تقارير
من بساط الريح إلى صرخة الحوثي.. كيف فقد اليمن جزءاً أصيلاً من مجتمعه؟

-
عدد اليهود اليمنيين تقلص إلى بضعة أشخاص والبلد أصبح أحادي الديانة
-
من العوامل التي أدت إلى شطب اليهود من الخارطة السكانية لليمن صعود تيارات وتنظيمات الإسلام السياسي المتشدّدة من إخوان مسلمين وحوثيين وقاعدة
-
لو أتيحت لكل اليمنيين من غير أتباع الديانة اليهودية فرص للهجرة إلى خارج البلاد لكان البلد قد فقد منذ سنوات الغالبية العظمى من سكّانه
-
أشدّ إنذار تلقّاه يهود اليمن بشأن تبدّل الأحوال مع صعود حركات دينية متشدّدة، كان مقتل الشاب اليهودي موشيه يعيش النهاري على يد طيار سابق في القوات الجوية متأثر بأفكار القاعدة
-
منذ صيف العام الجاري أصبح اليمن شبه خالٍ، ولأوّل مرّة في تاريخه، من اليهود بعد مغادرة آخر عائلتين يهوديتين البلاد
-
بحسب أغلب الروايات فإنّ عدد اليهود في اليمن لم يعد يتعدّى بضعة أفراد، أو بضع عشرات في أحسن الأحوال، ما يزالون موجودين في اليمن بشكل مؤقت في انتظار ترتيب مغادرتهم النهائية
-
إذا كان يهود اليمن قد تعرّضوا لبعض الاضطهاد وحرموا من بعض حقوق المواطَنَة فإنّ السبب الرئيسي لمغادرتهم البلد هو تلك الفرصة التاريخية التي أتيحت لهم لبدء حياة جديدة في وطن جديد مختلف عن الوطن الأصلي، الذي لم ينجح على مدار تاريخه المعاصر في أن يكون مكاناً يستطاب فيه العيش بفعل الفشل المتكرّر لنموذجه السياسي، وتعثّر جهود التنمية فيه، وعدم استقراره الذي خلق بيئة مناسبة لظهور النزعات الدينية المتشدّدة وتغلغلها في مجتمعه.
ريدة (اليمن)- “العرب اللندنية”:
تضافر عاملان متقابلان ليجعلا اليمن يفقد، خلال أقل من قرن، جزءاً أصيلاً من مجتمعه ضارباً بجذوره في الأرض اليمنية منذ حوالي ألفي سنة، وفقاً لبعض الروايات التاريخية.
ويتعلّق الأمر باليهود اليمنيين، الذين تقلّص عددهم من قرابة الخمسين ألفاً في منتصف

القرن، الماضي إلى بضعة أفراد الآن، يستعد الأصحّاء منهم إلى المغادرة النهائية، بينما يفضل المسنّون والمرضى اختصار الجهد وانتظار الموت في البلد الذي ولدوا وعاشوا على أرضه، ليسدل الستار بذلك على آخر مظهر للتنوّع الديني في اليمن، الذي أصبح بمغادرة اليهود بلد الديانة الواحدة، وهي الإسلام بفرعيه السنّي الشافعي، والشيعي الزيدي.
ويتمثّل أول العاملين اللذين أديا إلى شطب اليهود من الخارطة السكانية لليمن، في أنّ البلد كان على مدار العشريات الماضية وإلى الآن، مكاناً غير مغرٍ للعيش والاستقرار فيه، وذلك بسبب أوضاعه السياسية والأمنية غير المستقرة، مع وجود اختلافات في حالات عدم الاستقرار بين فترة وأخرى، وأيضاً بسبب أوضاعه الاجتماعية الهشّة، في ظل الفشل المزمن في إرساء عملية تنموية منتجة للثروة ومحقّقة لقدر من الرفاه للمجتمع، فضلاً عن تكلّس الأوضاع السياسية، والفشل في إرساء دولة المواطَنَة التي يتساوى فيها الجميع بغض النظر عن أصولهم العرقية وانتماءاتهم الدينية والطائفية.
ثمّ جاء صعود تيارات وتنظيمات الإسلام السياسي المتشدّدة من إخوان مسلمين وحوثيين وقاعدة، ليجعل من اليمن منفّراً لأبنائه الذين يحلم أغلبهم بالهجرة إلى حيث تتوفّر فرص العمل وإمكانيات النجاح والتمتّع بقدر من الحرية بعيداً عن قمع السلطة وتسلّط المتشدّدين. ولو أتيحت لكل اليمنيين، من غير أتباع الديانة اليهودية، فرص للهجرة إلى خارج البلاد لكان البلد قد فقد منذ سنوات الغالبية العظمى من سكّانه.
عوامل جاذبة
في مقابل ذلك، كانت هناك نقطة جذب قوية ليهود اليمن، متمثّلة في دولة إسرائيل، التي أظهرت، منذ تأسيسها في أواخر أربعينات القرن الماضي، حرصاً واهتماماً شديدين باستقطاب الجاليات اليهودية من مختلف أصقاع العالم، لاسيما في المنطقة العربية، حيث كان يهود بعض بلدان المنطقة يتعرّضون لأخطار حقيقية، كما هي حالهم في العراق مثلاً، عندما طالتهم في بغداد سنة 1941 أعمال عنف دموية في خضم حالة الفوضى التي عمّت المدينة عقب سقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني، أسفرت عن مقتل وجرح المئات من اليهود العراقيين، وتدمير المئات من بيوتهم ومحالّهم التجارية، ونهب ما فيها من أموال وممتلكات، لتمثّل تلك الأحداث التي باتت تعرف بـ “الفرهود” بعد سنوات قليلة من وقوعها، دافعاً لهجرة يهود العراق جماعياً نحو إسرائيل “الوطن القومي” الجديد لليهود.
ورغم كثرة العوامل الطاردة ليهود اليمن في مقابل كثرة العوامل الجاذبة لهم خارجه، فإنّ هجرة هؤلاء من البلاد لم تكن عملية تلقائية بقدر ما كانت عملية منظمة وممنهجة تحت إشراف الوكالة اليهودية شبه الحكومية المسؤولة عن تنسيق هجرة اليهود إلى إسرائيل، حيث أسفرت العملية الضخمة التي نظّمتها الوكالة تحت مسمّى “بساط الريح”، عن تهجير أكثر من خمسين ألف يهودي يمني، بينما تواصلت عملية التهجير، خلال السنوات الأخيرة، لاستكمال نقل من بقي من يهود اليمن.
ففي سنة 2016، وبعد سنتين من اندلاع الحرب التي ما تزال دائرة إلى اليوم إثر غزو الحوثيين لمناطق شمال وغرب البلاد واستيلائهم على العاصمة صنعاء، قامت إسرائيل بآخر العمليات الكبيرة لنقل تسعة عشر فرداً من اليهود اليمنيين، وهي العملية التي أطلق عليها اسم “من أقاصي اليمن”، وتعاونت على إنجازها الوكالة اليهودية مع وزارة الخارجية الإسرائيلية، وبمساهمة الخارجية الأميركية، وقد وصفت بالسرية، لكنّ عدّة مصادر شكّكت في ذلك، مؤكّدة علم الحوثيين المسيطرين على محافظتي عمران وصنعاء، اللتين نُقل منهما هؤلاء اليهود، بالعملية وتسهيلهم إخراج المستهدفين بها رغبة في التخلّص منهم.
واكتست العملية أهمية خاصّة، ومثّلت استثماراً سياسياً مجزياً لحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كون أحد المغادرين ضمن عملية “من أقاصي اليمن”، شخصية دينية مرموقة هو حاخام الجالية اليهودية في مدينة ريدة، سليمان ضاهري، الذي حمل معه إلى إسرائيل نسخة قديمة من التوراة يزيد عمرها على ثمانمائة عام.
وإذ تمسّك عدد قليل من اليهود بالبقاء في اليمن، متجاهلين الإغراءات الإسرائيلية التي اجتذبت غالبية أبناء جلدتهم، فقد بدأت الصعوبات تلوح أمام بقائهم خلال العشريتين الماضيتين، حيث بدأوا يتعرّضون لمضايقات وتهديدات في مناطق إقامتهم، خصوصاً بالشمال اليمني.
عوامل طاردة
شهدت المجموعة الصغيرة الباقية من يهود اليمن بدءاً من منتصف العقد الأول من القرن الحالي عملية نزوح داخلي، حيث انتقل العشرات منهم من مناطق شمال اليمن إلى العاصمة صنعاء، ليقيموا هناك في المدينة السياحية، بعد تعرّض بعض العوائل اليهودية إلى مضايقات من قبل جماعة الحوثي، خصوصاً في منطقة غرير آل سالم بمديرية كتاف، التابعة لمحافظة صعدة معقل الحوثيين، وصلت حدّ نهب ممتلكاتهم والاستيلاء على بيوتهم وسياراتهم.
لكنّ أشدّ إنذار تلقّاه يهود اليمن بشأن تبدّل الأحوال مع صعود حركات دينية متشدّدة في




