بعد. خرجت زحفاً قاطعاً نحو 13 خطوة، وصلت إلى أول شجرة، وانتزعت إحدى الطماطم، وضعتها مباشرة في فمي، وأخرى في جيبي، ثم واصلت الزحف باتجاه أشجار بقربها، نهضت قليلاً، وبينما أنا جاثم على ركبتي منحنٍ وخافض رأسي، أقطف الطماطم، شاهدت الدم ينساب من أصابعي. صرخت ولم يسمعني أحد، ثم بدأت بالزحف لما يقارب 30 متراً. وصلت إلى عمارة داخلها جنديان أحدهما قام بإيصالي إلى منطقة آمنة، ومن ثم تم إسعافي إلى مستشفى الثورة داخل المدينة. كانت الرصاصة قد اخترقت يدي وضلعي الأيسر».
يضيف: «خرجت من المستشفى بعد أيام، وعدت إلى هذه الغرفة المهجورة المقابلة للمحل التجاري الذي وضعت فيه بضاعتي».
قال أنه في العام 2017، بينما كان نائماً بعد منتصف الليل، دخلت رصاصة نارية ارتطمت بجدار الغرفة، وأصابته شظيا منها في قدمه.
وأوضح، بصوت مرعوب، أنه عاش بين أزيز الرصاص واصوات المدافع والانفجارات، وشاهد جثة بلا رأس، وسمع صرخات قتيل قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
قال «الحميري» إنه يجوع كثيراً خلال الليل، ولا يستطيع النوم أحياناً. لقد تدهورت صحته كثيراً، ومازالت في تدهور مستمر. لم يعد يرى أو يسمع بشكل جيد، لسانه ثقيلة، أحياناً جسده يرتعش ويسقط أرضاً مغشياَ عليه، وليس هناك من ينقذه.

< صحيفة «الشارع» الورقية اليومية 20 نوفمبر 2019 العدد 1106

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى