تريم.. غنَّاء حضرموت

-
حصلتْ على لقب عاصمة الثقافة الإسلامية في عام 2010 من بين عدة مدن إسلامية تتنافس على اللقب.
-
تضم أكثر من 400 مسجد، وفيها أطول مأذنة طينية في العالم.
-
فيها مكتبة الأحقاف التي تحتوي على ما يقارب 3132 مجلد، حيث تُصنف ضمن أكبر المكتبات في اليمن
-
تحتضن عدداً من القصور القديمة الفارهة ذات الطراز المعماري الجميل
-
ينتمي إليها مجموعة من مشائخ الدين، ومن نجوم الفن على المستوى العربي.
تقرير: صابر السليس
كثيرة هي المدن التاريخية في بلادنا، وقد كانت منبر للعلم ومنبع لا يجف للعلماء، مدن تدِّل على الماضي العريق لبلادنا وتاريخنا الذي أصبح مجرد حبر على ورق إلا في قليل من المدن التي ما زالت تحافظ على مكانتها ومكانة بلادنا في التاريخ، ومن هذه المدن مدينة تريم حضرموت التي يرجع تاريخها إلى القرن الرابع قبل الميلاد؛ حيث كانت عاصمة لحضرموت القديمة ومقر ملوك كندة قبل ظهور الإسلام.
وحين جاء الإسلام كان لتريم نصيب الأسد في تعلُّمه ونشره لاسيما جنوب شرق آسيا والهند وأفريقيا عندما كان أهل تريم يتاجرون ويهاجرون إلى تلك البلدان.
“الشارع” كانت لها زيارة لمدينة تريم التاريخية، فكان واقعها أكبر بكثير مِمَّا نسمع عنها، وأعظم من ما نراه في شاشات التلفاز ونقرأه في الصحف والمجلات: مساجد، ومنارات، ودورعلوم، وقصور طينية، ومكتبات وتراث، وطقوس خاصة، وعادات وتقاليد، كل ذلك وغيره الكثير كان حاضراً في غنّاء حضرموت.
مشائخ الدين
كانت مدينة تريم من المدن السبَّاقة في نشر الإسلام وتعاليمه، وما تزال إلى اليوم مرتع للعلم يأتي إليها طلابه من كل حدب وصوب دون غيرها من المدن الإسلامية الكثيرة في كل بقاع الأرض.
وليس وحدهم أبناء البلد من يذهبون إلى تريم لتلقي العلوم الدينية، بل أن هناك الكثير من أبناء البلدان الإسلامية كإندونيسيا وغيرها يقطعون المسافات ليتتلمذوا على أيدي مشائخها وعلمائها كالحبيب علي الجفري، والحبيب عمر بن حفيظ، ولينهلوا من علوم دار المصطفى للدراسات الإسلامية ورباط تريم ودار الزهراء.
المساجد
لا غرابة من كثرة المساجد وتعدادها في البلدان الإسلامية؛ لأن وجودها يدلل على إسلام تلك البلدان، ولكن كثرة المساجد في تريم يجبر المتطلع إليها على الاستغراب؛ لكونها مدينة صغيرة وتضم عدد كبير من المساجد.

حيث تضم تلك المدينة ما يزيد على 400 مسجداً أشهرها جامع المحظار ذو المأذنة الطينية الأطول في العالم والذي يعدُّ من أبرز معالم مديمة تريم وصار رمزاً يدل على تلك المدينة، وكذلك مسجد العيدروس، ومسجد الزهراء، ومسجد الجامع، ومسجد القوم الذي يطلق عليه حالياً مسجد بن علوي الذي يرجَّح بأنه بُني قبل 900 سنة.
القصور
إضافة إلى المساجد ودور العلوم الإسلامية، تشتهر تريم بالقصور التاريخية القديمة المبنية من الطين وذات الطراز المعماري الجميل تنسب لملوك وأمراء وحكام وأثرياء من محافظة حضرموت، لعل أشهر تلك القصور قصر القبة، وقصر تريم، وقصر الناد، وكذلك قصر عشة وقصر المنيصورة.
المكتبات
لا شك أن مدينة كتريم سيهتم أبناءها بالقراءة، وبالعكوف على الكتب في المكتبات. كيف لا والعالم يأتي إليهم ليطلب العلم منهم؟
ففي القديم اهتم الكثير من الشخصيات العلمية بتكوين مكتبات داخلية في بيوتهم بجهود ذاتية ولم يتركوا كتاب ولا مخطوط إلا واشتروه أو استنسخوه وفي ما بعد تم نسخ تلك الكتب واقتناؤها بالشراء وهي عبارة عن مخطوطات نادرة جداً ذات قيمة علمية كبيرة، وضُمت كلها في مكتبة الأحقاف للمخطوطات بعد تأسيسها في عام 1972م حيث تحتوي على 3132 مجلداً، وتضم ما يقارب الخمسة آلاف مخطوطاً، وصُنفت مكتبة الأحقاف ضمن أكبر المكتبات في اليمن، كما توجد مكتبات أخرى غيرها للقراءة العامة والمطالعة في المدينة.
نجوم الفن
مثلما أن لتريم نصيب في العلوم الإسلامية لها نصيباً أيضاً في الفنون، وكيف لا يكون لها نصيب والشاعر الكبير المحضار ينتمي إليها وكيف لا يكون لها نصيب وأبو بكر سالم بلفقية من أبنائها وكذلك الشاعر حداد بن حسن الكاف وحفيدة عبدالقادر الكاف وغيرهم الكثير من الشعراء والفنانين؛ ولذا يمكن القول بإن مدينة تريم جمعت بين العلم والفن والثقافة والتراث والتاريخ.
العادات والتقاليد

لتريم طقوسها الخاصة التي تتفرد بها عن غيرها من المدن، ولأبنائها عادات وتقاليد تجعل الفرد في حيرة من أمرة، ومن عاداتهم التي لا يمكن التفريط فيها زيارة قبر النبي هود الواقع في مديرية السوم، وقبل الزيارة وعلى وجه الخصوص في هذه الأيام يقومون بأمور كثيرة وعادات وتقاليد لا تحصى وما شدني من تلك العادات ما يسمونه (التهويدات) حيث يخرج المصلون بعد صلاة العشاء إلى باب المسجد ويلقي أحدهم ما يشبه الأنشودة فيها مدح للنبي محمد (ص) وعند جملة معينة يصيح الحشد المتجمع أمام المسجد مشكلين مجاميع دائرية (هودا هودا.. هود نبي)، ثم ينطلقون بمسيرة راجلة يرددون ما يسمونها التهويدات يمدحون فيها النبي هود عليه السلام؛ وذلك ليحفزوا الناس على زيارة قبره المقررة في الأسابيع القادمة.
ومن عاداتهم وتقاليدهم أيضاً أنه في تلك الزيارة يستخدم جزء من أبناء تريم الجمال كوسيلة نقل من مدينة تريم إلى شعب النبي هود، و يكون فيها عدد أيام السفر 3 أيام، معبرين بذلك عن طبيعتهم وعن ماضي الأجداد الغابر.
عاصمة الثقافة الإسلامية
هي تستحق ذلك دون سواها، وقد أنصفتها “أيسيسكو”
ففي عام 2010م، اختارت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (أيسيسكو) مدينة “تريم” اليمنية بمحافظة حضرموت عاصمة للثقافة الإسلامية من بين عدة مدن إسلامية تتنافس على نيل اللقب.
ويأتي اختيار مديمة تريم كعاصمة للثقافة الإسلامية تقديراً لدورها الدعوي في نشر الإسلام في آسيا وأفريقيا عبر العصور.
عن صحيفة “الشارع” اليومية الورقية، 23 مارس 2020، العدد 1212.



