معهد أمريكي للدراسات الاستراتيجية: المحادثات السعودية- الحوثية لن توقف الحرب*

عناوين فرعية:
– لا يوجد في الوقت الراهن ما يشير إلى أن الحوثيين سيوقفون أنشطتهم العسكرية داخل اليمن، ويبدو أن القتال سيستمر
– قد يؤدي وقف إطلاق النار، مرة أخرى، إلى تمكين الحوثيين من تحقيق مكاسب على الأرض
-
تتطلع السعودية إلى تأمين استراتيجية خروج من اليمن تحفظ ماء الوجه، وبما يؤدي إلى الحد من التهديدات التي تتعرض لها أراضيها، والحد من قدرة إيران على استخدام الحوثيين كغطاء لعملياتها
-
تتمثل المخاوف الحالية للسعودية في حماية أراضيها بالكامل، بما في ذلك حدودها الجنوبية، وإيجاد مخرج من المأزق العسكري في اليمن
-
لدى السعودية 4 مطالب رئيسية: وقف برنامج الحوثيين للطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية بدءاً بإنهاء الهجمات عليها، ووقف الأعمال العدائية على حدودها الجنوبية، قطع العلاقات بين الحوثيين والإيرانيين، استئناف محادثات السلام بين اليمنيين
-
عام 2016، اتفق السعوديون والحوثيون، بدون مشاركة الحكومة اليمنية، على تخفيف حدة التوتر في العديد من المحافظات الشمالية
-
حينها، أنشأ السعوديون والحوثيون لجنة مشتركة لخفض التصعيد، والتنسيق لمراقبة وقف إطلاق النار، وتأمين جنوب المملكة، إلا أن الخطة فشلت
-
يُعتقد أن المبلغ الذي أنفقته السعودية على حملتها في اليمن، على مدى السنوات الخمس الماضية، بلغ ما لا يقل عن 265 مليار دولار
-
التقديرات تقول إن الرياض تنفق نحو 200 مليون دولار في اليوم على الحرب في اليمن
إبراهيم جلال**- معهد الشرق الأوسط – ترجمة: عبدالله قائد- خاص بـ “الشارع”:
أشار وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، في فبراير 2020، إلى أن المحادثات السعودية- الحوثية، التي تجري خلف الكواليس، لم تكن “جاهزة لتنتقل إلى المستوى الأخير”، إلا أن ذلك الوضع قد تغير بعد الهجوم الصاروخي الباليستي للحوثيين على جازان والرياض، في أواخر مارس.
أعلنت قيادة القوات المشتركة للتحالف، في 8 أبريل، عن وقف لإطلاق النار من جانب واحد، لمدة أسبوعين، في اليمن. جاء ذلك بعد أسبوع واحد فقط من دعوة السفير السعودي إلى اليمن، محمد آل جابر، المتمردين الحوثيين والحكومة اليمنية لإجراء محادثات في الرياض.
وأتت المبادرة التي اقترحها آل جابر- كما يبدو- لتعكس محادثات الرياض التي جرت في مايو 2015، والتي تخلى عنها الحوثيون، نظراً لمخاوف رئيسية تتعلق بمسألة الحياد. ومع ذلك، أوضحت السياسات السعودية، منذ هجمات سبتمبر 2019 على منشآتها النفطية في بقيق وخريص، أن المملكة تتطلع إلى تأمين استراتيجية خروج من اليمن تحفظ ماء الوجه، بحيث تحرص هذه الاستراتيجية على الحد من التهديدات التي تتعرض لها أراضيها، وعلى الحد من قدرة إيران على استخدام الحوثيين كغطاء لعملياتها، وبالتالي تحول تركيزها على التهديدات الداخلية والخارجية الناشئة. فالتداعيات الاقتصادية غير المسبوقة لوباء كوفيد- 19، والانخفاض الحاد في أسعار النفط العالمية، والتهديدات الأمنية المُعتبرة للعمق الاستراتيجي السعودي، مع دخول الرياض السنة السادسة من الحرب بمفردها تقريباً، كلها عوامل تسهم بهكذا تحول في السياسة.
من جانب آخر، رفض عبد الملك العجري، عضو فريق التفاوض الحوثي، قبول أن تكون الرياض مكاناً لعقد المحادثات، مرجعاً ذلك، بشكل أساسي، إلى أن الحكومة السعودية رعت طرفاً في الصراع. كما أكد كبير المفاوضين الحوثيين، محمد عبد السلام، تركيزهم على وضع حد نهائي للحرب، ومن المرجح أن يمنع ذلك الرياض من أن تتولى موقعاً احتياطياً كوسيط، وهو الدور الذي لعبته في عام 1970، عندما رعى الملك فيصل المصالحة الوطنية في اليمن بين الجمهوريين المدعومين من مصر، والملكيين المدعومين من السعودية. وهذا يعني، أيضاً، أن هناك حاجة ماسة إلى تنشيط وإعادة تقويم عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة بقيادة المبعوث الخاص إلى اليمن، مارتن غريفيث، بهدف تطوير أرضية مشتركة لاتفاق سلام على مستوى البلاد بين اليمنيين، فضلاً عن خارطة طريق يمنية- سعودية استراتيجية بعد الحرب.
من أمن الحدود إلى الأمن في جميع أنحاء البلاد
تدفع مشاعر الإحساس بالتهديد، بشكل كبير، المحادثات خلف الكواليس بين السعودية والحوثيين، والقائمة بفضل الضغوط الأمريكية والبريطانية، حتى وإن كان ذلك يعود بدرجات متفاوتة إلى عدم تماثل القوة فيما بين الجانبين. واصلت الرياض بإجراء محادثات مباشرة وغير مباشرة مع الحوثيين للتخفيف من التهديدات المترتبة على الأمن القومي لأراضيها. اتفق السعوديون والحوثيون في عام 2016، بدون مشاركة الحكومة اليمنية، على تخفيف حدة التوتر في العديد من المحافظات الشمالية، بما في ذلك محافظة حجة، من خلال إنشاء لجنة مشتركة لخفض التصعيد، والتنسيق لمراقبة وقف إطلاق النار، وتأمين جنوب المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، فشلت الخطة، ويرجع ذلك، بشكل كبير، إلى أن الصراع لم يجر حله خلال محادثات السلام في الكويت.
وقد أدى تطوير الحوثيين لقدرات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية إلى توسيع نطاق التهديدات التي تتعرض لها المملكة، وتعميق مداها، بشكل كبير. الهجمات المنتظمة للحوثيين على المدن السعودية، بما في ذلك الرياض، الواقعة على بعد حوالي 1300 كيلومتر من صنعاء، وعلى البنية التحتية النفطية الحيوية، أثارت الغموض، بل وخلفت غموضاَ أكثر حول الضربة التي وقعت في سبتمبر 2019 على منشآت أرامكو لمعالجة النفط، والتي خفضت إنتاج النفط السعودي مؤقتاً إلى النصف.
كشفت هجمات الحوثيين الهجينة عن ضعف في القدرات الدفاعية المألوفة للمملكة العربية السعودية، وعدم موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية، على الرغم من أن الرياض كانت ثالث أكبر منفق عسكري في العالم في الـ 2015 و2017 و2018، فضلاً عن أنها عززت إمكانية الإنكار المقبول ظاهرياً من قبل إيران؛ قبيل أن يدحض محققو الأمم المتحدة ادعاء الحوثيين بمسؤوليتهم عن غارة سبتمبر.
بين عامي 2015 و2019، بلغ إجمالي إنفاق المملكة العربية السعودية على الأسلحة أكثر من 340 مليار دولار، في حين يُعتقد أن المبلغ الذي جرى إنفاقه على حملتها في اليمن، على مدى السنوات الخمس الماضية، بلغ ما لا يقل عن 265 مليار دولار (بالنظر إلى التكاليف المقدرة المذكورة بنحو 200 مليون دولار في اليوم). وقد زادت هذه الحقائق من الشعور بالضعف في المملكة، مما غيّر أولويات المملكة العربية السعودية وشواغلها المباشرة في اليمن.
ما بعد أرامكو
ووفقاً للسفير السعودي آل لجابر، أعادت الرياض تنشيط المحادثات المباشرة والمستمرة مع الحوثيين في سبتمبر 2019، نتيجة لتزايد التهديدات والقضايا الأمنية في منطقة الخليج. وكانت الزيارات التي قام بها نائب وزير الدفاع، الأمير خالد بن سلمان، إلى مسقط في عُمان، والتي ظلت تحتضن اجتماعات الحوثيين مع المسؤولين البريطانيين والأمريكيين، في الفترة الممتدة من نوفمبر 2019 و مارس 2020، أظهرت أن المملكة العربية السعودية لم تكن حريصة على خفض مستوى التهديد فحسب، بل وعلى إيجاد مخرج للحرب. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يحضر الحوثيون الاجتماعات خلال الزيارتين التي قام بها خالد بن سلمان، خاصة وأن الوفد السعودي ضم، في شهر نوفمبر، رؤساء شعبة الاستخبارات في المملكة واللجنة الخاصة (المشرفة على السياسة اليمنية)، فضلاً عن ولي العهد، الشقيق الأصغر لمحمد بن سلمان.
في أعقاب اجتماع نوفمبر، والمناقشات المستمرة التي أجرتها اللجان الأمنية والسياسية المشتركة بين السعودية والحوثيين، انخفضت وتيرة الغارات الجوية للتحالف بشكل كبير من 388 غارة في أبريل 2015 إلى 46 غارة في فبراير 2020، مما أعطى الحوثيين مزيداً من النفوذ، وزاد من قدرتهم على شن هجمات متسقة على عدد من الجبهات. كما أعاد التحالف فتح مطار صنعاء الدولي للرحلات الطبية تحت إشراف الأمم المتحدة. وفي حين كانت هذه الخطوات بمثابة محاولات لبناء الثقة بين الحوثيين والسعوديين، استخدم الحوثيون خفض التصعيد غير المعلن كغطاء لتحقيق مكاسب على الأرض في الجوف. وعلى الرغم من غياب التعامل بالمثل من قبل الحوثيين، شدد خالد بن سلمان، في أبريل، على التزام المملكة بـ “تسوية سياسية شاملة في اليمن”. ومع تنامي الدعوات الإقليمية للسلام، فإن عدم مشاركة مسقط في التحالف العربي، ودعمها لمحادثات السلام الشامل، يجعل من عُمان أرضاً محايدة لاستضافة وتسهيل عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة.
المخاطر الحالية
تتمثل المخاوف الحالية للمملكة العربية السعودية في شقين: حماية أراضيها بالكامل، بما في ذلك حدودها الجنوبية المشتركة، وإيجاد مخرج من المأزق العسكري في اليمن. ولمعالجة هذه القضايا، لدى المملكة أربعة مطالب رئيسية: أولاً، وقف برنامج الحوثيين للطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، بدءاً بإنهاء الهجمات؛ ثانياً، وقف الأعمال العدائية للحوثيين على الحدود الجنوبية للمملكة؛ ثالثاً، قطع العلاقات بين الحوثيين والإيرانيين؛ ورابعاً، استئناف محادثات السلام بين اليمنيين. يعد المطلبان الأوليان عاجلان وحاسمان بالنسبة للأمن المادي للمملكة العربية السعودية، أما الرابع فهو السبيل الذي يمكن من خلاله للرياض أن تنجز انسحاباً سلساً. ومن غير المرجح أن يتحقق الشرط الثالث، لكنه سيبقى على الأرجح قائماً في المستقبل بالنسبة للأمن السعودي والخليجي.
أما الحوثيون فلديهم شرطان واضحان، بشكل مستمر، مقابل الانخراط في خفض جدي للتصعيد: انسحاب قوات التحالف المتبقية، ورفع حصاره عن اليمن. وفي حين زاد الانسحاب السوداني، والانسحاب الإماراتي، من جرأة الحوثيين على “عدم الوفاء” بالمطلب الأول للسعودية، لذا فإن الولايات المتحدة، والتحالف، والحكومة، جميعهم لديهم مخاوف جدية بشأن المطلب الثاني بخصوص تهريب الحوثيين للأسلحة غير المشروعة، في حال جرى رفع الحصار خلال زمن الحرب. ونظراً لهذا التعقيد، يرتبط المطلبان ارتباطاً كبيراً بقرار إنهاء النزاع، الذي ستشمل خطوطه العريضة الحكومة اليمنية، أساس التدخل العسكري الذي تقوده السعودية في البلاد، واستئناف العملية السياسية التي تحدد المرحلة الانتقالية. وعليه، فإن وقف إطلاق النار الحالي لا يلبي المطالب القصوى للحوثيين، ولا يمكنه الصمود ما لم تكن هناك محادثات سلام جادة، استناداً إلى البراهين القائمة منذ عام 2015.
تهتم المملكة العربية السعودية، كقوة إقليمية، بمكانتها الدولية، وستركز جهودها على ضمان الوفاء باستراتيجية خروج دولية من اليمن تحفظ ماء الوجه؛ وهذا يعني أن احتمالات سحب قوات التحالف المتبقية، و/أو رفع الحصار، تتوقف إلى حد كبير على التوصل إلى تسوية يجري التفاوض بشأنها سياسياً بين الحكومة اليمنية والحوثيين.
من وجهة نظر سعودية، يمكن مقايضة وقف هجمات الحوثيين الصاروخية على السعودية إما بتعليق الغارات الجوية السعودية على الحوثيين (في أحسن الأحوال)، أو الحد منها (في أسوأ الأحوال)، والتي يمكن استئنافها بسهولة كلما فاقت الفوائد التكاليف. أما بالنسبة للمنطقة الحدودية، فقد أوضح الحوثيون أن وقف الأعمال العدائية في جنوب المملكة العربية السعودية مرتبط بمطلبيهم الاثنين المركزيين، في مسعى للحفاظ على نفوذهم والمساومة من موقع قوة.
أما بخصوص قطع العلاقات بين إيران والحوثيين، فيبدو أن ذلك سيكون مطلباً غير واقعياً في ظل الظروف الحالية. تشترك إيران والحوثيون بأكثر من مجرد أهداف مشتركة، وذلك لسببين رئيسيين: أولاً، يدين الحوثيون بالكثير من نجاح تمردهم لإيران منذ تشكيل “الشباب المؤمن” في الثمانينات، حيث تلقوا دعماً استراتيجياً كبيراً، منذ ذلك الحين، ثانياً، يشارك الحوثيون إيران في طموحها التوسعي “الهلال الشيعي”. كما أنهم جزء لا يتجزأ من “محور المقاومة” الذي تقوده إيران؛ نظراً لقربهم من مضيق باب المندب الاستراتيجي، فالسيطرة عليه يمكن أن تُستغل لخنق التجارة البحرية كلما دعت الحاجة.
آفاق وقف إطلاق النار؟
ومع إقدام المجتمع الدولي على الترحيب بوقف إطلاق النار من جانب واحد من قبل التحالف، وإلقاء ثقله خلف المبعوث الخاص للأمم المتحدة، لا يوجد في الوقت الراهن ما يشير إلى أن الحوثيين سيوقفون أنشطتهم العسكرية داخل اليمن. فبعد يوم واحد من إعلان وقف إطلاق النار، أكد الحوثيون عزمهم على مواصلة القتال في اليمن حتى رفع الحصار أو التوصل إلى اتفاق شامل. وبالنظر إلى المشهد الأمني المتقلب في محافظة الجوف، فضلاً عن الهجوم الأخير بالصواريخ الباليستية الحوثية على مأرب، وقصف المنازل في منطقة حيس في الحديدة، ونشر تعزيزات عسكرية في البيضاء بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، يبدو أن القتال سيستمر في اليمن في المستقبل المنظور.
بعبارة أخرى، يهدف وقف إطلاق النار من قبل التحالف إلى الحد من الهجمات المألوفة وغير المألوفة على المملكة العربية السعودية، ولم يتطرق بعد لمسألة حل النزاع في اليمن. وفي ظل غياب الضغط في القوة الجوية، ومع ظهور انقسامات قاتلة داخل القوات المدعومة من التحالف، مع تقدم المحادثات بين الحوثيين والسعوديين، قد يؤدي وقف إطلاق النار، مرة أخرى، إلى تمكين الحوثيين من تحقيق مكاسب على الأرض. وما لم يكن الهدف الحقيقي من المحادثات غير المعلنة بين السعودية والحوثيين هو دعم عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة، وليس مجرد استغلال الطوارئ الملحة بشأن جائحة كوفيد- 19، أو معالجة المخاوف السعودية المباشرة، فإنهم سيواجهون بلا شك نكسات وينهار وقف إطلاق النار، شأنه شأن ما آلت إليه الجهود السابقة تماماَ!
————–
*في 15 أبريل الجاري، نُشِرَ هذا التقرير في الموقع الإلكتروني للمعهد الشرق الأوسط الأمريكي، بعنوان “السعودية تفكر بمخرج من اليمن، لكن المحادثات السعودية- الحوثية وحدها لن تحل النزاع”.
**إبراهيم جلال، هو باحث غير مقيم في معهد الشرق الأوسط الأمريكي، وهو محلل مستقل بالشأن اليمني والخليجي.
عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 23أبريل 2020، العدد 1231



