“صدى مصر”- ملكة محمد أكجيل:
عندما تتحدث عن الشعر مع الجيل الحديث يربطه مباشرة بالغزل و المرأة و العواطف حتى بات الشاعر في ظن الشباب رجل يعدو وراء النساء للإيقاع بهن .
للأسف رؤية ظالمة للشاعر، ليس نكرانا أو جحودا لعمالقة الغزل في الشعر العربي سواء القديم أو الحديث لكن ليس من العدل تجاهل وظيفة أخرى قامت بها قصائد مبدعي النظم والصور البلاغية الرائعة فقديما كان الشاعر والقصيدة يؤلفان مؤسسة إعلامية فاعلة. وكانت القصيدة بيانا سياسيا واجتماعيا للتكتلات السياسية والاجتماعية والمذهبية. كان الشعر يشكل الأساس لحركة المجتمع العربي, فالشاعر في القبيلة من يؤرخ الأحداث الهامة, والمناسبات البارزة التي يفخر أبناء القبيلة بتسجيل وقائعها, ويحرصون على التبشير بها بين القبائل وكل قبيلة تفخر بشعرائها فمنهم من يدعم حاكما ومن يعارض خليفة بل حتى المذاهب الدينية كان لها نصيبا من القبول أو الرفض في القصيدة.
فما نراه من تفاعل مع أقلام المثقفين اليوم سواء بالدعم أو السجن والقتل أو حتى والإقصاء والرقابة والمنع ليس بأسلوب جديد للتعامل مع الشاعر أو المبدع بل يكفي أن نذكر كلمتي “الزندقة” و “الكفر” التي كانت سوطا للتعامل مع كل مبدع خرج عن إطار منهج الطبقة الحاكمة أو تعرض للمذهب ديني بالنقد.
سجن الشاعر أو إعدامه كان خلودا أدبيا في ذاكرة تاريخ الشعر العربي قتل جسد الشاعر فقط لأنَّ استمرارية الشاعر في استمرارية أشعاره, لذلك فالشعر إذا قتل صاحبه فإنه يمنحه مكانة أدبية رفيعة, لأنه بهذا الموت من خلال أشعاره الخالدة ولتأثير الشعر.
فالشعر هو أول ظاهرة إعلامية أتى عبرها التنديد والمطالبة بالحق و الإخبار و التوثيق. طرفة بن العبد قتلته أبياته و المتنبي قطع رأسه من بني أسد لأجل بيت شعري والشاعر النعيمي أعدم منذ سنوات لنفس السبب.
فسخط الطبقة الحاكمة يخطو بالشاعر نحو المقصلة أو السجن وأحيانا يعيش هاربا ليحصل على هوية الشاعر “الصعلوك”.
تجربة السّجن لم تستثني الشاعر الضرير اليمني عبد الله البردوني الّذي تعرض للعنف وكل أنواع التعذيب ولم يشفع له مرضه وفقدان بصره من الزنزانة يصرخ شاعر اليمن من أعماق السجن قائلًا:
هدني السجن وأدمى القيد ساقي
فتعاييت بجرحي ووثاقي
وأضعت الخطو في شوك الدجى
والعمى والقيد والجرح رفاقي
في سبيل الفجر ما لا قيت في
رحلة التيه وما سوف ألاقي
سوف يفنى كلّ قيد وقوى
كل سفاح وعطر الجرح باقي
ولد عبد الله صالح حسن الشحف البَرَدُّوْنِي سنة 1929 في محافظة ذمار وتوفي في سنة 30 أغسطس 1999
أصيب بوباء الجدري وهو في الخامسة من عمره وفقد بصره كليا، لكن هذا لم يحل دون نبوغه الشعري الذي جعله من أبرز الشعراء والأدباء في العالم العربي منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى أغسطس 1999 و اشتغل بعد تخرجه من الجامعة مدرسا للأدب العربي.
ويعد البردوني شاعرا وناقدا و ومؤرخا، تناول في مؤلفاته تاريخ الشعر القديم والحديث في اليمن تناولت إبداعاته مواضيع سياسية متعلقة ببلده أبرزها الصراع بين النظام الجمهوري والملكي الذي أطيح به في ثورة 1962.
تنقل البردوني في عدد من الوظائف الحكومية والمناصب، وترأس لجنة النصوص في إذاعة صنعاء وأدار البرامج في نفس الإذاعة عام 1980، كما أعد برنامجا أسبوعيا بعنوان “مجلة الفكر والأدب” الذي يعتبر من أفضل البرامج الإذاعية الثقافية في إذاعة صنعاء، واستمر في إعداده منذ 1964 حتى وفاته سنة 1999.
كما عمل في الفترة بين 1969 و 1975 مشرفًا بالقسم الثقافي في مجلة الجيش ونشر مقالات بعنوان (قضايا الفكر والأدب) في صحيفة 26 سبتمبر، وفي صحيفة الثورة تحت عنوان (شؤون ثقافية)، إضافة إلى أنه أول من وضع حجر أساس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين سنة 1970.
عانى الشاعر من الجوع و الفقر و المرض معاناة أنتجت شاعرًا ثوريًا وجريئًا ناضل بالقصيدة ضد التسلط والديكتاتورية والقهر ودعم المظلومين والغلابة، لا يخاف الجهر برأيه وبانتقاده للسلطة والفساد القائم هو يعرف حقيقة ما قد يناله من متاعب كالتجويع والسجن.
تناول اليمنيين وما تعرضوا له من ظلم وتفقير وتجهيل، وكتب عن أحلام البسطاء وأحزانهم بأسلوب إبداعي فريد، وأطنب الشاعر في وصف ما عاشه الوطن، فكانت كلماته مرآةً لآلام الشعب وهمومه، داعيا من خلالها إلى استيراد حقوق الناس ورفع المظالم عنهم، وإلى ثورة تشعبية تُعيد هيبة ومجد المنسيين والمسحوقين، فكانت قصيدته الرائعة “حين يصحو الشعب” التي قال فيها:
يا زفير الشعب:
حرِق دولة
تحتسي من جرحك
القاني مداما
دعوة صريحةً للوقوف في وجه السلطة خصوصا في عهد الرئيس عبد الله صالح الذي دأب على حصار الشاعر و منع وصول كتاباته إلى القراء.
عرف الشاعر اليمني عبد الله البردوني بمشاعر السخط تجاه السلطة وعم الحزن والغضب والتمرد وروح التغيير والتجديد قصائده، معتمدا على لغة ساحرة وكلمات مؤنقة تجمع بين سحر السخرية وأوجاع الصورة، فأخرج للعالم أشعارا موغلة في الإبداع والجمالية.
فالسجن لم يكسر قلمه ولا أخل بقافيته بل زاد غضبه ضد السلطة التي عملت على ضياع أكثر كتاباته و دواوينه.
أصدر البردوني خلال مسيرته الأدبية ثماني دراسات، و12 ديوانا، هي وفق الصدور: “من أرض بلقيس”، “في طريق الفجر”، “مدينة الغد”، “لعيني أم بلقيس”، “السفر إلى الأيام الخضر”، “وجوه دخانية في مرايا الليل”، “زمان بلا نوعية”، “ترجمة رملية لأعراس الغبار”، “كائنات الشوق الآخر”، “رواغ المصابيح”، “جواب العصور”، “رجعة الحكيم بن زائد”. ليرحل عن عالم الظلم سنة 1999.