يقف الاقتصاد العالمي، مع تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، بمواجهة أزمة قد تعصف بالأسواق المالية القائم عليها واقتصاديات الدول الكبرى المعتمدة عليه في تهيئة الشروط الملائمة لاستمرار دورات تراكم رؤوس المال، وبسط سيطرتها، والقلة النافذة من الأثرياء، على مقدرات شعوب العالم القابعة في فقر مدقع، لم تنجح وعود الرأسمالية وأدواتها الدولية (كمجموعة البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية) في إخراجها منه، أو إقناعها بأن ثمة ضوء في آخر النفق المظلم الذي تجرهم فيه منذ عقود وتتعثر.
لم تمضِ مدة طويلة منذُ الأزمة المالية العالمية في 2008، التي عُرفت بأزمة القروض (الرهون) العقارية، لكن يبدو أن “تناقضات الرأسمالية” لم تعد تسمح باكتساب “مناعة” من الوقوع في مزيد من الأزمات التي تتهدد بنيانها المتضخم (اقتصاد السوق الحر)، والذي يثبت في كل دورة أزمات بأنه أوهن من القدرة على وقاية نفسه بنفسه، كما تفترض مدرسة الاقتصاديين النمساويين (هايك وميزس) ومن بعدهم مدرسة شيكاغو الاقتصادية (ميلتون فريدمان)، دون التدخلات الحكومية الموجهة- للمفارقة!
بإمكان أنصار النظرية النيوليبرالية، خصوصاً أبناء شيكاغو من تلامذة ميلتون فريدمان (حاصل على نوبل في الاقتصاد 1976)، الجدال: أنَّ التدخلات الحكومية كانت وستبقى على الدوام سبب رئيسي في دورات الأزمات التي لا تتوقف. ولا يتطلب الأمر سوى معرفة أن نقدهم هذا يطال، تحديداً، تدخلات حكومتي بريطانيا وأمريكا، لتصبح حججهم بالكامل مثيرة لسخرية الغالبية الساحقة (الفقيرة) على الكوكب. فعند صعود تاتشر سدة الحكومة البريطانية في 1979 حسمت أمر تخلي الدولة عن واجباتها الاجتماعية تجاه المواطنين بتصريح يتناسب تماماً ومتطلبات النظرية الاقتصادية النيوليبرالية، على حساب المدرسة الكنزية (الرأسمالية المتجذرة التي عُدّت بالية): “لا يوجد مجتمع، هناك أفراد فقط: رجال ونساء، وأسرهم“.
ذهبت، بعد ذلك، كثير من البلدان الأوروبية وراء بريطانيا- تاتشر، وأمريكا- ريجن، وذيولها من الدول التي أصبحت أكثر تحولاً نحو الليبرالية، ونَزَعَت إلى تبني سياسات صادمة كالخصخصة المتطرفة، والحد من الإنفاق الحكومي، والتقشف في مواجهة الدين العام، والتركيز على تقويض التضخم، وتوجيه الإسناد الحكومي الكامل للقطاع الخاص مع خفض الضرائب على شركاته ومؤسساته المالية، وتقديس الملكية الخاصة وحرية السوق التنافسية، ورفع القيود الحمائية عنها، بمزاعم أن تلك الإجراءات كفيلة بتجاوز فترات الركود وتقليص مددها مع تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة موجهة بالسوق وليس بالدولة، ولو على حساب معدلات البطالة وقضايا الأجور وتعويضات العمال وإعانات البطالة والتقاعد والرعاية الصحية.
تركز النيوليبرالية على تعزيز العرض وخلق الفرص أمام القطاع الخاص، ومن يُسَمَّو بـ “رواد الأعمال”، على حساب إنعاش الطلب. فيما يجادل الناقد العتيد لسياساتها، ديفيد هارفي، بما مفاده: أن الخلافات بين مُنَظِّريها من جهة، وراسمي السياسة ومنفذيها، من جهة أخرى، لا تعدو عن كونها توترات سطحية نابعة من طوباوية النظرية ومنظريها، في مقابل حقيقة أن للساسة طريقتهم الخاصة في الدفاع عن مصالحهم (ومصالح قلة الأثرياء المتحكمين بثروات العالم) على امتداد الأفق الذي منحتهم النظرية واقتصاديوها الجهابذة “مشكورين”.
لنقارب مفهوم التناقض الآن، ولنبدأ من الصين، التي ولأسباب ثقافية علينا تفهمها، يحدث فيها، بدرجة قد تكون أقل بكثير مما يُشاع عن الصينيين، أنهم يأكلون كل كائن دَبَّ على وجه الأرض- حَلَّق في السماء، أو عَامَ وغطس في البحار والأنهار وحتى المستنقعات- لديهم سلسلة غذائية “مختلفة”، وعلينا الإقرار بأننا نحترم الثقافة التي تسمح بذلك إنما مع تكرار مناشدة أصحابها، برجاء، مراجعة سلسلة غذائية “غير معتادة” كهاته؛ تبدو شديدة الارتباط بظهور طفرات جينية على كائنات “مجهرية” تُتَنَاقل بالعدوى بين البشر، مسببةً الأمراض المعدية والأوبئة الفتاكة- كفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19).
ليس بالإمكان أن يصبحَ أي كائن حي وجبة. وعواقب تناوله قد تخالف الطبيعة الإنسانية المتقدمة وتناقض صحتها بشكل كارثي على النحو الذي يعانيه العالم الآن مع ظهور الفيروس وانتشاره ابتداءً من مدينة ووهان الصينية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مروراً بإعلانه جائحة عالمية من قبل منظمة الصحة العالمية في مارس (آذار) المنصرم.
حدث أمر مشابه في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين مع ازدياد الوفيات جراء تناول لحوم مصابة بمرض اتفق على تسميته بجنون البقر. وجوهر المشكلة، كما لخصها الصحفي الكبير جهاد الخازن، ذات عمود على الصفحة الأخيرة لصحيفة الحياة اللندنية، أنَّ مُرَبِّيي الأبقار دأبوا، خلال فترة طويلة قبل ظهور المرض، على إطعامها أعلافاً تم خلطُها ببقايا الوجبات السريعة كالهمبرجر، فكانت النتيجة أن تَحَوُّلت من حيوانات نباتية إلى لاحمة، وأصيبت بالجنون. مرةٌ أخرى سنؤكد: ليس كل شيء يصلح للتناول. ومن الضروري التنبه إلى المسلك الزلق للغاية بين طرفين من مستويين متعارضين عبر مسافة الأمان التي تتقلص بفعل ممارسات السوق التنافسية. والمقصود هنا التحذير من الانتقال مما هو “ممكن”، وليس إلى ما “لا يمكن” بقدر ما هو الانزلاق إلى “ما لا يصلح”، حتى لا يقع التناقض الذي لا تريد الرأسمالية الجديدة أن تفهمه وهي تنزلق نحو توريق وتسليع “صيغ الفعل الإنساني”، وتُصِرّ على إخضاعها للتبادل وفقاً لآليات السوق والتنافسية القائمة على حقوق الملكية الخاصة والحرية.
هناك أشياء لا تصلح لأن تباع أو تشترى، وأشياء أخرى قد تبدو صالحة في مظهرها، فيما مسار تحويلها إلى سلعٍ كان يَعُج بتناقضات غير منطقية سَبَّبت وستتسبب بدخول السوق التنافسية والرأسمالية حلقة أزمات مفرغة يتناقص نصف قطرها مع كل دورة. وقد ابتدأ كل ذلك قديماً (بحسب إنجلز) مع تحول التبادل السلعي من المقايضة البسيطة لاستهلاك ما يكفي الحاجة، بين فَردين ينتج كل منهما سلعته بيده وجهده، إلى مقايضة بين مؤسسات ربحية (خاصة) تنتج سلعاً وتستخدم أَجَراء (عُمَّال) وتبيعها للأفراد. انتقلت العلاقة من كونها قائمة على تبادل (فرد- فرد) بغرض الكفاية، إلى تبادل (مؤسسة- فرد) بغرض التّرَبُّح، مروراً بعملية ابتكار النقود وربطها بالذهب، وظهور الدولار الأمريكي، ثم التخلي عن الذهب وربط العملة الأمريكية بالهواء والريح، وسمعة الاقتصاد الأمريكي، وطبع الاحتياطي الفيدرالي (النظير للبنك المركزي في البلدان الأخرى) للمزيد من الأوراق الخضراء مع كل أزمة.
وعندما تتناهى الجغرافيا، بحسب عبد الوهاب المسيري، تتحول الأسواق الاستهلاكية المادية، غير القادرة على التوسع أكثر، إلى الشكل النفساني والافتراضي، بالإضافة إلى الأدوات المالية وتوريق الرهون والديون والمضاربات في البورصة. وكل تلك الأشكال تُستثمَر في تطلعات ورغبات الإنسان وخياله، ويرافق ذلك، بالطبع، تزييف كبير للوعي تعتمد فيه الرأسمالية الجديدة على إيدلوجيتها التي تنتقي تفسيراً لمفهومي الحرية الفردية والكرامة، بالإحالة إلى مبدأ آدم سميث، الذي أطلقه أواخر القرن الثامن عشر، حول اليد الخفية القادرة على تحشيد تطرفات النزعة الفردانية لمصلحة خيرية الجميع، وتحقيق التوازن الأخلاقي في اقتصاد السوق، وهو المبدأ الذي أعاد إنتاجه، فيما بعد، ميلتون فريدمان، بقاعدته القائلة بـ “فرص التعاون بدون إكراه”.
لنضع بين قوسين ما قد تراه النيوليبرالية أمراً بالغ القيمة الإنسانية (فيما تحققه مواقع التواصل الاجتماعي من تقارب وألفة بين الناس على امتداد الجغرافيا المترامية)، ولنعكس العلاقة “الأخلاقية” المقلوبة، حتى نرصد بوضوح ما أسماه ديفيد هارفي (وهو لا يبدو بعيداً عن توصيف المسيري) بالتكثيف “الزماني- المكاني”، الذي يُتِيح للرأسمالية الجديدة الامتداد الجغرافي الواسع لتخليق الفرص أمام العقود القصيرة واعتمادها في ذلك على تكنولوجيا المعلومات. حسناً؛ بالعودة إلى مفهوم حرية الفرد سنستعين بمقولة ماثيو أرنولد التي نقلها عنه هارفي (في كتابه عن النيوليبرالية): “إن الحرية مثل حصان رائع نمتطيه إلى وجهة محددة”.
نحن نطالع ونستحسن انعكاس حقائقنا كظلال على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ونلاحق باندهاش جريان إطلالاتنا الافتراضية نحو تلك الوجهة المحددة. صحيح؛ صرنا نتواصل ونسأل ونتعاطف ونتبادل المشاعر مع الآخرين، لكننا نبتاع، من حيث لا ندري، ظلال الوهم بتبادلات حرة تستنزف مخزون الحقيقة، فيما تناهز ثروة شخص كمارك زوكمبيرج الـ 61 مليار دولار.