ترجمات

استمرار الحرب يدفع الحوثيين إلى عمق المدار الإيراني

بروس ريدل- بروكينجس:
ترجمة: عبدالله قائد- خاص بـ”الشارع”، و”مدى برس”:

عادتْ الحرب في اليمن إلى سابق عهدها بعد خمسة أشهر من خفض التصعيد لتنحو في الاتجاه الخاطئ. فها هو القتال يتفاقم على الأرض، حيث عاود المتمردون الحوثيون في إطلاق هجماتهم الصاروخية على السعودية، كما عاود السعوديون في تنفيذ غاراتهم الجوية على صنعاء. وفي حال تفاقمت الحرب أكثر، فهناك خطر من أن تتوسع رقعتها وتجتذب تدخل إيران وأمريكا فيها بشكل أكبر من ذي قبل.

كانت الهجمات الصاروخية على البنية التحتية النفطية الحيوية للمملكة العربية السعودية في بقيق في سبتمبر الماضي بمثابة الصدمة التي أقنعت الرياض لمباشرة خفض التصعيد. وكانت الهجمات التي وضعت الإصبع على الجرح قد أظهرت الضعف الحاد للاقتصاد السعودي. وبعد الضربة مباشرة، أعلن الحوثيون، اللذين نسبوا الهجوم إليهم بينما كان في الواقع هجوماً إيرانياً، عن عرض بوقف الهجمات الصاروخية إلى داخل المملكة العربية السعودية في حال أوقفت الرياض القصف عليهم، لينال العرض استحسان طهران. واستغلَّ وسطاء الأمم المتحدة هذا الاختراق لوضع حد للعنف، وتبادل الأسرى، وإطلاق الرحلات الجوية الطبية من صنعاء للأشخاص الأكثر احتياجاً للرعاية.

كان السعوديون منزعجين للغاية من قول الرئيس ترامب إن هجمات سبتمبر كانت ضد المملكة العربية السعودية ولم تكن ضداً على الولايات المتحدة. هذا التفريق الذي صرح به ترامب جعل السعوديين يفقدون الثقة. وعلى الرغم من وجود قوات قتالية أمريكية في المملكة والتي (أعادها ترامب العام الماضي بعد أن غادرت في عام 2003)، قالت الولايات المتحدة إنها لن تقاتل ضد إيران دفاعاً عن السعودية. وكان الديمقراطيون أكثر حزماً في معارضتهم للدخول في حرب من أجل المملكة العربية السعودية. وعلى سبيل الاستشهاد، وصف السناتور بيرني ساندرز السعوديين بـ “البلطجية القتلة”. لقد كان ذلك بمثابة جرس إنذار، كما أن إقدام الولايات المتحدة على استهداف قاسم سليماني لم يبدد مخاوف الرياض. فبدأ السعوديون بإجراء مفاوضات مباشرة مع الحوثيين.

غير أن المحادثات فشلت في التوصل إلى إطار سياسي لوقف ثابت لإطلاق النار وإنهاء الحرب الأهلية التي تمثل جوهر النزاع. لم تكن الرياض راغبة في التخلي عن حكومة عبد ربه منصور هادي التي فقدت مصداقيتها، حيث يعيش هادي في المنفى في العاصمة السعودية. وبدون الدخول في عملية سياسية، فإن الحد من العنف معرض للخطر.

يتزايد نفوذ إيران على الحوثيين. كما تشكل المساعدة التي تقدمها طهران لبرنامج صواريخ الحوثيين أهمية في تنامي قدراتها. وقد نجح صاروخ أرض- جو إيراني في إسقاط طائرة سعودية من طراز تورنادو قبل أسبوع. فإيران، التي تنفق أموالاً أقل بكثير من السعوديين، لديها إدراك تام لإبقاء منافسيها العرب غارقين في مستنقع يكلفهم عشرات المليارات سنوياً. ويولي الحوثيون أهمية متزايدة لارتباطهم بإيران.

وقد نجا القائد الإيراني في اليمن عبد الرضا شهلائي من محاولة اغتيال أمريكية في نفس اليوم الذي قُتل فيه سليماني. كان الهجوم على شهلائي بمثابة إثبات مثير على مشاركة أمريكية أوسع في حرب اليمن، أكثر؛ مما كان مُبرهناً من ذي قبل. وعلى الرغم من محاولات الكونغرس لإنهاء الدعم الأمريكي للحرب الذي تخوضها السعودية، أمرت الإدارة الأمريكية بمحاولة قتل قائد قوات الحرس الثوري الإسلامي في صنعاء. وشهلائي هو ضابط متمرس جداً، وانخراطه بالحرب هو بمثابة مؤشر على أهمية هذه الحرب بالنسبة لطهران.

وفي حين لا تزال وتيرة العمليات أهدأ مما كانت عليه قبيل ستة أشهر من الآن، إلا أن النزعة إلى الحرب مازالت تبعث على القلق. وإذا كانت إيران لا تسيطر على الحوثيين، فإن الحرب تدفعهم أكثر إلى عمق المدار الإيراني، وهذا هو الكابوس بعينه الذي بينه السعوديون بالقول إن هدفهم من وراء الحرب هو في منع (التدخل) الإيراني. قال السعوديون إنهم أحبطوا هجوماً للحوثيين على الشحن البحري في البحر الأحمر الأسبوع الماضي، وهي علامة أخرى على التصعيد.

لن تقوم إدارة ترامب بالضغط على المملكة العربية السعودية لإنهاء الحرب: على سبيل المثال، لم يبذل وزير الخارجية أي جهد لإنهاء الحرب خلال زيارته للمملكة الأسبوع الماضي. وتعتقد الإدارة الأمريكية أن هذه الحرب هي جزء من حملة الضغط القصوى ضد إيران، وقد استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد جهود الكونغرس لإنهاء مشاركة الولايات المتحدة في الحرب. وسيحتاج الكونغرس إلى مضاعفة جهوده لوقف الدعم الأمريكي للحرب.  وإذا توسع الصراع أكثر، فإن العواقب الإنسانية ستفاقم من الكارثة القائمة المتمثلة في معاناة اليمنيين من سوء التغذية والجوع. ولا بد من إدراك الوقت للقيام بما ينبغي فعله!

*بروس ريدل هو زميل عريق في مجلة السياسة الخارجية، ومركز أمن واستخبارات القرن الـ 21، ومدير مركز سياسات الشرق الأوسط لدى مشروع الاستخبارات.

عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 2 مارس 2020، العدد 1194.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى