الجامعة وضحاياها..
التعليم بين نظامين.. والكتلة الحرجة فيزيائياً*
نظامان تعليميان يعملان بصورة موازية ومتلازمة في الجامعات اليمنية الحكومية.. النظام الأول: يطلق عليه (نظامي).. والآخر: مواز أو نفقة خاصة.. يخضع الأول لرسوم حددها القانون، بينما الثاني يخضع لأسعار السوق (بالدولار).. ويختلف سعر صرف الدولار من عام إلى آخر باتجاه تصاعدي.
يشير هذا الاختلاف ضمناً، بأن العملية التعلمية الموازية أو بنفقتها الخاصة، أصبحت ذات نمط استهلاكي تنافسي مع الجامعات الخاصة.
لست هنا بصدد الحديث عن الجودة الأكاديمية في النظامين الحكومي، أو بصدد عقد مقارنه بين هذه الجودة وتلك، التي تمنح، بموجبها الجامعات الخاصة، تراخيص مزاولة عملها التعليمي.
كما أنني غير معني هنا، بعمل دراسة تحليلية حسابية للوارد والمنصرف للنظامين الجامعيين الحكوميين، كما أن مدخلات ومخرجات هذه الأنظمة سابق لأوانه في هذا السطور.
من معلوماتنا السابقة، ندرك بأن أي نظام سواء تعليمي أو سياسي أو علمي يحمل في طياته بذور فنائه أو عوامل الثورة عليه، عند ما يصل به الأمر إلى تخوم الأزمة التي لا يستطيع الاستمرار في ظلها.. (أزمة فيزياء نيوتن.. وبزوغ النسبية وثورة الكم.. قيام الثورات السياسية.. الربيع العربي، الذي لا زالت تتبرعم انفاس كتلته الاجتماعية حرجة تالية).
ولذا يمكننا أن نستشف بوادر هذه الأزمة القادمة المتناسبة، مع ما ستؤول إليه الأوضاع الاقتصادية للمواطن. مع تثبيت عامل ضعف قدرة الأداء الحكومي على الالتزام ليس بالنظام الحكومي التعليمي، بل بكافة المجالات كوظيفة عامة وعدم انتظام الرواتب، التي أصبحت ذات قيمة شرائية متدنية.
تحويل التعليم في كل مراحله إلى سلعة استهلاكية، وبأسعار خيالية هي النوى التي تتشكل منها الكتلة الحرجة الاجتماعية للثورة القادمة.
التنافس الغير مدروس في إعطاء تراخيص التعليم العالي التنافسي بين الجامعات الحكومية والخاصة، لا ينذر بخير إطلاقا، لأنه يقوم على المماثلة وليس على النوعية، وستتكدس هذه المخرجات المتماثلة بعد زمن محدود شئنا أم أبينا، وهذا التكدس عامل مؤثر لتشكيل الكتلة الاجتماعية الحركة (بهويتها الطلابية).
صفوة القول، فأن الكثير من العوامل لا زالت تتشكل لتكوين الكتلة الحرجة اجتماعياً، والتي إذا ما انفجرت ستحدث انفجارات تلقائية تسلسلية(كما يحدث نووياً)، ولذا نجد أن:
هذه الكتلة الحرجة الاجتماعية، التي بدأت تتجمع وتتشكل مكوناتها الاجتماعية، من مكبوتات سوء الحالة الاقتصادية، المتزامنة مع الإخلال بالتعليم النظامي في كل مراحله التعلمية. إضافة إلى مكبوتات أخرى تبين وتختفي في نوايا الزيادة الغير معقولة في قيمة الرسوم الدراسية من عام إلى آخر، والتي قد تعمل على تعجيل تكون هذه الكتلة الحرجة الاجتماعية، لإحداث تفاعلات انشطاريه تلقائية، متسلسلة من الأحداث الثورية.
الجامعات الحكومية، وربما ستكون الجامعات الحكومية منطلق هذا الانفجار التلقائي المتسلسل من أحداث الثورة التعليمية القادمة.. (وقل مثل ذلك على مجال الصحة وتحسين ظروف العيش)، وإذا ما تكونت هذه الكتلة الحرجة الطلابية، وأشعل أنفاسها الحق في التعليم، فلن توقف تسلسل أحداثها إعفاءات الـ 30 % أو التخفيضات الموسمية.
* تعرف الكتل الحرجة حسب الفيزياء النووية، بأنها الكتلة التي تبدأ عندها عملية الانشطار التلقائي، وتقدر الكمية الآمنة للتخزين في اليورانيوم 235 في حدود 11 كجم. وإذا زادت كمية التخزين عن هذه القيمة، تحدث التفاعلات الانشطارية التلقائية.