مقالات رأي

ثغرة للنور يا “توجان”

البيان الذي نشرته مدرسة خاصة بالأردن ضد المتميزة توجان البخيتي متهمة إياها بحمل أفكار مسمومة وبالكذب، ودعت فيه عامة المسلمين الغيورين على الدين إلى النصرة ضد توجان (17 عامًا) من المفترض أن يفتح باباً واسعاً للنقاش لدى الحكومة الأردنية والمجتمع باعتبار الخطر يستهدفهم بالمقام الأول.

توجان تمثل جيلاً جديداً، ودعاة التطرف المتعصبين يقفون حجر عثرة أمام هذا الجيل، كما وقفوا عبر التاريخ ضد كل صاحب رأي أو فكرة، وأغلقوا باب التفكير وفتحوا محاكم التفتيش، وباسم الدين صلبوا وقتلوا وأحرقوا خيرة مفكري الأمة وفلاسفتها.

من الذي قتل “المقفع” وبشار بن برد، وأهم فلاسفة الدهر “سقراط”، ومن الذي قتل الحلاج ونفى أبو عيسى الوراق غير التعصب؟

غادرت أوروبا المسيحية محاكم التفتيش بعد أن أزاحت من طريقها تجار الدين وكهنة المعابد، وعلى الشرق، إن أراد بلداناً تحكمها المعرفة والقانون والحداثة، عزل الدين عن الدولة.

الدكتور طه حسين علق على بعض النقاط بالقرآن في كتابه الشعر الجاهلي فثار عليه المتعصبون حتى طرد من جميع المناصب الحكومية. ومحمود طه الذي أسس حزباً بالسودان عندما حاول تقليل دور الشريعة في قوانين الدولة حكموا عليه بالقتل وشنقوه في العام 1985م.

لا نريد أن نفتح تاريخاً مثخناً بالدم، ثم لا نريد أن نحمل هذا التاريخ بإرثه المتراكم لأكثر من ألف وأربعمائة عام لنفرضه على أجيال لم تعد تؤمن بالخرافات والأساطير وتعيش عصر العلم والحضارة الآن.

مثلما ليس منطقياً أيضاً أن تكون المدارس والجامعات والمعاهد مصانع لتعليب كائنات مستنسخة تصبح مع الزمن قنابل متفجرة في طريق الأجيال والمجتمعات والحياة.

من وقفوا بهذا التعصب والصلف ضد “توجان” لم يدركوا تغيرات الزمن، ولم يعوا أنه عصر الاتصال والمعلومات.

ومهما حاول البعض تناول القضية باجتزاء وتسفيه أو تحميل والدها الأسباب أو محاولة التذاكي في إعلان الموقف فإن ذلك لا ينقص من الحرية كمبدأ يتفق عليه الجميع.

ما لم يفتح باب الاجتهاد والتفكير الحر، ويتاح للناس النقد، سنظل ندور في دوامة التعصب ومحاكم التفتيش. وإذا كانت حادثة توجان البخيتي قد فتحت ثغرة للنور فإن من العمى أن يظل مستقبل الأجيال بيد أصحاب العمائم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى