مقالات رأي

كلام مختصر عن “بهران” وإشادته بالحمدي

 الأستاذ الوطني المناضل النزيه الراحل يحيى محمد بهران يرحمه الله رجل سكن فيه الوطن وحمله حلماً وهماً وأماني وشعائر وشجر ثمارها، الحرية والتنمية المتوازنة في ظل دولة عادله قانون حقوق، وواجبات  للجميع.

رجل حب وعشق وطن للحياة والبناء والتجديد بالشعب المكافح المجيد. قال لي كما أكد غيره، كان اليمن خارج الزمن والجغرافيا وطبيعة حياة البشر استبعد عن تاريخه وحضارته العريقة ذات التاريخ المجيد، فعُزل عن حياة المدنية والتنمية والعلم والتعليم والصحة والعيش الكريم.

وكان يعتقد معظم سكانه بأنه البلد الوحيد على الارض وبجواره الحجاز (المدينة المنورة أي الكعبة في مكة المكرمة ومسجد  سيدنا خاتم الانبياء والمرسلين نبي الهدى والسلام..، واذاعة صوت العرب لمن شاءت له الظروف أن يستمع أو يقتني جهاز راديو، وكان يعتبر حينذاك نقلة نوعية للتعرف على بعض دول العالم وما يجري فيها.. وهذا نتيجة طبيعية لهول العزلة وبسببها كانت معاناة ظلام الفقر والجهل والمرض والتهميش.

قال يرحمه الله، اليمن لا يستحق العيش خارج خريطة العالم وتفاعلات الدول والشعوب، ومن حقه أن يسايرها ويحصل على شيء مما وصلت إليه من تقدم وعيش كريم.

تعرفت عليه وعرفته عن قرب، صدفة أثناء ضيافة أحد أولاده الكرام في منزله المتواضع، في مدينة المدائن تعز العز، وكنت حينها في مهمة عمل لأيام، وخلال ساعات الضيافة كان لي معه نقاش ممتع ورائع، خرجت بانطباع وجداني جميل ثقافه ومعلومات وفكر وعقل ونضج تجارب لمحارب تنويري متراكمه. كان النقاش مع المرحوم لبضع ساعات لكنها تعادل سنوات، فيها من الخبرة والتجربة والمعاناة والطموح والنكسات والانكسارات بمختلف ظروفها، عكست  نضال جهود رجل ورجال من أمثاله؛ ليرتقوا بالوطن وبما حملوه من أمل للانعتاق من أغلال التخلف بكل معانيه بقسوته وأنواعه.

أستاذ وخبير وجدت فيه حكمة وصفات رجل دولة بمعنى الكلمة. شغوفا بالإنسانية متواضعا، يحكي تجربته بأسلوب سلس رائع سهل الاستيعاب دون الحاجة لتفسير في أي قضية أو في مختلف جوانب العمل الرسمي والسياسي والشعبي، وعلاقاته الشخصية مع أقرانه من مناضلي وأحرار الثورة والجمهورية وأهدافها النهائية، تحقيق دولة يمنية موحدة قويه عادله كاملة السيادة والاستقرار والاستقلال  السياسي والاقتصادي غير تابعه أو مرتهنه وعالة لأي طرف إقليمي أو دولي، تحتضن جميع مواطنيها بالعدل والمساواة والتنمية المتوازنة والمستدامة.

ـ الاستاذ المرحوم من مواليد مديرية بعدان محافظة إب عام 1927.

  المسئوليات التي تولاها:

ـ عام 1963م أمين عام لرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء

–  عام 1965م مستشار لرئيس الجمهورية للشئون السياسية والإعلامية وآخر منصب له وزيرا للأعلام عام 1967م

ـ أثناء اللجوء السياسي إلى مصر تولى مهمة أمين عام الجمهوريين في الخارج.

ـ أول من عاد إلى الوطن من قائمة اللجوء السياسي عام 1971م ولم يمارس أي عمل بعد ذلك حتى وفاته في 12 أكتوبر 2012م يرحمه الله برحمته.

كان يشعر بشيء من الإحباط والحزن نتيجة الانتكاسات التي تعرضت لها الثورة والجمهورية وهمجية الأعداء من الداخل والخارج، التي كانت سبباً مباشراً مع الأسف في عدم القدرة لتحقيق أهداف الثورة والجمهورية بالمستوى الوافي، في الوقت والزمن والمكان المستحق، حسب الأولويات الضرورية والإمكانيات والموارد المتاحة، ولكل مناطق اليمن، مقابل كلفة وعظمة التضحيات التي قدمها كل المناضلون، بدم وجهد وعناء وطموح وطني ثوري يسابق الزمن، سقفه السماء، وهو طموح مشروع ومبرر وتعويضاً عن ردح زمني طويل من المعاناة والشقاء والتخلف ومأساة كوارث التشطير، وعدم الاستقرار السياسي والسلطوي وغيرها، الامر أحدث كسوف وخسوف واحتجاب ضوء الحياة والعيش الكريم لهذا البلد والشعب العظيم .

من خلاصة المواضيع  لنقاشي القصير مع الأستاذ المرحوم، كما استعيدها من الذاكرة إعجابه الشديد بالرئيس الراحل الشهيد إبراهيم الحمدي يرحمه الله، الذي باستشهاده في 11 أكتوبر/1977م، كان يوم فاجعة وحزن لليمن الكبير.

رغم ما كان بينهما من خلاف في بعض القضايا السياسة، إلا أنه أعتبره الشخصية والمشروع المعول عليها لمواصلة تحقيق الأمل بالعمل والزمن والثمن العادل، والنجاح المأمول، وبالذات التجربة الناجحة لهيئات التعاون الأهلي للتطوير في كل مناطق ما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية، التي منحت صلاحيات مناسبه وأساسية وموفقة من المركز للمحافظات والنواحي الإدارية (محافظات  -مديريات).

ويعرف المرحوم بهران هذه الخطوة الرائعة بمصطلح “ديمقراطية التنمية”. وكانت مشاركة المجتمع المحلي خطوة عملية لاحترام حقوق وعقول وطموح الناس، المستفيدين الحقيقين من عدالة الشراكة، في تنفيذ الأولويات من مشاريع البنية التحتية التي تتناسب مع الحاجة لعدالة التوزيع السكاني ريفاً وحضر واسبقيتها.

وبالفعل ساهمت هذه التجربة ايجابياً في توفير فرص العمل للسكان، والحد من الهجرة الداخلية من الريف للمدن، مما خلق انسجاما وتكاملا بين الحكم المركزي والمحلي، رسمي وشعبي، يزيل حالة التناقض والتذمر وسوء التوزيع التي كانت سائدة، وتتأرجح من حين لآخر حسب ظروف الوضع السياسي الذي يمر به اليمن، في كل مراحله ومحطاته المختلفة

تجربة هيئات التعاون الأهلي للتطوير الرائدة، في عهد الرئيس الشهيد ابراهيم الحمدي، حققت الشيء الكثير في زمن قصير، وأهمها شبكة شق الطرقات والتعليم والصحة مياه الشرب النقية والتشجير، وغيرها من تحسين الجانب الاجتماعي والمعيشي، كأولويات ضرورية، وقاعدة صلبة تساعد على سرعة تحقيق نهضة تنموية ناجحة أكثر تطوراً وأقل كلفة.

 شكى المرحوم يحيى بهران، بمرارة من تعمد إفشال هذه التجربة، دون مبرر منطقي، رغم أنها اثبتت نجاحا كبيرا.. نعم المرحوم من الجيل النقي النزيه، دافع وناضل وأعطى وجاهد في سبيل الثورة والجمهورية والاستقلال والوحدة والسيادة، بالقول والممارسة، والعمل بطموح فيه كل  الخير لمستقبل الوطن اليمني الكبير الواحد الموحد.

الحقيقة المحزنة والمبكية، أن الطموح الذي كان يرجوه الفقيد لم يكتمل بنيانه، وتعثرت الخطى بخطأ وخطيئة قوى الثورة المضادة، التي تم دعمها بقوة وجبروت من بعض دول الإقليم ومن يناصرها ويسندها من الدول الكبرى، ومعاول الهدم من الداخل.

لمست من حديث الفقيد مشاعر حزن وحسره ووجع، من أيادي التخريب على أيادي الخير والتغير والانتماء الوطني، التي قدمت الكثير من تضحيات رجالها الأحرار من مختلف مناطق اليمن. لكن يظل الأمل بالعمل لتصحيح الضرر المعيق  لبذل جهود مواصلة التنمية والبناء، ومقارعة الفساد والإفساد.

وعطفاً على ما سبق كان المرحوم الاستاذ يحيى بهران، من رجال كثير ومنهم جنود مجهولين أعطوا لليمن بدون منٍّ أو أذى، ولم يتناسوا الماضي وقسوته بصبر وصدق، دون انتظار المقابل والتكريم الذي يستحقونه.. رحلوا عن الدنيا بأيدي طاهرة وحياة بسيطة، دون حقوق مادية ومعنوية تتناسب مع استحقاقهم ومجهودهم الوطني، على مختلف المسارات والجبهات، وتخليد سيرتهم ونضالهم العادل المنصف.

ونقول: مازال للأمل فسحة؛ ليأتي من يواصل المسار، على هدى تجارب وخبرة مثل هكذا رجال، مؤهلون بالعلم والمعرفة والخبرة، وحب الوطن وقيم البناء والتنمية لحياة كريمة وشريفة للجميع، فالشمس تتجدد بإشعاع جديد، ويبقى الوطن على موعد مع النور، مهما كانت العثرات.

والمحزن، أن تاريخ وفاة الاستاذ المرحوم يحيى محمد بهران، يتزامن مع ذكرى استشهاد الرئيس المقدم إبراهيم الحمدي، قائد التصيح يرحمهما الله جميعاً، وستظل ذكرى كل من عمل وناضل من أجل اليمن بجهد وعلم ودم، نبراسا تقتدي بها الأجيال عبر التاريخ.

يقول الشاعر العربي:

كم مات قوم وما ماتت مكارمهم  وعاش قوم وهم في الناس أموات.

نسأل الله أن يسكن كل من أعطى خير لهذا الوطن جنة أفنان تجري من تحتها الأنهار.. المجد والخلود لشرفاء وشهداء ومناضلي الثورة والجمهورية والوحدة  والتنمية الشاملة العادلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى