مقالات رأي

ويستمر “مقبل” بتوليد الحلم

يستمر “مقبل” كعادته بلم الشتات وتوليد الحلم والأمل حتى وهو مسجى في جثمانه، استثنائياً حياً وميتاً، وفريداً كالأحجار الكريمة التي لا تفقد بريقها وزهوها وقيمتها، وملهماً كأبطال الأساطير في خضم المواجهات المستحيلة. إن ميزة هذا الرجل هي قدرته على البقاء قوياً ومتماسكاً في أشد الأوقات ضعفاً وحلكة وسواداً.

 “مقبل” من تلك المعادن المشعة، التي تمنح غيرها الضوء والحياة، هو الأكثر تميزاً، والأكثر نقاء، والأكثر جسارة، طوال تاريخه النضالي الممتد من المهد إلى اللحد. هو تجسيد حقيقي لمعنى البساطة ولمعنى الانتماء للبسطاء ولقضاياهم، ولمعاني الدفاع عنها مهما كانت جسامة التضحيات..

الكتابة عن رجل بحجم “مقبل” تشبه الإبحار بقارب بلا مجاديف، أو محاولة ركيكة للطيران دون أجنحة، حالة عجز غريبة يستحيل معها الشروع في رثائه أو الحديث عنه، أو حتى ذكر بعضٍ من مناقبه وصفاته، ولعل كل عبارات الألم والحزن والرثاء بكل كلماتها قد لا تفيه حقه مهما تعدد الوصف والذكر.

 لقد تحولت كل اليمن إلى دار عزاء في وفاة “مقبل”، استقبلت مقرات الاشتراكي في كل المحافظات العزاء برحيله، وخرج رفاقه ومحبوه لاستقباله في كل المحافظات التي مر بها جثمانه؛ صنعاء، ذمار، إب، الضالع، لحج، عدن.. ثم تشييعه المهيب إلى مسقط رأسه بـ “الدرجاج”، محافظة أبين، بحضور حافل يتسامى مع حجم المصاب وفداحة الخسارة، ويتناسب مع شموخ المواقف التي لا تعرف الانحناء والانكسار.

أسقط “مقبل” العوائق والحواجز ونقاط التفتيش المنتصبة على طول الطريق من صنعاء إلى عدن، كما أسقط أقنعة المتخمين في شرعية جوفاء عجزت أن تنقذ قلبه بنفس درجة العجز في إنقاذ قلب وطن يحتضر، وهزم موكبه ظروف الحرب العصيبة، ومر دون توقف كمواكب الفاتحين.

“مقبل” استثناء حتى برحيله، مهيب حتى وهو مسجى، ربيع أخضر غير قابل للمنع أو التأجيل، إرادة فولاذية لم تنكسر في زمن الجبروت. إنه أحد العمالقة الذين صاغوا التاريخ منذ ولادة الثورة وحتى إقامة الدولة، وعملاقاً حين استدعت حاجة الحزب إلى رجل مخلص ومنقذ في زمن مُرُّ وعصيب، وفي لحظة تاريخية فارقة.

من قلب صنعاء المسيجة بالخوف والعسكر ونشوة الانتصار الفارغة، أعلن القائد “مقبل” إدانة الحزب الاشتراكي لحرب ٩٤ القذرة، وإدانة مشعليها، ومن بين أسوارها المدججة بالموت والرعب عقد المؤتمر الرابع للحزب الاشتراكي اليمني، وفي لحظة انتشاء جنرالات أمراء الحرب، وعصابات يوليو الأسود بالنصر الزائف، الذي أسس لإسقاطهم وإسقاط البلد في دورات الحروب والصراعات.

“مقبل” كان صمام الحزب حين تكالبت عليه النوائب وقوى الإرهاب والفيد والتخلف. كان هو، والشهيد جار الله، وسيف صائل، ورفاقهم، طليعة المسار، وطليعة المواجهة، وطليعة التحدي لحزب أعزل من أي شيء عدا مبادئه وإرادة منتسبيه الفولاذية، وذلك الإقدام الذي يشبه تماماً إقدام الأشجار العملاقة على مقاومة الجفاف والتصحر وضربات الفؤوس، وحين تقرر الموت فإنها لا تموت إلا شامخة وباسقة.

نجح الاشتراكيون، وبحسب ما تتطلبه المرحلة العسيرة، في اختيار قيادة للحزب بحجم الفقيد “مقبل” ورفاقه، تستند إلى تأريخ كفاحي ونضالي. ومن بين خرائب حرب 94  القذرة وحطامها، استطاع “مقبل” أن يلهم الرفاق، وينفخ في روحهم إكسير التحدي، ويعزف على أوتار إرادتهم سيمفونية البقاء الخالدة.

ونهض الاشتراكي من بين رماد الحرب بكل شجاعة ليقول كلمته الفصل على لسان “مقبل الأمين”، ويؤكد استمرارية كفاحاته النبيلة بالطريقة التي تتناسب مع تأريخه العريق، ومع تضحياته في كل محطاته النضالية الوطنية.

لقد هز رحيل “مقبل” الوجدان الشعبي، وتداعى رفاقه ومحبوه من كل حدب وصوب لتشييعه وعزائه، وتجديد العهد في المضي على مبادئه كأحد العظماء الذين يتشرف التاريخ بتدوين أسمائهم في سجلاته الخالدة كرموز وطنية استثنائية قلما يتكررون مهما دارت الأيام وتوالدت النساء بالرجال.

 سنظل مسكونين بذكراك أيها العتيد علي صالح عباد (مقبل)، سيظل الاشتراكيون فخورين وممتنين لك على الدوام وباستمرار حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

لك السلام ولروحك الخلود الأبدي في ذكرى رحيلك الأولى، ولنا العزاء والعزاء والعزاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى